عن ليلة إنكسار المدينة في الثاني والعشرين من يوليو 1971م أحكي لكم كتبه عمر الحويج

عن ليلة إنكسار المدينة في الثاني والعشرين من يوليو 1971م أحكي لكم كتبه عمر الحويج


07-21-2026, 11:50 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1784674231&rn=0


Post: #1
Title: عن ليلة إنكسار المدينة في الثاني والعشرين من يوليو 1971م أحكي لكم كتبه عمر الحويج
Author: عمر الحويج
Date: 07-21-2026, 11:50 PM

11:50 PM July, 21 2026

سودانيز اون لاين
عمر الحويج-الخرطوم-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






قصة قصيرة/ الزجاجة

بقلم /



مقدمة :

"عن ليلة الثاني والعشرين من يوليو 1971م " أو سمِّها : ليلة انكسار المدينة ، وفوضاها العارمة ، حين كان الرعاع يُرعدون ويُرعبون مرددين : (عايد .. عايد يا نميري) وبعيدًا كنت هناك .. بخيالي أخطُّ وأرصد ، حين اكتملت في ذهني ملامح هذه القصة ، وأنا في قطار الهَمْ ، مهرولًا بحثًا عن الأمان في غير المكان . وفي ذكراها ، ما زلت لكم أحكيها ."
تفضل بنشرها في زمانها ، يوم الاثنين الموافق 16 / 7 / 1973م ، الصديق الراحل / القامة / العلامة / طه الكد في صفحته الثقافية بصحيفة الأيام . ثم ضمتها مجموعتي القصصية ( إليكم أعود وفي كفي القمر) الصادرة عن دار عزة للنشر عام 2009 م .

***

وإليكم القصة القصيرة / الزجاجة :

الجرعة الأولى :

ملعونون .. ملعونون .. أيها النقاد - والقراء أيضاً - الضاجعون الآن مع عشيقاتكم ورفيقاتكم وصديقاتكم .. وعيون حبيباتكم ، إذا التفَتُّم إلى ضعف التكنيك في هذه القصة .. فقد كُتِبَت أثناء سريان أحداثها .. وساعتها لم تكونوا معي .. معنا .

الجرعة الثانية:

رغم الإغراءات الوافرة في حَلّْ مشكلتي نهائيًا أو تجميدها على أقل تقدير ، لمدة ستة أيامٍ بفعل الحلم المسحوب على شرف التذكرة الرابحة ، إلا أنني لم أفكر لحظة واحدة في ممارسة لعبة (التوتو كورة) ولنفس الأسباب ، والتي لم أذكرها بعد ، لم أحاول يومًا الإعتماد على قوى خارجة عني ، بما فيها بركة جدي الشيخ حامد أب عصاةً سيف ، في حلّ مسائلي المعلقة ، إلا أنني قبل ساعة فقط من الآن حدثت لي حالة ، تمنيت فيها من سائق بص - تصوروا - ليست التذكرة الرابحة ولا القوى الخارجة عني - بما فيها جدي سالف الذكر - أن يخرجني من هذا المأزق الذي أوقعتني فيه الظروف ، والتي لن أذكرها - ربما نكاية بكم - مما اضطرني لشتم ذلك الجد الذي لم يجعلني وارثًا لعصاته العظيمة تلك - حسب ما روي لي عنها من بطولات - لإضافة بطولة جديدة لها ، بالضرب المبرح بها ، على قفا وظهر وبطن ذلك السائق ، الذي تفادى كل العوائق في سبيل تأمين وصولي سالمًا إلى هذا المكان .. غير السالم .. غير الآمن .

الجرعة الثالثة:

(ثم ماذا بعد أن تنتهي الزجاجة) .

مع نفسي أتحادث فلا تحاولوا أن تحشروا أنوفكم في ما لا يعنيكم .

