الإسلام السوداني وصراع الصيرورة من التدين المعيش إلى الفكرة #

الإسلام السوداني وصراع الصيرورة من التدين المعيش إلى الفكرة #


07-26-2026, 09:07 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785096420&rn=0


Post: #1
Title: الإسلام السوداني وصراع الصيرورة من التدين المعيش إلى الفكرة #
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 07-26-2026, 09:07 PM

09:07 PM July, 26 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



ا




هل يمر الإسلام السوداني بأزمة إيمان، أم بأزمة صيرورة؟


تخيّل مسجداً صغيراً في قرية نائية على ضفاف النيل و مع اقتراب المغرب، يبدأ الرجال في التوافد، بينما يتصاعد صوت المديح من الخلوة المجاورة، ويجلس الأطفال في حلقات حفظ القرآن، ويتهيأ شيخ الطريقة لمجلس الذكر
في هذا المشهد لا يبدو الإسلام فكرةً تُناقش، ولا مشروعاً سياسياً يُخطط له، بل حياةً تُعاش و وكان الدين ينتقل من شيخ إلى مريد، ومن أب إلى ابن، ومن مجتمع إلى مجتمع، بوصفه تجربة أخلاقية وروحية قبل أن يكون موضوعاً للجدل أو التنظير

لم يكن السؤال الذي يشغل المسلم السوداني- ما هو الإسلام؟ بل كان - كيف أكون مسلماً؟
هذا الفرق بين السؤالين ليس لغوياً، بل يعكس انتقالاً عميقاً في طبيعة المعرفة الدينية نفسها

لقد عاش السودان قروناً طويلة في ظل ما يمكن تسميته بالتدين المعيش؛ تدين يتشكل داخل الخلوة، والزوايا الصوفية، والأسرة، والمجتمع المحلي. كانت الطرق الصوفية تؤدي وظائف تتجاوز العبادة؛ فهي مدارس للتعليم، ومؤسسات للتكافل، وفضاءات للإصلاح الاجتماعي، ووسائل لبناء الثقة داخل مجتمع شديد التنوع. ولهذا لم يكن الإسلام مجرد منظومة عقائدية، بل كان الإطار الذي تنتظم داخله العلاقات الاجتماعية والأخلاقية , غير أن هذا العالم بدأ يتغير مع دخول السودان عصر الدولة الحديثة
فقد جاءت الإدارة المركزية، والتعليم النظامي، والجامعة، والطباعة، والإذاعة، ثم التلفزيون، والهجرة، والانفتاح على المشرق والغرب، حاملة معها أسئلة جديدة لم تكن مألوفة في المجال الديني التقليدي

هنا بدأ الدين يتحول تدريجياً من تجربة تُمارس إلى فكرة تُناقش
لم تعد المعرفة الدينية تُكتسب حصراً عبر الصحبة والتربية، بل دخلت إليها مناهج التاريخ، وعلم الاجتماع، والفلسفة، والسياسة، والنقد الحديث وبدلاً من سؤال السلوك والإحسان، برزت أسئلة الدولة، والهوية، والشريعة، والسلطة، والعلاقة بين الدين والحداثة
بهذا المعنى، فإن التحول الأكبر الذي شهده الإسلام السوداني لم يكن انتقالاً من التدين إلى اللاتدين، ولا من التصوف إلى السلفية، وإنما انتقالاً من التدين المعيش إلى التدين المؤدلج ؛ أي من دين يشكل الحياة اليومية إلى دين يتحول إلى مشروع فكري أو سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع
المهدية و الصيرورة الأولى
يصعب فهم هذا التحول من دون التوقف عند الحركة المهدية، التي مثلت أول محاولة سودانية حديثة لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والسلطة
انطلقت المهدية من بيئة صوفية، واستندت إلى شبكة اجتماعية وروحية كانت قد تشكلت عبر الطرق الدينية، لكنها تجاوزت الوظيفة التربوية التقليدية لتطرح مشروعاً سياسياً شاملاً
لم يعد الدين طريقاً لإصلاح الفرد فحسب، بل أصبح أساساً لبناء دولة ومواجهة السلطة القائمة وإعادة تنظيم المجتمع
ومن هنا جاءت أهمية المهدية؛ فهي لم تؤسس فقط لدولة، بل فتحت سؤالاً سيظل يرافق السودان حتى اليوم- هل يمكن للدين أن يبقى تجربة روحية خالصة عندما يتحول إلى مشروع سياسي؟
لقد منحت المهدية السودانيين شعوراً بالوحدة في مواجهة الهيمنة الأجنبية، لكنها في الوقت نفسه دشنت مرحلة جديدة أصبح فيها الدين جزءاً من المجال السياسي العام، لا مجرد قوة أخلاقية داخل المجتمع

