ما الذي تحرسه المحرمات؟ (الجزء الثالث) الحرية ليست بديلاً عن الضمير كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

ما الذي تحرسه المحرمات؟ (الجزء الثالث) الحرية ليست بديلاً عن الضمير كتبه دكتور الوليد آدم مادبو


07-21-2026, 12:57 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1784635053&rn=0


Post: #1
Title: ما الذي تحرسه المحرمات؟ (الجزء الثالث) الحرية ليست بديلاً عن الضمير كتبه دكتور الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 07-21-2026, 12:57 PM

12:57 PM July, 21 2026

سودانيز اون لاين
الوليد ادم مادبو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر







قد يبدو مما سبق أن الحل يكمن ببساطة في تقليص القيود الأخلاقية، وأن التحرر من المنظومات التقليدية كفيل بتخفيف التوتر الذي يولده الكبت. غير أن هذه النتيجة لا تصمد طويلاً أمام التجربة الغربية نفسها، التي تكشف أن الحرية لا تُلغي الإحباط، بل قد تعيد إنتاجه في صورة مختلفة.

وهنا يستحق ميشيل ويلبيك أن يُقرأ بعناية؛ فهو يرى أن التحرر الجنسي لم يُنهِ التفاوت بين البشر، وإنما نقل المنافسة من مجال إلى آخر. فبعد أن كان الزواج، في المجتمعات التقليدية، محكوماً بمنظومة من الاعتبارات الأسرية والاجتماعية، أصبحت الرغبة نفسها سوقاً مفتوحة، تحكمها معايير الجاذبية الجسدية والمكانة الاجتماعية والقدرة على المنافسة. وفي هذا السوق الجديد يوجد رابحون وخاسرون أيضاً، بل إن بعض الخاسرين يشعرون بمرارة أشد، لأن السوق الليبرالية لا تعد أحداً بفرصة عادلة، ولا تمنح الجميع أملاً متساوياً كما كانت تفعل المنظومات التقليدية، على الأقل في صورتها النظرية.

ويضيف دوني دو روجمون، في كتابه الحب في الغرب، ملاحظة لا تقل أهمية. فهو يبين أن المثال الرومانسي الذي تحتفي به الثقافة الغربية لم يولد من التحرر الكامل، بل من التمرد على النظام الاجتماعي القائم. فمن أسطورة تريستان وإيزولده إلى الأدب الرومانسي الحديث، ظل الحب يُقدَّم بوصفه رغبة في المستحيل أكثر منه مشروعاً لبناء حياة مستقرة. وبذلك أصبحت الحرية الرومانسية نفسها تحمل بنية شبه دينية؛ لها مثالها الأعلى، ومقدساتها، وخيباتها، وشعورها الخاص بالذنب حين يعجز الإنسان عن بلوغ “الحب الحقيقي” الذي وعدته به الثقافة.

ولا يعني ذلك أن التجربة الغربية فاشلة، كما لا يعني أن التجربة التقليدية ناجحة. وإنما يعني أن المشكلة أعمق من أن تُختزل في زيادة القيود أو رفعها، لأن الرغبة الإنسانية لا تكف عن إنتاج تحديات جديدة كلما تبدلت الشروط الاجتماعية.

مسألة القياس

وقبل أن نقارن بين المجتمعات “المتدينة” و”المتحررة” في معدلات التحرش، ينبغي أن نعترف بأن المقارنة نفسها ليست بالبساطة التي تبدو عليها. فتعريف التحرش يختلف من ثقافة إلى أخرى، وثقافة الإبلاغ عنه تختلف اختلافاً أكبر. فقد يبدو مجتمع أكثر أمناً لأنه لا يعترف ببعض الممارسات بوصفها تحرشاً، أو لأن الضحايا يترددون في الإبلاغ عنها خشية الوصمة الاجتماعية. وفي المقابل، قد ترتفع معدلات البلاغات في مجتمع آخر لا لأن الظاهرة أكثر انتشاراً، بل لأن الوعي القانوني والاجتماعي بها أصبح أعلى.

وهذا لا ينفي أن ظاهرة التحرش في بعض المجتمعات، ومنها مصر وأفغانستان، موثقة في دراسات واستطلاعات عديدة، ولا يهوّن من خطورتها. لكنه يحذر من القفز مباشرة إلى استنتاج أن التدين المعلن هو سببها، أو أن التحرر وحده كفيل بمعالجتها. فالتفسير العلمي يقتضي التمييز بين الوقائع، وآليات قياسها، والعوامل التي تسهم في إنتاجها.

أين يلتقي الفيلسوف والمربي والفقيه؟

ولعل الفيلسوف والمربي والفقيه المخلص يلتقون، رغم اختلاف منطلقاتهم، عند حقيقة واحدة: أن الفضيلة التي لا تتحول إلى قناعة داخلية لا تصمد طويلاً أمام اختبار الواقع.

فالمربي يرى أن الأخلاق لا تُغرس بالحفظ وحده، وإنما بالحوار والتفكير النقدي، حتى تصبح القاعدة الأخلاقية مفهومة قبل أن تكون محفوظة. والفيلسوف يذكرنا بأن القيمة لا تكتسب إلزامها الحقيقي إلا عندما تتبناها الذات عن وعي، لا عندما تُفرض عليها من الخارج. أما الفقيه المخلص، الذي يميز بين جوهر الدين وطرائق تبليغه، فيدرك أن القرآن لم يقتصر على النهي عن الزنا، بل سبق ذلك بالأمر بغض البصر، والدعوة إلى العفة، والحث على تيسير الزواج، أي إنه قدم منظومة متكاملة لتربية الإنسان، لا مجرد قائمة من المحظورات.

ولهذا فإن اختزال الدين في الأوامر والنواهي، أو اختزال التربية في الطاعة، لا يظلم الإنسان وحده، بل يظلم الدين نفسه، لأنه يحول رسالة بناء الضمير إلى مجرد نظام للمراقبة والعقاب.

القانون حارسٌ للضمير

ولعل الخطأ الأكبر في هذا الجدل أنه يضع القانون والحرية في مواجهة مباشرة، وكأن أحدهما يغني عن الآخر. والحقيقة أن القانون لا يصنع الضمير، كما أن الحرية لا تخلق الفضيلة من تلقاء نفسها. وما يصنع الإنسان الأخلاقي هو التربية التي تنقل القيمة من كونها أمراً خارجياً إلى كونها قناعة داخلية.

وعندما يترسخ الضمير، يستعيد القانون وظيفته الطبيعية؛ فهو لا يعود بديلاً عن الأخلاق، بل يصبح حارساً لها. إنه يحمي المجال العام من الانتهاك، ويصون حقوق الناس، لكنه لا يستطيع أن يزرع في النفوس ما لم تزرعه التربية. أما إذا غاب الضمير، فلن تفلح أشد القوانين صرامة في القضاء على الازدواجية، كما أن أوسع الحريات لن تنتج مجتمعاً أكثر فضيلة.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: أيهما أصلح، القانون أم الحرية؟ بل: كيف نصنع إنساناً يختار الخير لأنه اقتنع به، لا لأنه يخشى العقوبة أو يطمع في الثواب؟

ذلك هو السؤال الذي يسبق السياسة، ويسبق التشريع، بل ويسبق الوعظ نفسه. فإذا أُحسن الجواب عنه، أصبح القانون حارساً للضمير لا بديلاً عنه؛ وإذا أُهمل، بقي الإنسان معلقاً بين خطاب أخلاقي لا يعيش تفاصيله، وواقع لا يجد الأدوات الفكرية والأخلاقية لفهمه والتصالح معه.