Post: #1
Title: اللجنة الدولية للصليب الأحمر: رسالة إنسانية تتجاوز الحدود 5-5 دور دولة سويسرا في دعم اللجنة الدو
Author: محمود ابكر دقدق
Date: 07-21-2026, 01:18 PM
01:18 PM July, 21 2026 سودانيز اون لاين محمود ابكر دقدق-الدوحه مكتبتى رابط مختصر
اللجنة الدولية للصليب الأحمر: رسالة إنسانية تتجاوز الحدود 5-5 دور دولة سويسرا في دعم اللجنة الدولية الصليب الأحمر د. محمود دقدق قانوني وباحث tabareek@yahoo.com
تلعب سويسرا دورًا تاريخيًا ومحوريًا في نشأة اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتطورها، لأنها ارتبطت منذ البداية بالظروف التي ولّدت فكرة العمل الإنساني المنظّم وبالبيئة السياسية والقانونية التي ساعدت على تحويل تلك الفكرة إلى مؤسسة دائمة ذات حياد واستقلال. ويمكن تلخيص مساهمة سويسرا في محورين رئيسيين: دعم المبادرة الأولى التي أطلقتها شخصيات سويسرية في منتصف القرن التاسع عشر، ثم تأمين الإطار المؤسسي والبيئي الذي مكن اللجنة من النمو والاضطلاع بمهامها عالمياً.
في عام 1859 شهدت أوروبا حربًا قاسية أبرزت حجم المعاناة الناتجة عن النزاعات، خصوصًا في ساحة المعارك حيث كان الجرحى يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على رعاية طبية منظمة وسريعة. في هذا السياق برزت سويسرا كمركزٍ لفكرة تأسيس هيئة إنسانية تعمل على مساعدة ضحايا الحرب دون الانحياز لأي طرف. وقد قاد هذه الفكرة داخل سويسرا عدد من الشخصيات البارزة، وكان من أهمها هنري دونان (Henri Dunant)، وهو سويسري دفعته مشاهدته لمعاناة الجرحى إلى الدعوة لقيام تنظيم مهني وإنساني يوفر الرعاية ويحمي العاملين الطبيين. أسهمت هذه المبادرة الفكرية في بلورة مشروع “جمعيات الإغاثة” التي يمكنها العمل وقت الحرب، وتقديم المساعدة للضحايا على أساس إنساني لا سياسي. في الجانب الآخر تميزت سويسرا—باعتبارها بلدًا محايدًا تقليديًا—على تأسيس مفهوم “الحياد” كقيمة تأسيسية للحركة الإنسانية. فالفكرة لم تكن مجرد تقديم مساعدات، بل كانت تقوم على مبدأ حماية الرعاية الطبية والجهات الإغاثية من خلال نظام دولي لاحقًا، وهو ما أدى إلى انتشار الفكرة وتوسعها إلى ما يشبه “منظومة” إنسانية عابرة للحدود. ولا يكمن حصر دور سويسرا فقط في لحظة النشأة، بل أيضًا في تحويل الفكرة إلى مؤسسة ذات حضور عالمي. فمقر اللجنة في جنيف ضمن النظام السويسري أتاح لها القيام بأدوار دبلوماسية وتقنية وقانونية مع دول العالم، والتواصل مع الأطراف المتحاربة والمؤسسات الوطنية في أوقات النزاع. وتتجسد المساهمة السويسرية في ثلاثة جوانب متكاملة وهي: - وجود اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف جعل سويسرا “قاعدة تشغيل” وموئلًا إداريًا وقانونيًا يساعدها على بناء علاقات وثيقة مع الدول والمؤسسات. - انطلاقًا من سمعة سويسرا كدولة محايدة، أصبح من الأسهل ترسيخ قبول اللجنة بوصفها جهة إنسانية لا تتبع أي طرف في النزاع. - ساعدت سويسرا في تعزيز البيئة التي تتفاعل فيها اللجنة مع القانون الدولي الإنساني ومع تطورات المعاهدات ذات الصلة بالعمل الإنساني والرموز والحماية في النزاعات. وبذلك يمثل دور سويسرا في دعم وإنشاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر حقيقة قصة تلاقت فيها المبادرة الفردية مع البيئة السياسية والمؤسسية الملائمة. فقد ساعدت سويسرا على تحويل فكرة إغاثة الجرحى إلى مؤسسة إنسانية مستقلة ذات حياد، ومنحتها مقرًا ومكانة تسمح لها بالتفاعل مع الدول والأطراف المتحاربة في لحظات الأزمات. وبفضل هذا الدعم—الذي بدأ من لحظة النشأة وتمدد إلى مستوى الاستضافة والتنسيق—استطاعت اللجنة الدولية الصليب الأحمر أن تصبح واحدة من أهم المؤسسات الإنسانية في العالم. ويشكّل البعد الفكري دورًا أساسيًا في فهم مساهمة سويسرا. فسويسرا لم تقدّم فقط أرضًا مؤسسية، بل ساهمت في صياغة تصور أخلاقي-تنظيمي يقوم على تقديم العون للجرحى دون تمييز ودون الانحياز للأطراف المتحاربة. وقد ساعد حضور شخصيات سويسرية نشطة في إطلاق الدعوة للعمل الإنساني على تحويل الرؤية إلى مشروع قابل للتجسيد المؤسسي. تبعًا لذلك، يمكن النظر إلى سويسرا بوصفها حلقة وصل بين “الدافع الإنساني” و“التنظيم”، حيث تم الانتقال من التعاطف الفردي إلى بناء آليات مؤسسية. كما دعمت دولة سويسرا نشر ثقافة القانون الدولي الإنساني واستضافت العديد من الأنشطة ذات الصلة وقدمت الدعم اللا محدود للطلاب والدارسين لدراسة هذا الفرع من فروع القانون الدولي الإنساني بالغ الأهمية ولقد كنت من المحظوظين الذين وجدوا فرصة للدراسة في جامعة جنيف في مجال القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، كما عملت سويسرا على دعم الأنشطة ذات الصله ببناء القدرات في العديد من الدول التي تستهدف الفئات المنوط بها إنفاذ القانون الدولي الإنساني على المستوى الوطني. ونخلص إلى أن دور سويسرا في دعم وإنشاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر ودعم احترام وكفالة احترام القانون الدولي الإنساني لم يكن دورًا ثانويًا أو مساعدًا، بل كان عنصرًا حاسمًا عبر مراحل مختلفة، من دعم البدايات الفكرية والتنظيمية، إلى ترسيخ مبدأ الحياد بوصفه أساسًا للقبول الدولي، وصولًا إلى توفير مقر مؤسسي في جنيف يرفع قدرة اللجنة على العمل والتنسيق والتأثير على نطاق عالمي. وبذلك، تقدم تجربة سويسرا نموذجًا لكيف يمكن للموطن المؤمن بالقضايا الإنسانية والداعم لها وللدولة المحايدة الراغبة في نشر ثقافة التسامح والإحساس بالآخر أن يتحولا إلى عاملان لإنجاز وظائف إنسانية عابرة للحدود.
|
|