Post: #1
Title: 5-7-الأرض والدولة في السودان: من قوانين الاستعمار الداخلي إلى رؤية السودان الجديد من ملكية الدولة
Author: خالد كودي
Date: 07-25-2026, 01:56 PM
01:56 PM July, 25 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
5-7-الأرض والدولة في السودان: من قوانين الاستعمار الداخلي إلى رؤية السودان الجديد من ملكية الدولة إلى سيادة المجتمع: الأرض وإعادة تأسيس السودان
25/7/2026 خالد كودي،
ثالثاً: الاقتصاد السياسي للثورة المضادة: كيف تُهزم الثورات دون أن تُهزم عسكرياً؟ من الأخطاء الشائعة في قراءة الثورات الاعتقاد بأن هزيمتها تتحقق عبر الانقلابات العسكرية فقط، أو القمع الأمني، أو إلغاء الدساتير، أو تزوير الانتخابات. غير أن التاريخ الحديث يكشف أن هذه ليست سوى المرحلة الأخيرة من الثورة المضادة. أما المعركة الحقيقية فتدور في مكان آخر، هو الاقتصاد السياسي للدولة. فالثورات قد تنتصر في ميدان القتال، وتفوز في صناديق الاقتراع، وتنجح في صياغة دساتير جديدة، لكنها قد تُهزم لاحقاً إذا بقيت البنية الاقتصادية التي أنتجت الهيمنة على حالها ولهذا فإن الثورة المضادة لا تسعى، في المقام الأول، إلى استعادة السلطة السياسية، وإنما إلى استعادة مفاتيح إنتاج السلطة. فهي تدرك أن الحكومات تتغير، أما من يسيطر على الأرض، والائتمان، والمصارف، والتعليم، والإعلام، والصناعة، فإنه يمتلك القدرة على تشكيل السياسة نفسها، بغض النظر عن نتائج الانتخابات أو الشعارات الثورية. ومن هنا، فإن الاقتصاد ليس نتيجة للصراع السياسي، بل هو في كثير من الأحيان مصدره الحقيقي. لقد قدم المفكر الغياني ولتر رودني تفسيراً بالغ الأهمية لهذه الظاهرة في كتابه كيف أسهمت أوروبا في تخلف إفريقيا. فهو يرى أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال للأرض، بل كان مشروعاً متكاملاً لنقل القيمة الاقتصادية من المجتمعات المستعمَرة إلى المركز. فلم تكن المشكلة أن إفريقيا فقدت بعض مواردها، وإنما أنها فقدت السيطرة على المؤسسات التي تنتج القيمة المضافة: الصناعة، والتمويل، والتجارة، والتعليم، والتكنولوجيا. وهكذا أصبحت القارة تصدر المواد الخام وتستورد المنتجات المصنعة، وتنتج الثروة بينما تتراكم الأرباح في مكان آخر. وينطبق المنطق نفسه على الثورات المضادة داخل الدولة الواحدة. فحين تستعيد النخب السيطرة على الأرض، فإنها لا تستعيد عقاراً، بل تستعيد القدرة على التحكم في بقية حلقات الاقتصاد. فالأرض تحدد من ينتج الغذاء، ومن يحصل على المعادن، ومن يفاوض المستثمرين، ومن يملك الضمانات اللازمة للحصول على التمويل، ومن ثم من يسيطر على عملية التنمية بأكملها. ويتقاطع هذا التحليل مع نظرية سمير أمين حول التنمية غير المتكافئة. فقد أوضح أن السيطرة لا تتحقق عبر امتلاك الموارد الطبيعية فقط، وإنما عبر احتكار المؤسسات التي تحول هذه الموارد إلى ثروة. ولذلك ظلت المجتمعات الطرفية، سواء في النظام العالمي أو داخل الدول، تنتج المواد الخام، بينما بقيت المصارف، وشركات التصنيع، ومؤسسات التمويل، ومراكز اتخاذ القرار، متركزة في المركز. وبهذا يصبح المركز قادراً على استخراج