Post: #1
Title: من إصلاح الدولة إلى إعادة تأسيسها: لماذا مبادرة السفير نور الدين ساتي متأخرة عن الواقع السوداني؟
Author: خالد كودي
Date: 07-26-2026, 10:12 PM
10:12 PM July, 26 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
مقدمة في يوليو 2026 طرح السفير نور الدين ساتي وثيقة بعنوان "مقترح من أجل نظام جديد للحوكمة في السودان: جمهورية السودان الاتحادية"، قدم فيها تصوراً لإعادة هيكلة الدولة السودانية على أساس فيدرالي واسع، مع توسيع سلطات الأقاليم، وترسيخ الدولة المدنية الديمقراطية، وإقامة جيش قومي موحد، وإعادة توزيع الموارد بين المركز والأقاليم. وقد جاءت الوثيقة في سياق الحرب السودانية، وتصاعد الحديث عن إعلان حكومة موازية من قبل تحالف تأسيس، باعتبارها محاولة لتقديم مخرج يحافظ على وحدة السودان ويمنع تكرار تجربة انفصال جنوب السودان. تتضمن الوثيقة عدداً من المبادئ التي ظلت تطالب بها قوى ديمقراطية عديدة، مثل الفيدرالية، والمواطنة، والجيش القومي، والدولة المدنية، والتوزيع العادل للموارد. غير أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه المبادئ جيدة في ذاتها، وإنما ما إذا كانت تكفي للإجابة عن طبيعة الأزمة السودانية بعد أكثر من سبعين عاماً من فشل دولة ما بعد الاستقلال، وبعد التحولات التي أحدثتها الحرب الحالية. وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فهذه الوثيقة، رغم حداثة تاريخ إصدارها، تبدو أقرب إلى إعادة إنتاج عشرات المبادرات التي سبقتها، أكثر من كونها استجابة للتحول العميق الذي يشهده السودان اليوم. إنها تنتمي إلى مدرسة إصلاح الدولة القائمة، بينما أصبح الصراع السياسي يدور، حول إعادة تأسيس الدولة نفسها.
أولاً: ماذا تقترح الوثيقة؟ يمكن تلخيص مبادرة السفير نور الدين ساتي في المحاور الآتية: - إنشاء جمهورية السودان الاتحادية على أساس فيدرالي يمنح الأقاليم سلطات واسعة. - إعادة تقسيم السودان إلى أقاليم اتحادية، تشمل دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، وشرق السودان، والشمال، والجزيرة، والنيل الأبيض، وسنار، والخرطوم. - ترسيخ الدولة المدنية الديمقراطية، والمواطنة المتساوية، ومنع استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية - إنشاء نظام رئاسي اتحادي ومجلس يمثل الولايات - تحديد اختصاصات الحكومة الاتحادية والأقاليم بصورة واضحة - ضمان حماية التنوع الثقافي وحقوق الأقليات - وضع نظام عادل لإدارة الموارد الطبيعية وتوزيع عائداتها - إصلاح النظام الانتخابي لضمان تمثيل أكثر عدالة - إنشاء جيش قومي مهني واحد - إنشاء آليات مستقلة لفض النزاعات - طلب دعم إقليمي ودولي لإنجاح عملية الانتقال ومن حيث المبدأ، يصعب الاعتراض على كثير من هذه البنود؛ بل إن عدداً كبيراً منها يمثل مطالب ظلت مطروحة منذ مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965، مروراً باتفاقية أديس أبابا، واتفاقية السلام الشامل، ووثيقة الفجر الجديد، ووثائق قوى الحرية والتغيير، وصولاً إلى عشرات المبادرات التي صدرت خلال سنوات الحرب. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت هذه الأفكار مطروحة منذ عقود، فلماذا لم تُنتج سلاماً مستداماً؟
ثانياً: المشكلة ليست في شكل الدولة بل في طبيعتها تنطلق الوثيقة من افتراض ضمني مفاده أن الأزمة السودانية هي أزمة سوء توزيع للسلطات والموارد داخل الدولة القائمة. ولذلك يصبح الحل هو إعادة تصميم مؤسساتها بطريقة أكثر كفاءة وعدالة. غير أن هذا الافتراض هو نفسه محل النزاع السياسي والفكري في السودان اليوم. (State-Building) ففي أدبيات بناء الدولة يميز الباحثون بين الدول التي تحتاج إلى إصلاح مؤسساتها، والدول التي تقوم أزماتها على خلل تأسيسي في العقد السياسي نفسه. وفي الحالة الثانية، لا يكون الخلاف حول كفاءة الإدارة، بل حول سؤال أعمق: من يعرّف الدولة؟ ولصالح من تعمل؟ وما الأسس التي قامت عليها أصلاً؟ ومن هذا المنظور، يرى كثير من منظري الاستعمار الداخلي، مثل بابلو غونزاليس كاسانوفا ومايكل هيشتر، أن التهميش لا ينتج عن ضعف التنمية فقط، وإنما عن بنية تاريخية تحتكر فيها مجموعة اجتماعية أو جغرافية السلطة والثروة والمعرفة، وتعيد إنتاج هذا الاحتكار عبر مؤسسات الدولة نفسها. وبناءً على هذا الفهم، فإن نقل بعض الصلاحيات إلى الأقاليم لا يعالج وحده المشكلة إذا بقيت الفلسفة المؤسسة للدولة كما هي. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الإصلاح الإداري وإعادة التأسيس الدستوري.
