إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة، الجزء الثالث كتبه مها طبيق

إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة، الجزء الثالث كتبه مها طبيق


07-27-2026, 03:44 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785163466&rn=0


Post: #1
Title: إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة، الجزء الثالث كتبه مها طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 07-27-2026, 03:44 PM

03:44 PM July, 27 2026

سودانيز اون لاين
مها الهادي طبيق-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر






27 يوليو 2026


الدولة السودانية منذ 1956: كيف تراكمت أزمة المركز والهامش؟ إذا أردنا فهم الحرب التي يعيشها السودان اليوم، فلا يكفي أن نقرأ أحداثها العسكرية أو تحالفاتها السياسية، بل ينبغي العودة إلى السؤال الذي ظل مؤجلًا منذ الاستقلال: كيف أُدير السودان، ولصالح من؟ منذ الأول من يناير 1956، ورث السودانيون دولة بحدودها ومؤسساتها الإدارية، لكنهم لم يرثوا مشروعًا وطنيًا متفقًا عليه. فقد غادر الاستعمار تاركًا جهازًا إداريًا، لكنه لم يترك عقدًا اجتماعيًا يحدد طبيعة العلاقة بين الدولة ومكوناتها المتعددة. وهنا بدأت الأزمة.

لم تكن المشكلة في وجود مركز سياسي بالعاصمة، فكل الدول تحتاج إلى مركز لإدارة شؤونها، وإنما في تحول هذا المركز، عبر العقود، إلى مركز لاتخاذ القرار السياسي والاقتصادي والإداري، بينما ظلت أطراف البلاد تشعر بأن دورها يقتصر على تقديم الموارد والرجال للحروب، دون أن تنال نصيبًا متكافئًا من التنمية أو المشاركة في صناعة القرار. ومع مرور السنوات، تشكلت فجوة عميقة بين المركز والهامش. لم تكن هذه الفجوة جغرافية فقط، بل كانت اقتصادية وثقافية وسياسية.

فضعف البنية التحتية، وتفاوت الخدمات، واختلال توزيع الاستثمارات، كلها عوامل غذّت شعورًا متزايدًا بعدم العدالة، وأسهمت في بروز حركات احتجاجية ثم حركات مسلحة في مناطق مختلفة من البلاد. وفي المقابل، لم تستطع النخب السياسية في الخرطوم، سواء كانت مدنية أو عسكرية، إنتاج مشروع وطني يستوعب هذا التنوع. فغالبًا ما انشغلت بصراعات السلطة، والانقلابات، والتحالفات الحزبية، بينما تراجعت قضايا بناء الدولة والتنمية المتوازنة والإصلاح المؤسسي. كما أن العلاقة بين الجيش والسياسة أسهمت في تعقيد الأزمة.

فقد أدى تكرار الانقلابات العسكرية إلى إضعاف المؤسسات المدنية، بينما أدت الانقسامات السياسية إلى منح المؤسسة العسكرية دورًا يتجاوز وظيفتها الدستورية في حماية البلاد. ومع كل انقلاب أو انتفاضة، كانت الأزمة تُؤجل ولا تُحل. لكن من الضروري أيضًا تجنب تبسيط المشهد بردّ الأزمة إلى ثنائية "المركز" و"الهامش" وحدها. فقد شهدت مناطق الهامش نفسها تفاوتات داخلية وصراعات محلية، كما لم تكن كل سياسات المركز واحدة عبر العقود.

لذلك فإن القراءة الموضوعية تقتضي الاعتراف بتعقيد المشهد، بعيدًا عن الروايات التي تحمل طرفًا واحدًا المسؤولية الكاملة. لقد كشفت الحرب الأخيرة أن الأزمة تجاوزت حدود التنافس السياسي التقليدي، لتصبح أزمة في مفهوم الدولة ذاته. فحين تنهار المؤسسات، وتتعدد مراكز القوة المسلحة، وتتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، يصبح السؤال المطروح ليس: من ينتصر في الحرب؟ بل: أي دولة ستخرج من هذه الحرب؟ وهنا تبرز فكرة "إعادة التأسيس".

فإذا كان المقصود بها مجرد إعادة توزيع السلطة بين القوى المتحاربة، فلن تختلف نتائجها كثيرًا عن تجارب سابقة. أما إذا كانت تعني إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة، وسيادة القانون، واللامركزية الفاعلة، والعدالة في توزيع الموارد، فقد تمثل فرصة تاريخية لكسر الحلقة التي استمرت منذ الاستقلال.

إن السودان لا يحتاج إلى مركز ضعيف ولا إلى أطراف متنازعة، بل يحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، ومتوازنة في تنميتها. فالتجارب الحديثة تؤكد أن استقرار الدول لا يتحقق بإلغاء التنوع، وإنما بإدارته ضمن إطار دستوري يضمن الحقوق والواجبات للجميع. ولعل الدرس الأهم من سبعة عقود مضت هو أن الدولة لا تُبنى بالهيمنة، ولا تُدار بردود الأفعال. إنها تُبنى برؤية وطنية طويلة المدى، تجعل من التنوع مصدر قوة، ومن المواطنة أساسًا للانتماء، ومن المؤسسات الضامن الحقيقي لوحدة البلاد. لذلك، فإن أي مشروع سياسي يرفع شعار "التأسيس" سيواجه اختبارًا حاسمًا: هل سيكتفي بتغيير موازين القوى، أم سيعالج الجذور التي جعلت سؤال الدولة مطروحًا من جديد بعد سبعين عامًا من الاستقلال؟