Post: #1
Title: معركة الوعي والذاكرة في مواجهة محو الهوية والثقافة السودانية على خط النار كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 07-23-2026, 09:58 PM
09:58 PM July, 23 2026 سودانيز اون لاين يحيى ابنعوف-كندا مكتبتى رابط مختصر
لم تكن الحرب الدائرة في السودان مجرد صراع مسلح على السلطة والنفوذ بين طرفيها، بل كشفت أحداثها وتداعياتها عن مخطط أكثر خطورة وعمقاً؛ مخطط يستهدف البنية الحضارية، والذاكرة الجمعية، والتاريخ وثقافة الممتد للأمة السودانية. إن ما يتعرض له سودان اليوم من نهب للمتاحف، وتدمير للمشاريع الثقافية، وتشريد للرموز الفكرية، ليس مجرد "أضرار جانبية" للقتال، بل هو امتداد لمسار تشكّل منذ عام 1956، ظل يسعى بصور مختلفة لإعادة صياغة الهوية السودانية ومحو تراثها المتنوع لصالح قراءات أحادية وقاصرة. أمام هذا التهديد الوجودي، لم يعد الخيار العسكري أو السياسي وحده الكفيل بحماية الأمة، بل أصبحت المعركة ثقافةً ووعياً بالدرجة الأولى. أولاً: تفعيل الكيانات الموازية في المهجر والشتات مع تعطيل المؤسسات الوطنية داخل البلاد، تتجلى الضرورة الملحة لـ تفعيل كيانات ونقابات موازية في مختلف دول العالم. إن الشتات السوداني اليوم يملك من الطاقات والخبرات ما يؤهله لإعادة إحياء وتأسيس: اتحاد الكتاب السودانيين (في المهجر) اتحاد الفنانين والدراميين السودانيين روابط التشكيليين، الموسيقيين، والشعراء نقابة وصحفيي السودان والروابط الإعلامية إن هذه الأجسام الموازية لا ينبغي أن تكون مجرد منابر للهتاف، بل غرف عمليات ثقافية وإعلامية تعمل بصورة مؤسسية لمنع تغييب الصوت الثقافي السوداني، ولتكون المظلة الجامعة لكل المبدعين والمفكرين في المهاجر. ثانياً: التوثيق الإبداعي لردع تزييف التاريخ إن أثر الحرب لا يقتصر على الضحايا المباشرين، بل يمتد إلى "تزييف السردية". ومن هنا تقع على عاتق المبدع السوداني مسؤولية تاريخية تتلخص في: التوثيق الفني للانتهاكات: تحويل الشهادات والآلام إلى أعمال رواية، وأفلام وثائقية، ولوحات تشكيلية، وأعمال درامية تفضح بؤر البشاعة وتخلد قصص الضحايا. توظيف الوسائط الحديثة: استثمار المنصات الرقمية، والبودكاست، والمجلات الإلكترونية، والكتب الرقمية لخلق محتوى واعي وقادر على تفكيك خطاب الكراهية والعنصرية الذي تغذيه الحرب وأمراء الصراع. صيانة الموروث الشفاهي والمادي: أرشفة المعارف والمخطوطات والتراث الغنائي والشعبي إلكترونياً لحمايته من الطمس والمحو. ثالثاً: جبهة ثقافية عالمية وبناء التحالفات إن إخراج القضية السودانية من زوايا التكتيكات السياسية الضيقة إلى رحاب الإنسانية يتطلب تشكيل جبهة ثقافية سودانية عابرة للحدود تضطلع بالمهام التالية: بناء جسور مع حركات السلام الدولية: ربط المأساة السودانية بقضايا السلم والأمن العالمي ومناهضة العنف. التغذية المعرفية للمؤسسات الدولية: تزويد الجامعات، ومراكز الفكر (Think Tanks)، والمنظمات الحقوقية بمواد وثائقية وثقافية تبرز البعد الإنساني والحضاري للأزمة بعيداً عن التضليل الإعلامي. إدانة الحرب عبر الفنون: إقامة المعارض والمهرجانات الندوات في عواصم الفكر والفن لتظل الشمعة السودانية متقدة في الوعي العالمي. خاتمة: نداء إلى العلماء والكفاءات والمبدعين إن هذا النداء هو استدعاء عاجل ومفتوح لكل العقول السودانية، والكفاءات، والعلماء، والباحثين، والمفكرين داخل الوطن وخارجه. إن التاريخ لا يرحم المتفرجين في أوقات المحن الكبرى. إن محاولة محو ذاكرة السودان الضاربة في قدم التاريخ، والتي بدأت نواتها منذ استقلال 1956 وتجلت بصورتها الصارخة في حرب اليوم، لن تتوقف إلا بوجود وعي مضاد ومُظهَّر. لتكن الفنون والعلوم والأدب هي درع السودان الخالد، ولنكن جميعاً على قدر هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية لإنقاذ حضارتنا، وتوثيق مأساتنا، وإعادة بناء وجدان أمتنا من بين الركام.
|
|