ثالثاً: الفيدرالية ليست بديلاً عن العدالة التاريخية تُقدِّم الوثيقة الفيدرالية بوصفها المدخل الرئيسي لحل الأزمة السودانية. غير أن التجربة المقارنة تُظهر أن الفيدرالية ليست وصفة سحرية. فنيجيريا دولة فيدرالية، وإثيوبيا دولة فيدرالية، والعراق دولة فيدرالية، ومع ذلك لم يؤدِّ الشكل الفيدرالي وحده إلى إنهاء الصراعات البنيوية. يرى الفيلسوف الكندي ويلي كيمليكا أن الفيدرالية لا تحقق الاستقرار إلا عندما تُبنى على اعتراف دستوري بالهويات الجماعية وبالحقوق التاريخية للمجتمعات المختلفة، وليس فقط على إعادة توزيع السلطات الإدارية. كما تؤكد نانسي فريزر أن العدالة لا تتحقق بإعادة توزيع الموارد وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى الاعتراف بالبنى التاريخية للإقصاء، وإلى إعادة تمثيل الفئات التي ظلت مستبعدة من تعريف الدولة نفسها. ومن هنا، فإن السؤال الذي لا تجيب عنه الوثيقة هو: كيف تُعالج المظالم التاريخية التي سبقت نشوء الدولة الحديثة واستمرت بعدها؟ وهل يكفي منح الأقاليم سلطات أوسع إذا بقيت قواعد إنتاج السلطة والثروة والمعرفة على حالها؟
رابعاً: مقاربة مع رؤية تحالف تأسيس في المقابل، تنطلق وثائق تحالف تأسيس من فرضية مختلفة جذرياً. فهي لا ترى أن الأزمة السودانية مجرد أزمة حكم أو توزيع سلطات، وإنما أزمة تأسيس للدولة منذ الاستقلال، وأن الحرب الحالية ليست سبب الأزمة، بل إحدى نتائجها. وبناءً على ذلك، فإن مشروع السودان الجديد يطرح، بحسب ميثاق التحالف، قضايا تأسيسية تتجاوز الإصلاح المؤسسي، من بينها: - إقامة دولة علمانية تفصل بين الدين والدولة. - ترسيخ المواطنة بوصفها المصدر الوحيد للحقوق والواجبات. - الاعتراف بالعدالة التاريخية للمجتمعات التي تعرضت للتهميش والحروب. - إعادة بناء الجيش على أسس قومية ومهنية وخضوعه للسلطة المدنية. - إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس اللامركزية لا مجرد التفويض الإداري. - معالجة قضية الأرض والموارد انطلاقاً من الحقوق التاريخية للمجتمعات المحلية. - إعادة هيكلة الاقتصاد بما يعالج آثار الاستعمار الداخلي. - معالجة مسألة حق تقرير المصير بوصفها ضمانة دستورية في حال فشل الدولة في تحقيق المساواة، لا باعتبارها دعوة تلقائية إلى الانفصال. وسواء اتفق المرء مع هذه الرؤية أم اختلف معها، فإنها تمثل انتقالاً في مستوى النقاش من إصلاح مؤسسات الدولة إلى إعادة تعريف الأسس التي قامت عليها الدولة نفسها. ومن هنا، فإن الفارق بين الوثيقتين ليس في مقدار الفيدرالية أو عدد الأقاليم، وإنما في تفسير طبيعة الأزمة السودانية ذاتها.
