Post: #1
Title: من يوقف الحرب إذا كانت الدولة نفسها هي الأزمة كتبه محمد عبدالرحيم أبوه
Author: محمد عبدالرحيم أبوه
Date: 07-21-2026, 01:15 PM
01:15 PM July, 21 2026 سودانيز اون لاين محمد عبدالرحيم أبوه-Sudan مكتبتى رابط مختصر
لم يرث السودأن عن الاستعمار استقلالًا مكتمل الأركان، بقدر ما ورث دولةً صُمِّمت لخدمة المشروع الاستعماري، لا لخدمة المجتمع السوداني. فقد كانت دولةً بُنيت على مقتضيات الضبط الإداري والأمني، لا على مبادئ المشاركة الشعبية أو الإرادة الوطنية. وعندما رحل المستعمر، انتقلت هذه الدولة بمؤسساتها وفلسفتها إلى نخبة سياسية وعسكرية تشرّبت ثقافة الإدارة الاستعمارية، فأعادت إنتاج بنيتها ومنطقها بدلًا من إعادة بنائها. واستمر المركز محتكرًا للسلطة والثروة، بينما ظلّت الأطراف تُدار بعقلية السيطرة والتهميش، لا بعقلية الشراكة والمواطنة المتساوية. ومنذ السنوات الأولى بدت ملامح الأزمة واضحة. فحتى قبل إعلان الاستقلال رسميًا، اندلع تمرد توريت أغسطس عام 1955 نتيجة شعور قطاعات واسعة في جنوب السودان بهيمنة النخب المركزية على السلطة والثروة. وكان من أبرز قادة حركة «أنيانيا 1» "جوزيف لاقو يانقا، المنتمي إلى قبيلة المادي (Madi)، ولد في إقليم الاستوائية قرب مدينة ياي عام 1931م، والذي يُعد أبرز القادة العسكريين للحركة، وقد نجح في توحيد فصائلها وقادها حتى توقيع اتفاقية أديس أبابا 27 فبراير/ شباط 1972م. غير أن اتفاقية أديس أبابا لم تصمد طويلًا، إذ بدأت عوامل إضعافها بالظهور تدريجيًا، نتيجة تعثر تنفيذ بعض بنودها، وتصاعد الخلافات السياسية والإدارية، وانتشار الفساد، فضلًا عن أحتدام الصراع بين التيار الداعي إلى تقسيم الإقليم الجنوبي إلى عدة أقاليم، والتيار المتمسك بوحدته كما نصت عليه الاتفاقية. وقد ازداد الوضع تعقيدًا عندما تبنت حكومة الرئيس جعفر نميري مشروع تقسيم الجنوب، في مخالفة صريحة لروح الاتفاقية ونصوصها،، فندلعت الحرب الأهلية الثانية التي قادتها الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان، وزعيمها جون قرنق دي مابيور الذي ولد عام 1945 في تويك الشرقية بولاية جونقلي لأسرة ميسورة من قبيلة الدينكا. واستمرت الحرب لأكثر من عقدين، وتُعد من أطول وأعنف الحروب في القرن العشرين، إذ راح ضحيتها ما يقارب 1.9 مليون مدني، ونزح أكثر من أربعة ملايين شخص، قبل أن تنتهي بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، التي مهدت لاستفتاء تقرير المصير وانفصال جنوب السودان عام 2011. لكن انفصال الجنوب لم يكن نهاية الصراع، بل كشف أن الأزمة أعمق من قضية الجنوب وحدها. فقد اندلعت الحرب في دارفور منذ عام 2003 احتجاجًا على التهميش السياسي والاقتصادي، وسرعان ما تحولت إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع ارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين. وفي الوقت نفسه، اندلعت مواجهات مسلحة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق نتيجة تعثر تنفيذ الترتيبات الأمنية والسياسية المنصوص عليها في اتفاقية السلام الشامل.
وفي أبريل نيسان 2023 دخل السودان أخطر مراحله الحديثة مع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهي حرب نشبت بين مراكز القوة داخل الدولة نفسها. وقد كشفت هذه الحرب هشاشة مؤسسات الدولة، وعمق الأزمة التي تراكمت عبر عقود من عسكرة السياسة، وغياب المؤسسات المدنية القادرة على إدارة التنافس السياسي بوسائل سلمية. ورغم اختلاف أطراف هذه الحروب، فإن جذورها واحدة. فالتهميش السياسي والاقتصادي، وسوء إدارة التنوع الإثني والثقافي، واحتكار السلطة، وغياب التنمية المتوازنة، وتسييس المؤسسة العسكرية، كلها عوامل أسهمت في إعادة إنتاج العنف جيلًا بعد جيل. كما أن غياب المشروع الوطني الجامع جعل الهوية نفسها ساحةً للصراع بدلًا من أن تكون إطارًا للوحدة.