الفائض الاقتصادي بصورة مستمرة، حتى من دون احتلال عسكري مباشر. ومن هنا، فإن الثورة المضادة تعمل على حماية هذه الحلقة المغلقة. فهي قد تقبل بقدر من الإصلاح السياسي، لكنها لا تقبل عادة بإعادة توزيع المؤسسات الاقتصادية التي تنتج القوة. ولهذا فإنها تسعى دائماً إلى الاحتفاظ بالسيطرة على: - الأرض بوصفها مصدر الإنتاج الأول - الائتمان بوصفه شرط الاستثمار والنمو - المصارف بوصفها الجهة التي تحدد من يحصل على رأس المال ومن يُحرم منه - الصناعة بوصفها المجال الذي تتحول فيه الموارد إلى قيمة مضافة - التعليم والمعرفة بوصفهما وسيلتي إنتاج النخب والخبرات - الإعلام بوصفه الأداة التي تعيد تشكيل الوعي العام وتمنح الشرعية للواقع القائم وبذلك لا تعود الثورة المضادة مجرد مشروع سياسي، بل تصبح مشروعاً لإعادة احتكار سلسلة إنتاج السلطة بأكملها. وقد أدرك أميلكار كابرال هذه الحقيقة مبكراً أثناء قيادته لحركة التحرر في غينيا بيساو والرأس الأخضر. فقد كان يؤكد أن التحرر الوطني لا يكتمل بطرد المستعمر، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الاستقلال هو أن ترث النخب الوطنية مؤسسات الاستعمار وتستخدمها لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة نفسها. ولهذا كان يحذر باستمرار من أن البرجوازية الوطنية قد تتحول إلى وسيط محلي بين المجتمع ورأس المال، فتدير النظام القديم بلغة وطنية جديدة. ولذلك دعا إلى "العودة إلى المصدر"، أي إلى إعادة تأسيس الدولة انطلاقاً من مصالح المجتمع المنتج، لا من مصالح النخب الوريثة للسلطة. ويأتي ماركوس غارفي ليضيف بعداً آخر لهذه الرؤية. فقد أدرك، بعد فشل إعادة الإعمار في الولايات المتحدة، أن المساواة القانونية لا تكفي إذا بقي الاقتصاد في يد الآخرين. ولذلك لم يركز على الحقوق المدنية فقط، بل دعا إلى بناء اقتصاد مستقل يملك فيه السود الأرض، والمصارف، وشركات النقل، والمؤسسات التجارية، والصحف، والمدارس، والجامعات. وكان يرى أن الشعب الذي لا يمتلك أدوات إنتاج ثروته سيظل تابعاً اقتصادياً، حتى لو امتلك حق الانتخاب والتمثيل السياسي. إن القاسم المشترك بين رودني، وسمير أمين، وكابرال، وغارفي، هو أنهم جميعاً ينظرون إلى الاقتصاد بوصفه بنية للسلطة، لا مجرد وسيلة للإنتاج. فالأرض لا تمنح الغذاء فقط، بل تمنح النفوذ؛ والمصرف لا يقدم القروض فقط، بل يحدد من يستطيع الاستثمار؛ والجامعة لا تمنح الشهادات فقط، بل تنتج المعرفة التي تبرر النظام القائم أو تتحداه؛ والإعلام لا ينقل الأخبار فقط، بل يصوغ الوعي العام ويحدد من يملك حق تعريف الحقيقة. ومن هذا المنظور، يصبح من السهل فهم سبب فشل كثير من الثورات في العالم وفي السودان. فهي تنجح في إسقاط النظام السياسي، لكنها لا تغير النظام الاقتصادي الذي يغذي ذلك النظام. فتنتقل السلطة من نخبة إلى أخرى، ومن جيل الي اخر من تفي التخب بينما تبقى الأرض، والائتمان، والمصارف، والإعلام، والمؤسسات التعليمية، ومراكز التصنيع، خاضعة للبنية القديمة. وهكذا تعود الثورة المضادة، لا لأنها أقوى عسكرياً، بل لأنها ما زالت تسيطر على مصادر إنتاج القوة. وهذا الدرس يحمل أهمية خاصة