Post: #1
Title: نحن والمصريون: جوار استنزاف وهلاك كتبه د. مصطفى الجيلي
Author: د. مصطفى الجيلي
Date: 07-21-2026, 01:23 PM
01:23 PM July, 21 2026 سودانيز اون لاين د. مصطفى الجيلي-USA مكتبتى رابط مختصر
سم الله الرحمن الرحيم
20 يوليو 2026
إن كل جيراننا يحترموننا ويعرفون قدرنا ما عدا المصريين.. لعل أكثر من كتب عن شخصية السوداني بإيجابية وإعجاب هم السعوديين وأهل الخليج عموما واليمن، لأنهم كانوا الأقرب إلى معاشرته ومعرفة طباعه. ولقد استضافتنا الإمارات بسخاء وكرم في سعير هذه الحرب..
كذلك الأثيوبيون هم الأقرب للسودانيين في تقمصهم لفننا وهيامهم بثقافتنا.. أيضا جربنا، وبوضوح بعد هذه الحرب اللعينة، استضافة ومحبة أهل يوغندا وكينيا.. أما جنوب السودان فأنا شخصيا لا أراه دولة أخرى غيرنا، لولا ما خلفه حكم الإخوان المسلمين من مرارات وتجارب قاسية كما خلف عندنا، وأعتقد أن شملنا سيلتئم قريبا.. تشاد تعتبر امتدادا لنا "السودان الفرنسي" ولهجتنا واحدة، بينما استضافت ليبيا كثيرون منا ووجدوا بها عملا ومستقرا....
أما المصريون— كدولة وسياسة وسواد شعب-- لم نجد منهم غير الاستصغار والاستغلال والاستنزاف فهم يتصرفون في شؤون حياتنا وداخل حدودنا وكأننا قد توفينا جميعا.. لقد استغلوا تورط حكومة الإخوان المسلمين السودانيين في محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في أديس أبابا في العام ١٩٩٥، واستخدموها كورقة ابتزاز خبيثة عاثوا على إثرها فسادا في الشعب كله، وحصلوا بها على أي مطمع في مخيلتهم عن السودان، وأطماعهم ساحقة ماحقة لا تعرف حدودا..
تمكنوا من ناصية الحكم في السودان وتوجيه سياساته وقمع ثورته وتشتيت شعبه.. ثم دخلوا أرض حلايب وشلاتين السودانية فاحتلوها بارتياح تام، وباشروا أعمال تمصير وتنقيب وتعدين نهم لا يهدأ.. ثم واصلوا نهب موارد السودان وثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية –بأسعار بخسة وبعملة سودانية مزورة-- ليصنعوها ويصدرونها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء حتى أن يكتبوا عليها صفة "سودانية" (كما هو موثق في فيديوهات تروس السودان).. وها هو وزير الزراعة يتحدث أمام كاميرات الإعلام بلا خجل وباحتقار لشعب وحكومة السودان عن كيف يتم نهب مواردنا ويفصل في خطط استغلال أراضينا وثرواتنا الحيوانية وكيفية استغلال ذهبنا وأنواع معادننا وكأننا لسنا موجودين إطلاقا.. وحين شارك طيرانهم الحربي حكومة السودان حربها، فقد تعمد قصف المصانع ومنشآت التنمية في الخرطوم بحري دون أي مبرر.. ومؤخرا وصلت بهم الجرأة أن تقوم قواتهم بقتل الأبرياء من عمال التعدين داخل السودان بطيران ومقاتلات مصفحة.. وهذا مما لا شك فيه أنه سيخضع لتحقيق دولي في الأيام المقبلة..
ولست هنا بصدد دراسة مفصلة عن استغلال المصريين لنا، فشأنهم معنا مرصود، وسيأتي يوم الحساب.. اتفاقية مياه النيل الأولى (١٩٢٩) معذورون فيها، فهي قد كانت تحت الحكم الخديوي البريطاني وها هو العلم الثنائي (التركي – البريطاني) ليس فيه علم مصر، وقد كانت الاتفاقية أقرب لتبادل المكاتبات بين الإدارات الاستعمارية.. لكن تجديد التوقيع على الاتفاقية في ١٩٥٩ قد كان هو الجريمة.. وللحقيقة، رغم أن المسئولية الأكبر تعود لموافقة السودانيين عليها، فبعضهم بارك عن جهل أو سذاجة وآخرين بحكم انتمائهم لأصول مصرية مثل الوزير الذي نفذها " اللواء محمد طلعت فريد".. غير أن فداحتها وبشاعتها كانتا فوق الاحتمال؛ فكلما تناولتها بالشرح لطلابي بكلية التربية بجامعة الخرطوم، رأيت بعضهم يبكي من هول ما اشتملت عليه من ظلمٍ ومهانة. وإن أنسى لا أنسى ونحن أطفال تلاميذ ابتدائي، أحضرنا في مواكب حزينة لمحطة السكة حديد كسلا لتعزية أهالي حلفا وهم في طريقهم لمنفاهم، وأذكر بوضوح عويلهم المأساوي في فاجعة ترحيلهم.. ومع كل ذاك، فحتى البحيرة التي طمرت حياتهم وممتلكاتهم استكثروا عليها أن تسمى باسمهم فجاءت باسم "بحيرة ناصر"..