فقد تعاقبت الحروب من جنوب البلاد إلى غربها وشرقها، ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بعد سبعة عقود من الاستقلال هو : لماذا لم تتوقف الحروب ؟ وهل كانت مجرد نزاعات مسلحة متفرقة، أم أنها تعكس أزمةً أعمق في بنية الدولة السودانية ؟ إن القراءة السطحية تُرجع هذه الحروب إلى أسباب قبلية أو إثنية أو دينية أو اقتصادية أو سياسية، وهي عوامل حاضرة بلا شك، لكنها لا تفسر وحدها استمرار الصراع بهذا الشكل المزمن. كما أسهمت الانقلابات العسكرية المتكررة في تعميق الأزمة؛ فمنذ انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958م، مرورًا بانقلاب جعفر نميري عام 1969م، ثم انقلاب عمر البشير عام 1989م، وصولًا إلى إنقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ظل الجيش لاعبًا رئيسيًا في الحياة السياسية، الأمر الذي حال دون تطور المؤسسات المدنية، ورسخ فكرة أن القوة المسلحة هي الطريق الأسرع إلى السلطة. ولم تكن النخب المدنية بمنأى عن المسؤولية، إذ استبدلت مشروع بناء الدولة بالتنافس على السلطة والسيطرة عليها. ولذلك، لم يكن انتقال الحكم من حزب إلى آخر، أو من نظام مدني إلى نظام عسكري، يعني انتقالًا حقيقيًا في طبيعة الدولة، بل كان في كثير من الأحيان مجرد تبدل في النخب التي تدير البنية نفسها. وعليه، فإن حروب السودان لا يمكن فهمها بوصفها صراعات قبلية أو جهوية فحسب، وإنما بوصفها نتيجة مباشرة لأزمة الدولة الوطنية. فحين تغيب العدالة في توزيع السلطة والثروة، ويضعف الشعور بالمواطنة، وتُستخدم الهوية أداةً للتعبئة السياسية، يصبح العنف وسيلةً للتفاوض، وتتحول الحرب إلى امتداد للسياسة بوسائل أكثر قسوة. ويؤكد التاريخ السوداني أن السلام لا يُصنع بالاتفاقيات وحدها، ولا بالقوة العسكرية وحدها، بل يبدأ بإعادة تعريف الدولة نفسها. فالدولة التي وُلدت في ظل الاستعمار، ثم ورثتها نخب أعادت إنتاج منطقه المركزي، لا يمكن أن تؤسس سلامًا دائمًا ما لم تُبنَ على أسس المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة في توزيع السلطة والثروة، والاعتراف بالتنوع بوصفه ركيزةً للوحدة لا تهديدًا لها.
لقد انتهت كثير من الحروب في العالم عندما نجحت الدول في إصلاح بنيتها السياسية، لا عندما انتصر طرف على آخر. والسودان ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فالحرب قد تتوقف، لكن أسبابها ستظل كامنة ما دامت الدولة تعيد إنتاج الأزمات نفسها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد : كيف نوقف الحرب ؟ بل أصبح : كيف نبني دولة لا تحتاج إلى حرب جديدة لكي تعيد اكتشاف أخطائها ؟ إن وقف الحرب لا يتحقق بمجرد إسكات صوت البنادق أو توقيع اتفاق سياسي، وإنما بإزالة الأسباب التي جعلت اللجوء إلى السلاح ممكنًا ومغريًا منذ البداية. ويتطلب ذلك بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وحياد المؤسسة العسكرية، وعدالة توزيع السلطة والثروة، وإدارة التنوع بوصفه مصدر قوة لا سببًا للصراع، إضافة إلى ترسيخ نظام ديمقراطي يضمن التداول السلمي للسلطة ويمنع احتكارها. أما بناء دولة لا تعود إلى الحرب كلما اختلفت نخبها، فلا يكون إلا بإعادة تأسيس العقد الاجتماعي على أسس جديدة تعترف بالتعدد الثقافي والإثني والديني، وتفصل بين الدولة والانتماءات الضيقة، وتجعل الولاء للدستور والمؤسسات لا للأشخاص أو الأحزاب أو القبائل. كما يقتضي ذلك مراجعة التجربة الوطنية بشجاعة، والاعتراف بالأخطاء التاريخية دون إنكار أو انتقام، لأن الأمم التي ترفض مواجهة ماضيها تظل أسيرة له . إن مستقبل السودان لن تصنعه التسويات المؤقتة، ولا الانتصار بالسلاح، بل ستصنعه إرادة وطنية تؤمن بأن الدولة ليست غنيمة، وأن السلطة ليست غاية، وأن الوطن أكبر من جميع المتنافسين عليه. وعندما تتحول هذه القناعة إلى مؤسسات وقوانين وثقافة عامة، تصبح الحرب استثناءً عابرًا لا قدرًا يتكرر مع كل جيل .
|
|