بالنسبة للسودان. فإذا اقتصر مشروع السودان الجديد على الاعتراف بالملكية الجماعية للأرض، دون أن يربطها بإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والمعرفية، فإن الثورة المضادة ستجد دائماً وسائل جديدة للالتفاف على الإصلاح القانوني. فالملكية وحدها لا تنتج التنمية إذا لم ترافقها مؤسسات تمويل، ومصارف مجتمعية، وتعليم نوعي، وصناعة محلية، وإعلام مستقل، وآليات عادلة لتوزيع القيمة المضافة. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست حول الأرض بوصفها قطعة جغرافية، وإنما حول منظومة إنتاج السلطة التي تبدأ بالأرض، لكنها تمتد إلى الائتمان، والمصارف، والتعليم، والمعرفة، والإعلام، والصناعة. فالثورات لا تُهزم عندما تفقد السلطة السياسية فقط، بل عندما تفقد السيطرة على هذه المنظومة بأكملها. ومن هنا يمكن استخلاص القاعدة التي تكشف منطق كل الثورات المضادة: إنها لا تستهدف الأرض لأنها عقار، وإنما لأنها المصدر الأول لإنتاج السلطة والثروة، ولأن من يسيطر على الأرض يستطيع، في نهاية المطاف، أن يعيد تشكيل الدولة والمجتمع وفق مصالحه.
رابعاً: الثورة المضادة في السودان: إعادة إنتاج الهيمنة عبر قانون الأرض إذا كانت التجربة الأمريكية قد بينت أن الثورة المضادة تبدأ عندما تفشل الثورة في إعادة توزيع الأرض، فإن التجربة السودانية تكشف وجهاً آخر أكثر تعقيداً؛ إذ لم تكن المشكلة في إلغاء إصلاح زراعي قائم، بل في منع الاعتراف القانوني بالملكية التاريخية للمجتمعات منذ البداية. ولذلك فإن الثورة المضادة في السودان لم تكن حدثاً وقع بعد ثورة بعينها، وإنما كانت عملية تاريخية طويلة هدفت إلى حماية النموذج المركزي للدولة، ومنع أي تحول ينقل السيادة على الأرض من السلطة إلى المجتمع، وهذا غض النظر عن النظام القائم ديمقراطيا ام ديكتاتوريا ام انتقالي بعد انتفاضة. ومن هنا، فإن المقارنة مع التجربة الأمريكية ليست مقارنة بين وقائع متطابقة، وإنما بين منطقين متشابهين. ففي الولايات المتحدة أُعيدت الأرض إلى كبار ملاكها بعد أن كادت تنتقل إلى العبيد المحررين، أما في السودان فقد جرى الحفاظ على فلسفة قانونية تجعل الدولة هي المالك الأصلي للأرض، بحيث لا تنشأ أصلاً فرصة حقيقية لانتقال السلطة الاقتصادية إلى المجتمعات المحلية. والنتيجة في الحالتين واحدة: بقاء البنية التي تحتكر الأرض، ومن ثم احتكار السلطة والثروة. الإبقاء على الملكية في حالة غموض دائم: أولى أدوات الثورة المضادة في السودان كانت الإبقاء على الملكية التاريخية خارج الاعتراف القانوني. فبدلاً من تقنين حقوق المجتمعات المحلية في أراضيها، استمرت الدولة في الاعتماد على التشريعات التي تعتبر معظم الأراضي غير المسجلة ملكاً لها. وبهذا أصبحت ملايين الأفدنة تخضع قانوناً لسلطة الدولة، رغم أن المجتمعات كانت تديرها وتعيش عليها منذ قرون. ولم يكن هذا الغموض القانوني خللاً تشريعياً أو صدفة تاريخية، بل منح الدولة سلطة واسعة في إعادة تخصيص الأراضي ومنح الامتيازات الزراعية والتعدينية والاستثمارية دون الحاجة إلى الاعتراف بالملكية الأصلية للمجتمعات. فالغموض، في هذه الحالة، لم يكن غياباً