خامساً: هل تجاوز الواقع هذه المبادرات؟ تُظهر التجارب التاريخية أن الحروب الكبرى لا تنتهي بمجرد وقف إطلاق النار، بل كثيراً ما تعيد تعريف طبيعة الدولة نفسها، وتفرض أسئلة تأسيسية جديدة لا يمكن الإجابة عنها بالأدوات الدستورية والإدارية التي سبقت الحرب. فحين تتغير موازين القوة، وتتبدل البنى الاجتماعية والسياسية، يصبح الإصلاح الجزئي عاجزاً عن معالجة أزمة أصبحت، في جوهرها، أزمة تأسيس. ولهذا لم تكتفِ الولايات المتحدة، بعد الحرب الأهلية، بإصلاحات إدارية أو بإعادة توزيع السلطات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، وإنما أعادت تعريف الدولة والمواطنة من خلال التعديلات الدستورية الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، التي ألغت العبودية ورسخت مبدأ المساواة أمام القانون وأعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن. وبالمثل، لم يكن الانتقال في جنوب أفريقيا مجرد إعادة توزيع للصلاحيات بين مستويات الحكم، وإنما تأسيس نظام دستوري جديد أنهى البنية القانونية والسياسية للفصل العنصري وأقام دولة تقوم على المساواة الكاملة في المواطنة والحقوق. كما أن رواندا لم تكتفِ بوقف الحرب والإبادة الجماعية، بل شرعت في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة صياغة الهوية الوطنية، وإنشاء مؤسسات جديدة للعدالة والمساءلة والمصالحة. وتشير أدبيات بناء الدولة إلى أن المجتمعات الخارجة من الصراعات العميقة تمر بما يسميه الباحثون "اللحظات التأسيسية (Constitutional or Foundational Moments) وهي لحظات لا يكون السؤال الرئيس فيها هو كيفية تحسين أداء الدولة القائمة، وإنما ما إذا كانت هذه الدولة، في بنيتها ومبادئها المؤسسة، لا تزال صالحة للاستمرار. وقد بين بروس أكرمان، وجون رولز، ويورغن هابرماس، وفرانسيس فوكوياما، كل من زاويته، أن التحولات التاريخية الكبرى تفتح المجال لإعادة بناء العقد الدستوري عندما تفقد المؤسسات القديمة قدرتها على إنتاج الشرعية والاستقرار. ومن هذا المنظور، تبدو وثيقة السفير نور الدين ساتي امتداداً لمدرسة الإصلاح الدستوري التي سادت النقاش السوداني منذ الاستقلال؛ فهي تفترض أن الأزمة يمكن احتواؤها عبر إعادة توزيع السلطات داخل الدولة القائمة، وتطوير النظام الفيدرالي، وتحسين إدارة الموارد، مع الإبقاء على الإطار العام للدولة الموروثة. غير أن قطاعاً متزايداً من القوى السياسية والثورية والمدنية، ولا سيما المنضوية في تحالف تأسيس، ينطلق من تشخيص مختلف جذرياً، يرى أن الأزمة السودانية ليست أزمة سوء إدارة أو اختلال في توزيع السلطات، وإنما أزمة تأسيس الدولة نفسها، وما ارتبط بها من أنماط الاستعمار الداخلي، واحتكار السلطة والثروة، وغياب المساواة التأسيسية بين مكونات البلاد. ولهذا، يرى أصحاب هذا الاتجاه أن أي مشروع يقتصر على إصلاح الدولة الموروثة، مهما بلغت جودة مقترحاته الفنية أو الإدارية، لن يكون كافياً لمعالجة الأسباب البنيوية التي قادت إلى الحروب المتعاقبة. فالنقاش السوداني، في نظرهم، تجاوز مرحلة البحث عن صيغة أفضل لإدارة السودان القديم، وأصبح يدور حول كيفية بناء دولة جديدة تقوم على أسس مختلفة في تعريف المواطنة، والعلاقة بين الدين والدولة، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وإدارة الأرض والموارد، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية. ومن ثم، فإن التحدي الذي يواجه المبادرات الإصلاحية المعاصرة لا يتمثل في جودة ما تقترحه من ترتيبات إدارية أو دستورية، وإنما في مدى قدرتها على استيعاب هذا التحول التاريخي في طبيعة الأسئلة المطروحة. فكلما انطلقت المبادرات من افتراض أن أزمة السودان يمكن حلها بإصلاح الدولة التي نشأت بعد الاستقلال، بينما يتعامل جزء معتبر من الفاعلين السياسيين مع اللحظة الراهنة بوصفها لحظة لإعادة تأسيس الدولة نفسها، اتسعت الفجوة بين تلك المبادرات وبين الواقع السياسي والاجتماعي المتشكل على الأرض.
