فجوة الأداة التنفيذية من المفهوم إلى الهيكل التنظيمي للنفير سلسلة: من الفكرة إلى الواقع (٣/٤)

فجوة الأداة التنفيذية من المفهوم إلى الهيكل التنظيمي للنفير سلسلة: من الفكرة إلى الواقع (٣/٤)


07-21-2026, 01:51 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1784638262&rn=0


Post: #1
Title: فجوة الأداة التنفيذية من المفهوم إلى الهيكل التنظيمي للنفير سلسلة: من الفكرة إلى الواقع (٣/٤)
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 07-21-2026, 01:51 PM

01:51 PM July, 21 2026

سودانيز اون لاين
د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
مكتبتى
رابط مختصر



فجوة الأداة التنفيذية
من المفهوم إلى الهيكل التنظيمي للنفير
سلسلة: من الفكرة إلى الواقع (٣/٤)

د. على عبدالله الخليفة طه

أولاً: طبيعة الفجوة

يقدّم الميثاق "النفير الوطني الكبير" بوصفه المركبة الشعبية لتنفيذ كل ما سبق: تيسير الدعوة التأسيسية، توثيق الانتهاكات محلياً، تتبع الشبكات الاقتصادية الموازية. لكن "النفير" في صياغته الحالية مفهوم قبل أن يكون هيكلاً: هو استدعاء لتقليد سوداني راسخ في التعاضد الجماعي عند الحاجة، مسقط على مهمة سياسية-تنظيمية معقدة تمتد لسنوات لا لأيام.
والفجوة هنا محددة: التقليد الذي يستلهمه النفير — الاستجابة الجماعية العفوية والمؤقتة لحدث طارئ (حريق، بناء بيت، موسم حصاد) — بنيته التنظيمية غير المؤسسية بالتصميم. لا قيادة دائمة، لا عضوية مسجلة، لا آلية تمويل مستمرة، لأن هذه العناصر غير ضرورية لمهمة تنتهي خلال يوم أو أسبوع. لكن مهمة النفير في سياق الميثاق مختلفة جذرياً في طبيعتها الزمنية: عملية بناء مؤسسي تمتد سنوات، وتحتاج بالضرورة عناصر التنظيم الدائم نفسها التي يفتقر إليها التقليد الأصلي.
فهل يمكن نقل الروح التعاضدية للنفير إلى بنية تنظيمية دائمة دون أن تفقد هذه الروح نفسها في لحظة "التمأسس"؟

ثانياً: نقد النماذج القائمة

النموذج الأول: التمأسس المبكر
وهو المسار الذي تسلكه غالباً الحركات الاحتجاجية حين تتحول بسرعة إلى هياكل حزبية أو شبه حزبية (لجان مقاومة تتحول إلى تنسيقيات مركزية، تنسيقيات تتحول إلى أحزاب). المشكلة أن هذا التحول السريع يستنسخ بالضبط البنية الهرمية المركزية التي كانت الحركة الأصلية ثورة عليها، ويُفقد التنظيم الجديد ميزته الأساسية: القرب من القاعدة والمرونة المحلية. لجان المقاومة السودانية بعد ٢٠١٩ عانت هذا التوتر مباشرة حين حاولت بعض التنسيقيات المركزية "تمثيل" لجان محلية لم تُفوّضها فعلياً.
النموذج الثاني: البقاء في اللامأسسة الدائمة
وهو الموقف المضاد، القائل بأن أي تنظيم رسمي يفسد الطابع الأفقي والتلقائي للفعل الشعبي، فيُبقي الحركة عمداً بلا قيادة معلنة ولا هيكل قابل للمساءلة. هذا الموقف يحمي من خطر الاستحواذ النخبوي على المدى القصير، لكنه يجعل التنظيم عاجزاً عن أداء مهام تراكمية تحتاج ذاكرة مؤسسية وتخصصاً وظيفياً ، بالضبط المهام التي يحتاجها الميثاق من النفير (توثيق ممنهج، تتبع مالي، إدارة تفويضات متسلسلة).
كلا النموذجين يخطئ بافتراض أن "المأسسة" و"الأفقية" نقيضان لا يجتمعان، بينما المطلوب فعلياً هو تصميم يجمعهما بتراتبية وظيفية، لا هرمية سلطوية.