للقانون، بل كان أداة من أدوات السلطة. من أصحاب الأرض إلى "شاغلين": إن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في المصطلحات القانونية، بل كان تعبيراً عن فلسفة كاملة في بناء الدولة السودانية. فقد تحولت المجتمعات التاريخية، التي كانت تملك الأرض وفق أنظمة عرفية مستقرة ومعترف بها اجتماعياً منذ قرون، إلى مجرد "شاغلين" أو "منتفعين" في نظر القانون الرسمي. وهذا التحول يحمل أثراً دستورياً وسياسياً بالغ الخطورة؛ لأن الفرق بين المالك والشاغل ليس فرقاً في الوصف، وإنما في مصدر الحق والسيادة. فالمالك يمتلك حق الموافقة أو الرفض، وحق التفاوض، وحق تقرير كيفية استغلال موارده، والمشاركة في عائداتها، بينما لا يملك الشاغل سوى حق الانتفاع الذي تمنحه الدولة، والذي يمكن سحبه أو تقييده بقرار إداري أو تشريع جديد. وهكذا انقلبت العلاقة رأساً على عقب؛ فأصبحت المجتمعات التي سبقت وجود الدولة نفسها مطالبة بالحصول على اعتراف من الدولة بحقوق كانت تمارسها قبل نشوء تلك الدولة بوقت طويل!! غير أن الأخطر من ذلك أن هذه السياسة لم تطبق بصورة متساوية على جميع السودانيين، وهو ما يكشف أن قضية الأرض في السودان لم تكن مجرد مسألة قانونية عامة ومجردة، بل كانت أيضاً انعكاساً لبنية تمييزية في تكوين الدولة نفسها. فمن الملاحظ أن معظم الأراضي الزراعية والعقارية في وسط وشمال السودان، حيث تركزت مؤسسات السلطة والنخب الحاكمة، خضعت منذ وقت مبكر لعمليات التسوية والتسجيل، واكتسب أصحابها سندات قانونية تعترف بحقوقهم وتحميها. أما في جبال النوبة، ودارفور، والنيل الأزرق، وشرق السودان، وأجزاء واسعة من كردفان، وهي المناطق التي عاشت فيها مجتمعات ذات نظم ملكية عرفية مستقرة، فلم تبذل الدولة جهداً مماثلاً لتقنين تلك الحقوق، بل استُخدم عدم التسجيل لاحقاً ذريعة قانونية لاعتبار تلك الأراضي ملكاً للدولة. وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى: فالدولة نفسها التي تقاعست عن تسجيل حقوق تلك المجتمعات، عادت لتستخدم هذا التقاعس دليلاً على عدم وجود تلك الحقوق. وبهذا تحولت الإدارة الاستعمارية، ثم الدولة الوطنية من بعدها، من جهة قصرت في الاعتراف بالملكية إلى جهة استفادت من ذلك القصور لتجريد المجتمعات من ملكيتها. ولم يكن هذا مجرد خلل إداري، بل أصبح وسيلة قانونية لإعادة توزيع السلطة والثروة لصالح المركز. ومن الصعب فهم هذا النمط بمعزل عن البنية العنصرية التي صاحبت تكوين الدولة السودانية، سواء في المرحلة الاستعمارية أو في مرحلة ما بعد الاستقلال بل الي بومنا هذا. فالإدارة البريطانية لم تنظر إلى جميع أقاليم السودان بالمنظار نفسه؛ فقد اعتبرت المناطق الواقعة في الوسط والشمال النيلي مناطق قابلة للإدماج في مؤسسات الدولة الحديثة، بينما تعاملت مع كثير من مناطق الهامش باعتبارها فضاءات قبلية أو "مناطق خاصة" تُدار استثنائياً، دون الاستثمار في بناء مؤسسات قانونية وإدارية تكفل الاعتراف الكامل بحقوق سكانها. ورغم انتهاء الاستعمار، فإن الدولة الوطنية لم تعمل على تفكيك هذا الإرث، بل ورثته وأعادت إنتاجه بصورة أكثر مركزية ليستمر في واقعنا