Post: #1
Title: الفيدرالية... الطريق إلى سودان يتسع للجميع كتبه كمال حامد
Author: كمال حامد بكري
Date: 07-22-2026, 12:24 PM
12:24 PM July, 22 2026 سودانيز اون لاين كمال حامد بكري-Sudan مكتبتى رابط مختصر
ليس من السهل إدارة دولة بحجم السودان، ولا يمكن النظر إليه بوصفه دولة تقليدية تتشابه فيها البيئات والثقافات والاحتياجات. فالسودان قارة مصغرة قبل أن يكون دولة؛ تمتد أراضيه عبر مناخات متعددة، وتعيش فيه عشرات المجموعات الثقافية واللغوية والقبلية، وتزخر أرضه بثروات طبيعية هائلة تشمل المياه والأراضي الزراعية الخصبةوثروة حيوانية ضخمة، إلى جانب المعادن النفيسة والنادرة التي يمكن أن تجعل منه أحد أهم الاقتصادات في القارة الأفريقية إذا أُحسن استغلالها. لكن هذه الثروة، التي كان ينبغي أن تكون مصدر قوة ووحدة، تحولت في كثير من الأحيان إلى سبب للصراعات والحروب، بسبب مركزية السلطة وتراكم التنمية في مناطق محددة، مقابل شعور قطاعات واسعة من السودانيين بالتهميش والإقصاء. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل لا يزال النظام المركزي قادرًا على إدارة هذا التنوع الهائل؟ هناك من يرى أن الإجابة تكمن في تبني نظام فيدرالي حقيقي يمنح الأقاليم سلطات واسعة لإدارة شؤونها، مع بقاء الدولة موحدة تحت دستور واحد وسيادة واحدة ومؤسسات اتحادية قوية. فالفيدرالية ليست تقسيمًا للوطن، وإنما أسلوب حديث لتنظيم السلطة وتوزيعها بما يحقق العدالة والكفاءة. إن سكان دارفور، أو الشرق، أو كردفان، أو الشمالية، أو الجزيرة، هم الأقدر على معرفة أولويات مناطقهم واحتياجاتها التنموية. وعندما تمتلك الحكومات الإقليمية صلاحيات حقيقية في التخطيط والإنفاق وإدارة الخدمات، تصبح عملية التنمية أكثر قربًا من المواطن وأكثر قدرة على الاستجابة لمشكلاته اليومية. كما أن الفيدرالية تخلق منافسة إيجابية بين الأقاليم في مجالات الاستثمار والتعليم والصحة والبنية التحتية، وهو ما ينعكس في النهاية على تحسين جودة الحياة للمواطن السوداني أينما كان. ولا يقتصر الأمر على التنمية وحدها، بل يمتد إلى تعزيز الوحدة الوطنية نفسها. فالوحدة لا تُبنى بتركيز السلطات في العاصمة، وإنما تُبنى عندما يشعر كل مواطن بأن صوته مسموع، وأن ثروات منطقته تعود عليه بالنفع، وأن له شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار الوطني. لقد دفع السودان عبر عقود طويلة ثمن النزاعات التي غذتها مشاعر التهميش وعدم العدالة في توزيع السلطة والثروة. ولذلك فإن بناء دولة حديثة يتطلب إعادة النظر في شكل الحكم، بحيث يقوم على المشاركة الواسعة، والشفافية، والمساءلة، والتنمية المتوازنة بين جميع الأقاليم. غير أن الفيدرالية ليست وصفة سحرية. فهي تحتاج إلى دستور واضح، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية قوية، وآليات عادلة لتوزيع الموارد، حتى لا تتحول إلى مجرد نقل للمركزية من العاصمة إلى عواصم الأقاليم. كما أنها تحتاج إلى إرادة سياسية تؤمن بأن التنوع السوداني مصدر قوة وليس مصدر تهديد. إن مستقبل السودان لن يُبنى بالشعارات، بل ببناء مؤسسات تستوعب حجمه الجغرافي، وتنوعه الإنساني، وإمكاناته الاقتصادية. وإذا أُحسن تصميم النظام الفيدرالي وتطبيقه على أسس العدالة وسيادة القانون، فقد يشكل فرصة لبناء دولة مستقرة، مزدهرة، يشعر فيها كل سوداني بأن الوطن يتسع له، وأن ثرواته تُدار لصالح جميع أبنائه، لا لصالح فئة أو منطقة بعينها. فالسودان أكبر من أن يُدار بعقلية المركز وحدها، وأغنى من أن يبقى أسير الصراعات، وأجدر بأن يمتلك نظام حكم يواكب اتساع أرضه، وتنوع شعبه، وطموحات أجياله . bakrikamal26@gmail.com Image
|
|