ثالثاً: تأطير بديل ، التمايز الوظيفي بلا مركزية القرار

المخرج من هذا التوتر لا يكمن في اختيار أحد القطبين، بل في فصل مفهومين كثيراً ما يُخلط بينهما: التمايز الوظيفي (تخصص بعض الوحدات بمهام معينة) والمركزية القرارية (تركّز سلطة اتخاذ القرار في قمة واحدة). يمكن للنفير أن يطوّر تمايزاً وظيفياً كاملاً ، وحدات توثيق، وحدات تتبع مالي، وحدات اتصال، دون أن يستلزم ذلك تركّز القرار النهائي في قيادة مركزية واحدة، إن صُممت آلية التنسيق بينها كشبكة أفقية من التفويضات المتبادلة بدل هرم عمودي من الأوامر.
هذا يتقاطع مع ما طرحته إلينور أوستروم في تحليلها لإدارة الموارد المشتركة (Governing the Commons): المجتمعات الناجحة في إدارة موارد جماعية معقدة لا تحتاج بالضرورة سلطة مركزية واحدة، بل قواعد واضحة للتنسيق متعدد المستويات، ومراقبة متبادلة بين الوحدات، وآليات محلية لحل النزاعات ، وهي عناصر تنظيمية، لا غياب التنظيم. الأفقية الحقيقية ليست غياب البنية، بل بنية موزّعة بقواعد واضحة.

رابعاً: مرجعية مقارنة

تجربة "الجيش الزاباتستي للتحرير الوطني" في تشياباس بالمكسيك، وتحديداً بنيتها التنظيمية اللاحقة المعروفة بـ"مجالس الحكم الرشيد" (Juntas de Buen Gobierno)، تقدّم نموذجاً عملياً لهذا التمايز الوظيفي بلا مركزية. المجالس المحلية تحتفظ بصلاحية القرار الكامل في شؤونها، بينما تتناوب تمثيلها في هيئات التنسيق الإقليمية دورياً لمنع تكوّن نخبة تمثيلية دائمة، مع فصل واضح بين من ينسّق التواصل الخارجي ومن يتخذ القرار الداخلي. النتيجة: بنية استمرت أكثر من عشرين عاماً دون أن تتحول إلى حزب مركزي، ودون أن تفقد قدرتها على إدارة مهام معقدة (تعليم، صحة، عدالة محلية).
الدرس القابل للنقل: التناوب الإلزامي في مواقع التنسيق، والفصل الصريح بين "من يتكلم باسم" و"من يقرر"، هما الأداتان الأكثر فعالية لمنع تحول البنية الوظيفية إلى هرم سلطوي بحكم الأمر الواقع.

خامساً: نحو آلية عملية، هيكل النفير الوظيفي

المقترح هنا يحدد ثلاثة مستويات وظيفية للنفير، مرتبطة أفقياً لا عمودياً:
1. وحدات محلية متخصصة وظيفياً لا جغرافياً فقط: كل موقع محلي يشكّل فرق عمل صغيرة بمهام محددة (توثيق، اتصال، تعبئة) بدل لجنة واحدة تؤدي كل شيء، وهذا يخلق تمايزاً وظيفياً من القاعدة، لا من القمة.
2. مجلس تنسيق دوري لا دائم: يجتمع ممثلو الوحدات المحلية بشكل دوري (لا هيئة قائمة بذاتها) لتبادل المعلومات ومواءمة الجهود، مع تناوب إلزامي في رئاسة كل اجتماع بحيث لا يتكوّن موقع تمثيلي ثابت يمكن أن يتحول لاحقاً إلى مركز سلطة بحكم التراكم.
3. فصل صريح بين مهمة الاتصال ومهمة القرار: من يتحدث باسم النفير في الإعلام أو أمام الأطراف الخارجية ليس بالضرورة من يملك صلاحية اتخاذ القرار الداخلي، الأول دور تقني قابل للتدوير، والثاني يبقى في يد الوحدات المحلية أو مجلس التنسيق مجتمعاً.
4. معيار النجاح ليس سرعة بناء هيكل موحّد، بل قدرة البنية الموزّعة على أداء المهام التراكمية (توثيق مستمر، تتبع مالي منهجي) دون أن تتحول نقاط التنسيق فيها إلى مواقع سلطة دائمة، وهذا هو المعنى العملي لـ"التمايز الوظيفي بلا مركزية القرار".

خاتمة: البنية كضمانة لا كعائق

الخوف المشروع من أن يتحول النفير، في لحظة تنظيمه، إلى نسخة جديدة من النخب المركزية التي ينتقدها الميثاق، ليس سبباً لتجنب البنية، بل سبباً لتصميمها بعناية أكبر. اللامأسسة لا تحمي من الاستحواذ؛ فالفراغ التنظيمي يُملأ دائماً، وغالباً من الأكثر قدرة على التحرك بسرعة لا الأكثر تمثيلاً. الضمانة الحقيقية ليست في غياب الهيكل، بل في هيكل يوزّع الوظائف ويمنع تراكم السلطة عند أي نقطة فيه.