المعاصر. ولذلك فإن ما جرى بعد الاستقلال لا يمكن تفسيره باعتباره استمراراً محايداً للتشريعات الاستعمارية، بل كان اختياراً سياسياً حافظ على الامتيازات التي وفرها ذلك الإرث للنخب المسيطرة على الدولة. فبينما ظلت الملكية الخاصة في كثير من مناطق الوسط والشمال النيلي تحظى بالحماية القانونية الكاملة، بقيت ملكية المجتمعات في الهامش موضع شك دائم، الأمر الذي سمح للدولة بأن تمنح الامتيازات الزراعية، والتعدينية، والاستثمارية، على أراضٍ تعتبرها المجتمعات جزءاً من وجودها التاريخي. إن هذا التفاوت لا يعكس ازدواجية في تطبيق القانون فقط، بل يكشف عن ازدواجية في مفهوم المواطنة نفسه. فالمواطن الذي تُسجل أرضه ويعترف بها القانون يختلف، من حيث الحماية القانونية، عن المواطن الذي يُطلب منه إثبات حق سبق وجود الدولة، أو الذي يُعامل باعتباره منتفعاً بأرضه لا مالكاً لها. وهكذا أصبح القانون، الذي يفترض أن يكون أداة لتحقيق المساواة، وسيلة لإعادة إنتاج تفاوت تاريخي بين مواطنين يتمتع بعضهم بحماية كاملة لحقوقهم، بينما يظل بعضهم الآخر رهيناً لتقدير السلطة الإدارية. ومن هنا، فإن قضية الأرض في السودان لا يمكن اختزالها في نزاع حول الملكية أو الاستثمار، بل هي قضية مساواة دستورية. فالدولة التي تعترف قانوناً بملكية مواطنيها في جزء من البلاد، بينما تنكر أو تؤجل الاعتراف بالملكية التاريخية لمواطنيها في جزء آخر، لا تمارس تمييزاً في إدارة الأراضي فقط، وإنما تعيد إنتاج بنية غير متساوية للمواطنة ذاتها. وهذا هو جوهر ما يمكن وصفه بالاستعمار الداخلي؛ إذ لا يُنتج التفاوت عبر القوة العسكرية وحدها، بل عبر القانون الذي يمنح جماعة حماية كاملة لحقوقها، ويحرم جماعة أخرى من الاعتراف بتلك الحقوق أصلاً. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار نفسه تحول، في كثير من الحالات، إلى امتداد لهذه البنية التمييزية. فحين تعتبر الدولة نفسها المالك القانوني للأرض، يصبح بإمكانها منح الامتيازات الزراعية، أو التعدينية أو الصناعية لمستثمرين محليين أو أجانب، دون اشتراط موافقة أصحاب الحقوق التاريخية، أو الاكتفاء بتعويضات محدودة لا تعكس قيمة الأرض بوصفها أساساً للهوية والوجود الاجتماعي. والمشكلة هنا ليست في الاستثمار، فالتنمية تحتاج إلى رأس المال والتكنولوجيا والشراكات الاقتصادية، وإنما في غياب مبدأ أصبح اليوم من المبادئ الراسخة في القانون الدولي، وهو الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة للمجتمعات المالكة للأرض. فعندما يغيب هذا المبدأ، لا يعود الاستثمار مشروعاً للتنمية، بل يتحول إلى امتداد للهيمنة القانونية والسياسية، وإلى وسيلة لإعادة إنتاج التفاوت الذي أسسته الدولة منذ نشأتها. صناعة النزاعات القبلية: ولعل أخطر ما أنتجه هذا النموذج أنه أعاد تعريف كثير من الصراعات باعتبارها نزاعات قبلية، بينما كانت جذورها في كثير من الأحيان قانونية ومؤسسية. فعندما لا تكون الحدود التاريخية للمجتمعات معترفاً بها، ولا تكون الملكية مقننة، يصبح من السهل أن تتحول أي خلافات حول الرعي أو الزراعة أو التعدين أو الإدارة المحلية إلى صراعات بين المجتمعات نفسها. وهكذا ينتقل النزاع من كونه خلافاً حول الحقوق القانونية إلى صراع بين الهويات، ويُختزل في الإعلام والخطاب السياسي باعتباره تنافساً قبلياً أو إثنياً، بينما يغيب السؤال الجوهري: لماذا لم تُعترف بهذه الحقوق أصلاً؟ وبهذا المعنى، فإن كثيراً من النزاعات المحلية ليست سبباً لغياب القانون، بل نتيجة لغيابه. الإعلام وإعادة تشكيل السردية: ولم تعتمد الثورة المضادة على القانون وحده، بل استعانت بالإعلام والخطاب الثقافي لإعادة إنتاج شرعيتها ايضا. فقد جرى في كثير من الأحيان تصوير المطالبة بالملكية التاريخية للمجتمعات باعتبارها دعوة إلى الفرقة، اوالانفصال، أو رفضاً للدولة، أو تهديداً للوحدة الوطنية، أو عودة إلى القبلية! وهذا الخطاب يعكس، في جوهره، محاولة لإخفاء الطبيعة الدستورية للقضية. فبدلاً من مناقشة السؤال: من يملك الأرض؟، يتحول النقاش إلى سؤال آخر: هل تريدون تقسيم السودان؟ وبهذه الطريقة يُستبدل النقاش القانوني بنقاش عاطفي، ويصبح الدفاع عن المركزية مرادفاً للدفاع عن الوحدة الوطنية، رغم أن تجارب العالم تشير إلى أن الاعتراف بالحقوق هو الذي يعزز الوحدة، لا إنكارها. إعادة رسم الإدارات والحدود: كما استخدمت الدولة، في مراحل مختلفة، سلطتها في إنشاء أو تعديل الوحدات الإدارية، أو إعادة توزيع الاختصاصات المحلية، دون أن يكون ذلك مرتبطاً بالحدود التاريخية للمجتمعات أو أنظمة ملكيتها التقليدية. وعندما تُعاد صياغة البنية الإدارية من دون الاعتراف بالحقوق التاريخية القائمة على الأرض، يمكن أن تتحول الإدارة نفسها إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ والموارد، بدلاً من أن تكون إطاراً محايداً لتنظيمها. قوانين التعدين واقتصاد الاستخراج وتتجلى هذه الفلسفة بصورة واضحة في قطاع التعدين، حيث تؤدي مركزية ملكية الأرض إلى تركيز السيطرة على الثروات المعدنية في يد الدولة. فطالما اعتُبرت الأرض ملكاً للدولة، أصبح منح امتيازات التعدين قراراً مركزياً تتخذه السلطة، بينما تُستبعد المجتمعات التي تعيش على تلك الأرض من موقع الشريك وصاحب الحق، ويقتصر دورها على تلقي فتات التعويضات أو الاستفادة المحدودة من بعض المشروعات، رغم أنها تتحمل الآثار المباشرة لعمليات التعدين! ولا تكمن المشكلة في نشاط التعدين ذاته، فهو قطاع حيوي يمكن أن يسهم في تحقيق التنمية، وإنما في النموذج القانوني والاقتصادي الذي يحكمه. فعندما تُمنح الامتيازات دون الاعتراف بالملكية التاريخية للمجتمعات، أو دون مشاركتها في اتخاذ القرار، يتحول التعدين من وسيلة لتنمية الأقاليم إلى وسيلة لاستخراج واستغلال ثرواتها لصالح المركز. وهذا هو ما وصفه كل من ولتر رودني وسمير أمين بالنموذج الاستخراجي؛ حيث تُستخرج الموارد من مناطق الإنتاج، بينما تُنقل القيمة المضافة، والاستثمارات، ومراكز التمويل، والصناعات، وعائدات الأرباح إلى مراكز السلطة. وفي المقابل، تبقى المجتمعات المحلية تتحمل الجزء الأكبر من التكاليف البيئية والاجتماعية، من تدهور الأراضي، وتلوث المياه، وفقدان سبل العيش، والنزوح، دون أن تحصل على نصيب عادل من الثروة التي تنتجها. ومن ثم، فإن إصلاح