اخيرا: لا عودة إلى دولة ما بعد الاستقلال لم يعد السودان يقف أمام خيارٍ بين مبادرة إصلاحية وأخرى، ولا بين درجة أعلى أو أقل من اللامركزية، ولا بين تعديل دستوري وآخر. لقد تجاوزت الحرب هذه المرحلة بالكامل، وفتحت لحظة تأسيسية جديدة أعادت طرح السؤال الجوهري: أي دولة يريد السودانيون أن يبنوا؟ لقد أثبتت تجربة ما بعد الاستقلال، الممتدة لأكثر من سبعة عقود، أن جميع محاولات إصلاح الدولة القديمة انتهت إلى النتيجة نفسها: إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة. فمن اتفاقيات السلام، إلى الحكومات الانتقالية، إلى الحوار الوطني، إلى الوثائق الإصلاحية المتعاقبة، ظل جوهر الدولة كما هو، واستمرت معه أسباب الحروب، والاستبعاد، وعدم المساواة، والاستعمار الداخلي. ولذلك فإن الأزمة لم تكن يوماً أزمة إدارة، وإنما أزمة تأسيس. ومن هذا المنطلق، فإن أي مشروع سياسي لا ينطلق من إعادة تعريف الدولة نفسها سيظل يدور داخل الحلقة التي أنتجت الأزمة، مهما كانت جودة صياغاته الدستورية أو حسن نواياه السياسية. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، والشعوب التي بلغت لحظة إعادة التأسيس لن تعود إلى مشاريع الترميم. ولهذا، فإن الطريق إلى سلام دائم لا يمر عبر إعادة تأهيل دولة ما بعد الاستقلال المنهارة، وإنما عبر بناء دولة السودان الجديد؛ دولة تقوم على العلمانية الديمقراطية بوصفها الضمانة الدستورية للمواطنة المتساوية، وعلى اللامركزية التي تنقل السلطة والثروة إلى الشعوب لا إلى نخب جديدة، وعلى العدالة التاريخية التي تعالج إرث التهميش والاستعمار الداخلي، وعلى جيش قومي جديد يُنشأ لحماية الدستور والمواطن، لا لحماية نظام سياسي أو هوية أحادية، وعلى حق تقرير المصير باعتباره الضمانة الدستورية الأخيرة ضد عودة الهيمنة وإكراه الشعوب على وحدة لا تقوم على العدالة. إن هذه ليست شعارات سياسية، بل قضايا تأسيسية أصبحت، في نظر قطاع واسع من القوى الثورية، والمدنية والسياسية المنضوية في تحالف تأسيس وخارجه، شروطاً لازمة لبناء دولة قابلة للحياة. ومن هذا المنظور، فإن مستقبل السودان لن يُحسم بتكرار المبادرات التي تسعى إلى إصلاح البنية القديمة، وإنما بامتلاك الشجاعة الفكرية والأخلاقية، والسياسية للانتقال إلى عقد تأسيسي جديد يعيد بناء الدولة على أسس مختلفة جذرياً. لقد انتهى عصر إدارة الأزمة، وبدأ عصر إعادة تأسيس الدولة. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: كيف نُصلح السودان القديم؟ وإنما: كيف نبني السودان الجديد؟
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|