الجامعة... وبداية الصيرورة الثانية
بعد الاستقلال، شهد السودان تحولاً آخر لا يقل أهمية , وداخل الجامعات والمعاهد العليا دخلت إلى الساحة الفكرية تيارات متعددة - الفكر الإسلامي الحركي، والماركسية، والقومية العربية، والوجودية، والبنيوية، ثم لاحقاً تيارات ما بعد الحداثة

ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإسلام يناقش داخل الزاوية وحدها، بل داخل قاعات المحاضرات، والندوات، والصحف، والأحزاب السياسية
هنا تغيرت طبيعة السؤال مرة أخرى
لم يعد السؤال- كيف أصلح نفسي؟ ,و بل أصبح كيف ينبغي أن تُدار الدولة؟ وما موقع الشريعة؟ وما معنى الهوية الإسلامية؟
لقد خرج الإسلام من المجال التربوي إلى المجال الأيديولوجي.
من الزاوية إلى الدولة
بلغ هذا المسار ذروته مع صعود الحركة الإسلامية إلى السلطة عام 1989، حين أصبحت الدولة نفسها مجالاً لتطبيق تصور سياسي للدين
كانت تلك لحظة فارقة في تاريخ الإسلام السوداني؛ إذ انتقل الدين من موقع المرجعية الأخلاقية والاجتماعية إلى موقع السلطة التنفيذية والتشريعية ولم يعد الخلاف يدور حول الممارسة الدينية، بل حول إدارة الاقتصاد، والقانون، والحرب، والعلاقات الدولية، ومؤسسات الحكم باسم الإسلام
ومهما اختلفت التقييمات لهذه التجربة، فإنها عمّقت تحول الدين إلى موضوع سياسي وأيديولوجي، وربطت في الوعي العام بين التدين والسلطة بصورة غير مسبوقة
التصوف بين التربية والفلسفة
ومن المفارقات اللافتة أن التصوف السوداني، الذي تشكل تاريخياً بوصفه مدرسة للتربية والسلوك، أصبح في العقود الأخيرة موضوعاً لقراءات فلسفية ونقدية جديدة
لم يعد النقاش يدور فقط حول الذكر والمجاهدة والأوراد، بل امتد إلى قضايا الوجود، والحقيقة، والمعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، والإنسان والكون
وهنا لا يعني الأمر أن التصوف السوداني تحول كله إلى تصوف فلسفي، بل إن (الطريقة التي يُقرأ بها التصوف تغيرت) فقد انتقل من كونه ممارسة روحية يعيشها الناس إلى موضوع للنقاش الفكري، شأنه شأن بقية الظواهر الدينية
أزمة الصيرورة لا أزمة الإيمان
ومن هنا يمكن اقتراح فرضية مختلفة عن التفسيرات الشائعة
إن الإسلام السوداني لا يعيش اليوم أزمة إيمان بقدر ما يعيش أزمة صيرورة

فالناس لم يتخلوا عن الدين، لكنهم يختلفون حول الكيفية التي ينبغي أن يُفهم بها
هل يبقى طريقاً للتزكية الفردية؟ أم يتحول إلى مشروع للدولة؟ أم يصبح إطاراً فلسفياً لفهم الإنسان والعالم؟ أم يستطيع الجمع بين هذه الأبعاد دون أن يطغى أحدها على الآخر؟

هذه الأسئلة لا تخص السودان وحده، لكنها تكتسب فيه خصوصية بسبب التداخل التاريخي بين التصوف، والمهدية، والحركة الإسلامية، والتنوع الثقافي والعرقي
ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس (من يمثل الإسلام السوداني؟) وإنما أي صورة من صور الإسلام ستكون قادرة على التعايش مع مجتمع خرج من الحرب، ويبحث عن العدالة، والمواطنة، والسلام، من دون أن يفقد جذوره الروحية؟
إن مستقبل الإسلام السوداني لن يتحدد فقط بحجم حضور الأحزاب أو الطرق أو الجماعات، بل بقدرته على إنتاج توازن جديد بين التجربة الروحية، والعقل النقدي، ومتطلبات الدولة الحديثة
ذلك هو صراع الصيرورة الحقيقي , ليس الصراع بين المتدينين وغير المتدينين، ولا بين الصوفية والسلفية، بل بين أن يبقى الدين تجربة إنسانية تُلهم المجتمع، أو أن يتحول إلى فكرة تتنازعها المشاريع السياسية والأيديولوجية
وربما كان التحدي الأكبر أمام السودان في العقود القادمة هو أن يجد صيغة تجعل الروح والتفكير حليفين، لا خصمين؛ لأن الحضارات لا تُبنى بالإيمان وحده، ولا بالعقل وحده، وإنما بالحوار المستمر بينهما.