قوانين التعدين لا يقتصر على تنظيم منح الامتيازات، بل يقتضي إعادة بناء فلسفة إدارة الموارد الطبيعية نفسها، بحيث تصبح المجتمعات المالكة للأرض شريكاً دستورياً في اتخاذ القرار، وفي تقاسم العائدات، وفي الرقابة على استغلال الموارد، بدلاً من أن تبقى مجرد متأثرة بنتائج مشروعات لا تملك سلطة الموافقة عليها أو رفضها. الغموض القانوني بوصفه أداة للسلطة: إن الخيط الذي يجمع هذه السياسات كلها هو الغموض القانوني. فكلما بقيت الملكية غير محسومة، والحدود غير مقننة، والحقوق التاريخية غير معترف بها، ازدادت قدرة الدولة على التدخل، وازداد اعتماد المجتمعات على السلطة المركزية للحصول على الاعتراف أو الامتياز أو التعويض. ومن هنا، فإن الغموض لا يمثل نقصاً في القانون، بل يصبح أداة من أدوات الحكم. فهو يمنح السلطة مرونة واسعة في إعادة تخصيص الأرض، وإدارة الموارد، وإعادة رسم موازين القوة، دون الحاجة إلى تعديل جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع المشكلة ليست قبلية بل دستورية: ولهذا فإن اختزال أزمة الأرض في السودان في إطار ما يُسمى بـ"النزاعات القبلية" لا يفسر المشكلة، بل يحجب جذورها الحقيقية. فالنزاعات التي تشهدها المجتمعات المحلية ليست السبب الأصلي للأزمة، وإنما هي نتيجة لغياب نظام قانوني ودستوري يعترف بالملكية التاريخية للمجتمعات، ويقنن حدودها، وينظم حقوقها المتبادلة، ويوفر آليات عادلة وفعالة لتسوية النزاعات. وعندما تغيب هذه الضمانات، يتحول أي خلاف حول الأرض أو الموارد إلى صراع مفتوح، ليس لأن المجتمعات عاجزة عن التعايش، بل لأن القانون لم يحسم الحقوق التي يمكن الاحتكام إليها. ومن ثم، فإن المشكلة في السودان ليست وجود التنوع الإثني أو الثقافي أو القبلي، فالتنوع في حد ذاته ليس سبباً للنزاع، بل هو سمة طبيعية للمجتمعات. إنما تكمن المشكلة في غياب الاعتراف القانوني الذي ينظم هذا التنوع ويحوله إلى أساس للتعايش والتعاون، بدلاً من أن يتركه عرضة للتنافس والصدام. ولهذا فإن بناء السلام لا يبدأ بإدارة النزاعات بعد اندلاعها، ولا بعقد مصالحات مؤقتة، وإنما يبدأ بإزالة السبب البنيوي الذي يغذيها، من خلال الاعتراف الدستوري بحقوق المجتمعات في أراضيها ومواردها، وتقنين حدودها، وضمان حمايتها بسيادة القانون. ومن هذا المنطلق، لم تكن الثورة المضادة في السودان مجرد دفاع عن قوانين أراضٍ موروثة، بل كانت دفاعاً عن نموذج كامل للدولة يقوم على احتكار تعريف الملكية، واحتكار منح الامتيازات، واحتكار إدارة الموارد الطبيعية. أما مشروع السودان الجديد، فإنه يقدم تصوراً مغايراً كما نراه، اذ ينقل نقطة البداية من الدولة إلى المجتمع، ويجعل السيادة على الأرض حقاً أصيلاً للمجتمعات التاريخية، بينما تصبح الدولة مسؤولة عن حماية هذا الحق وتنظيمه وفق الدستور، لا عن مصادرته أو الحلول محله. وبهذا لا يعيد المشروع إصلاح قانون الأرض فحسب، بل يعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس العدالة التاريخية، واللامركزية الديمقراطية، وسيادة القانون... ... يتبع في الجزء السادس...
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|