والآن بعد حرب السودان هذه، فإن مصر لقربها وقلة تكلفة الوصول إليها بالسيارات -- نسبيا-- ومع الخطر والمهانة في سفر التهريب، فقد مثلت الخيار الأسهل للسودانيين الفارين من الموت.. ورغم أن السلطات المصرية لا تغيب عنها صغيرة ولا كبيرة من أمر حدودها، لكنها سمحت بتهريب السودانيين لعدة أسباب.. أولها أنهم سيكونون كالمجرمين بلا حقوق من أي نوع، وثانيها أنهم يمثلون مصدرا للعملات الصعبة بفضل ما يرسله لهم أقربائهم، وثالثها أن السلطات المصرية تقبض عنهم أموال اللجوء الدولي وبالطبع لا تدفع لهم منها شيئا، ورابعها أن السودانيين عمليا يعاملون كسياح حيث يسافرون ويسكنون ويعيشون - ونسبة كبيرة تمتلك هناك عقارات وشقق - من الأموال التي يرسلها لهم أقرباؤهم، فيحركون بذاك السوق والتجارة.
ومع كل هذا الظلام، لا يجد هؤلاء السودانيون غير الرسوم العالية وبالعملة الصعبة (الدولار) مع ارتفاع الأسعار والايجارات العالية في المعيشة، وبعدها يلاحقون ويطاردون بشراسة من الشرطة لإعادتهم لبلدهم الذي لا تزال حربه مستعرة وذلك بعد أن استنفدوا كل مدخراتهم في الهروب إلى مصر، فأي عدل وأي رحمة وأي إنسانية تلك التي عند المصريين؟؟ وسبب الرغبة في إرجاعهم ليست أن يجندوا مستنفرين لدي جيش الإخوان المسلمين، كما يظن كثيرين، وإنما ليتسنى للحكومة المصرية البدء في تنفيذ مشروع إعادة تأهيل الخرطوم التي منحتهم حكومة السودان عطاءها كاملا -- دون حتى منافسة قانونية-- فهم بذلك يتلهفون لتلك المليارات التي رصدت لإعادة التأهيل.. وما أتوقعه –إذا لم يتم المشروع تحت رقابة دولية حاذقة -ـ فستكون المنشآت رخيصة هشة تتهالك خلال وقت قصير (وصيانة جسر الحلفاية خير شاهد).. لكن الأخطر من ذلك سيصرف المصريون تلك الأموال على البنية التي تمكنهم من مواصلة نهب واستغلال موارد السودان وثرواته.. و "الكتاب من عنوانه"؛ أي عدل هذا الذي يسمح للشاحنات المصرية أن تصل إلى داخل كل المدن السودانية بينما تمنع الشاحنات السودانية أن تتعدى المعبر الحدودي؟؟!!
ونقطة أخرى أكثر أهمية، ذلك الدعم الدبلوماسي والعسكري المباشر من الحكومة المصرية لحكومة الإخوان المسلمين السودانية ليس سببه رغبتهم فيهم كحكومة، فهم عمليا أعداءهم في سياستهم الداخلية، ولكن دعمهم هذا لإبقاء السودان.. فقيرا مهانا مستنزفا بعد أن جربوا خنوع واستسلام حكومة البشير لثلاثين عاما.. وبالتأكيد هم لا يريدون غزو السودان واستعماره مباشرة، لأن ذلك سيضعهم في مواجهة المجتمع العالمي وانتهاك الشرعية الدولية.. كما أنهم لا يريدون لحكومة السودان أن تستقر وتنمو وإنما يريدون استمرار حالة اللاحرب واللاسلم لأنها الأمثل لشفط ثروات السودان بالمجان، وإبقاءه كسيرا جريحا أمامها كما هو الحال الآن.
هذه العلاقة القميئة الغريبة بين بلدين جارين ربما لا يوجد لها ضريب على مستوى التاريخ البشري، لا تدل على ذكاء ولا على حذق المصريين، كما يتوهمون، وإنما على قصور نظر مهلك خلقه الجشع المفرط والتسرع المحموم لنهب الثروات، وهو أكبر خطأ ترتكبه الحكومة المصرية لآنها بذلك قد حطمت البقية الباقية من حسن ظن السودانيين بهم.. وحين تسقط حكومة السودان الحالية وهي ساقطة لا محالة فحينها سيواجهون شعبا يريد الثأر لحقوقه السليبة ولكرامته المهانة، تماما كما بدأت حكومة حمدوك السابقة هذا الاتجاه، وسيندم المصريون حينها ولات حين مندم.. في خطابه للرئيس المصري اللواء محمد نجيب في ١٨ أغسطس ١٩٥٢ كتب الأستاذ محمود محمد طه: "إن السودانيين قوم يؤذيهم أن يطمع طامع فيما يحمون، كما يؤذيهم أن يبالغ في العطف عليهم العاطفون"..
|
|