الجرعة الرابعة:

هنا مرت بي خاطرة إنقاذ تشبثت بها .. تلك القطة التي كانت تتشمم حولي قبل دقائق .

برغم فشلها في الخروج مني بغنيمة ، إلا أنني شعرت أنها عقدت معي صداقة ، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك ، فقد خيل لي ، أنها تدعوني .. مما جعلني أزحف نحوها وفي نيتي صادقًا تلبية الدعوة الكريمة : ولكن ها أنتم ترونني قابعًا في ركني حزينًا عليها - أعني القطة لا الدعوة - فقد دهسها سائق بص - عندي الرغبة في الحديث عنه في جرعة قادمة فترقبوها - أما القطة ، لها الحزن، فقد حملت رأسها على كتفيها في سبيلنا .. لها الرحمة و... وإنما الأعمال بالنيات.. ولها منا كل الشكر .

الجرعة الخامسة :

الطفل .. إنه يعود .. إنه يمشي .. إنه يجلس .. إنه يقف .. إنه ينظر .. إنه .

الجرعة السادسة :

إنه نفس السائق في قصتي - دائرة الضوء البيضاء - لو تذكرونهاو.. لا تؤاخذوني إذا افترضتُ فيكم حسن النية في متابعة كتاباتي .. في تلك القصة على ما أذكر سائق البص -يتحدث ، ولكن ليس كالآخرين - نفس الشيء يفعله هذا السائق الـ...الـ...الـ .

الجرعة السابعة:

هذا المذيع ، ذو النبرات الجوفاء .. إنه يحوم بصوته اللزج حول طبلة أذني ، منذ الجرعة الثانية ، يعلن أنه سوف يسافر بنا من الخرطوم إلى أثينا إلى لندن .. إلى نيويورك .. إلى كوبنهاجن .. إلى .. إلى .

الجرعة الثامنة:

تركني هذا المذيع الجلف بدعوى أنني لم أستخرج جواز سفر مثل الآخرين .. طُظ .. !! .

الجرعة التاسعة :

آه .. ولكني لست وحدي ، معي ذلك الطفل ، الذي يمشي .. الذي يقف .. الذي يجلس.. الذي ينتظر .. الذي لم يستخرج أيضاً جواز سفر .. طُظ .. !! .

الجرعة العاشرة :

(ثم ماذا بعد أن تنتهي الزجاجة !! ) .

مع الطفل أتحادث فلا تحشروا أنوفكم في ما لا يعنيكم .

الجرعة الحادية عشر :

إنه يمشي.... .... .... ... إنه يعود.... .... .. إنه ينتظر.... ... إنه يقف.... .... .. إنه يريدها أن تنتهي .

الجرعة الثانية عشر :

حبيبتي تجعلني الآن في حُلمِها ، أنام فوق حضنها .. لو تعرف أين أنا الآن .. لانتحر ذلك الحلم بداخلها .

الجرعة الثالثة عشر :

شروع الحلم في الانتحار لستُ مسؤولًا عنه أنا ولا حتى حبيبتي .. فماذا تريد يا هذا !!؟؟ .. ولكن حين وصلني ، عرفت أنه لم يكن قد أتى بهذا الخصوص ، فقد أخبرني - رجل الشرطة هذا - أن الجلوس في هذا الوقت ، وفي هذا المكان ، ومع هذه الزجاجة ، ليس لائقًا بشخص محترم مثلي .. فلأذهب بها إلي حيث -الأمكنة المحترمة- وهي كثيرة جدًا ، لو سمحت ، أضافها إلى حديثه : تصورا أنه كان جد مهذب .. لم أصدق نفسي .. ليس لأن رجل الشرطة كان مهذبًا معي ، وإنما للطفل .. إنه يبكي .

الجرعة الرابعة عشر:

تعارفنا منذ الجرعة الأولى ، ولذلك يمكن لنا أن ندخل في حوار مع بعضنا البعض ، ويمكن لكم أن تعتبروها فترة استراحة - كما يحدث في السينما والمسرح أو حتى الملاهي . ولتذهبوا أثناءها لتفتحوا بلاغًا ضدي عند رجال الأمن أو... فلتأخذوا ساندوتشًا من لحم الخنزير ، إذا كنتم من ذوي الآراء الحادة في المسائل الدينية أو الدنيوية .

الجرعة الخامسة عشر :

الحوار :

أنا : لا أريد لها أن تنتهي .

هو : أريدها أن تنتهي .

أنا : لا أريدها أن تنتهي .

هو : أريدها أن تنتهي .

الجرعة السادسة عشر :

يبكي .. هو .

الجرعة السابعة عشر :

أضحك .. أنا .

الجرعة الثامنة عشر :

عودوا الآن من حيث كانت استراحتكم بشرط أن لا تكونوا قد فتحتم ضدي بلاغًا تحت مادة السُكر البين أو أية مواد أخرى مشابهة : ولأثبت لكم أنني لست واقعًا تحت طائلة أي منها سوف أسرد عليكم بعض الحقائق عني بترتيبها الأبجدي :

أ‌ - ولدت في الزمن الذي كانوا ينتزعون فيه الطفل من رحم أمه المعلقة على الحبل ، لذلك تجدون صبري طويلًا جداً في تحمل الكثير من سخافتكم .

ب‌ - مشيت بخطواتي على الأرض بعدد الحصى الذي فوق سطحها مراتٍ ومرات .

ج - توقفت الآن عن المشي ، لأن الحصي الذي تحسب به خطواتي قد انتهي . ولحين استيراد بعض الحصي من مناطق أخرى غير الأرض ، سوف أظل جالسًا في مكاني هذا ومتمنيًا :

- لسائق الباص ، دوام الصحة والعافية.

-؟ولتوتو كورة ، أن لا ينقصنا سوى سحبها الرابح .

- وللمذيع وصوته وركابه ، العود الأحمد .

- و .. للزجاجة أن لا تنتهي . أما الطفل فسوف أجعله يضحك الآن : سوف أجعله يبكي الآن .. لن أقول لكم كيف .. ولكنه حتمًا سوف يضحك .. حتمًا سوف يبكي .

الجرعة التاسعة عشر :

أضحك .. أنا . يبكي .. هو .

يضحك .. هو . أبكى .. أنا .

نحن نضحك .. معًا . نحن نبكى .. معًا .

الجرعة العشرون :

نسيت أن أتمنى لحبيبتي شيئًا .. سوف أترككم تتمنون لها بدلًا عني .. فأمنياتي أنا لا تتحقق أبدًا ، وإلا كانت تحققت أمنيتي مع سائق البص الذي أصر - كعادته منذ قصتي آنفة الذكر - أن يصل بي إلى هذا المكان الآمن ، خوفًا عليّ من العواقب الوخيمة في الأمكنة الأخرى أو .. كما قال .

الجرعة الحادية والعشرون :

اضطررت لإيقاظه ، ذلك الطفل ، لأدخل معه في حوار من جديد حول الزجاجة ، التي يريدها فارغة لأسباب لم يذكرها لي صراحة ولا ضمنًا ، لذلك تجنبت إدراجها هنا ، والتي أريدها ملأي لأسباب لم أذكرها لنفسي ، وبالتالي لن أدرجها هنا أيضًا ، فإلي الحوار علَّنا نصل إلى وفاق مُرْضٍ للجانبين :

أنا : لا أريد لها أن تنتهي .

هو : أريدها أن تنتهي .

أنا لا أريد لها أن تنتهي .

هو : أريدها أن تنتهي .

الجرعة الثانية والعشرون :

يبدو أننا في هذه المرة تحاورنا بوسائل أكثر همجية ، فقد تحطمت الزجاجة .

***

-إنتبهوا .. إنني الآن .

أتقيأ .. أتقيأ .. أتقيأ .

***