Post: #1
Title: الكائن السياسي السوداني- الحلقة المفقودة في مشروع الإصلاح الوطني#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 07-20-2026, 03:20 AM
03:20 AM July, 19 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
حوار معرفي مع أطروحة الدكتور أيمن بشرى
هناك كتابات تُقرأ ثم تُطوى صفحاتها، وكتابات أخرى تفتح أبواباً جديدة للتفكير , ومقال الدكتور أيمن بشرى حول «إصلاح الكائن السياسي» ينتمي إلى النوع الثاني؛ لأنه لم يكتفِ بتشخيص جانب من الأزمة السياسية السودانية، وإنما دعا إلى إعادة النظر في تأهيل الفاعل السياسي، في وقت انشغل فيه معظم النقاش العام بإصلاح المؤسسة العسكرية أو إعادة ترتيب السلطة بعد الحرب ولذلك فإن أول ما ينبغي قوله هو الشكر والتقدير للدكتور أيمن، ليس فقط على اجتهاده الفكري، وإنما على انشغاله الصادق بمستقبل السودان، وعلى شجاعته في الانتقال بالنقاش من الأسئلة اليومية إلى الأسئلة البنيوية التي تحدد مصير الدولة. كما أتقدم إليه بخالص الامتنان لحسن ظنه بي، وللدعوة الكريمة التي وجهها للمشاركة في تطوير هذه الفكرة، وهي دعوة أعتبرها مسؤولية معرفية قبل أن تكون مجاملة شخصية
وأعتقد أن هذه المبادرة يمكن أن تتجاوز حدود المقالات والحوارات، لتصبح مشروعاً وطنياً يؤسس لحقل معرفي جديد في الفكر السياسي السوداني المعاصر؛ حقل ينشغل بدراسة الكائن السياسي السوداني، وكيف يتكون، وكيف يعيد إنتاج نفسه، وكيف يمكن إعادة بنائه ليصبح قادراً على قيادة دولة حديثة غير أنني أرى أن النقاش يجب أن ينتقل خطوة أبعد , فالمسألة ليست فقط في تأهيل السياسي، وإنما في إعادة بناء الإنسان السياسي نفسه
لقد ظللنا، منذ الاستقلال، نناقش إصلاح الدستور، وإصلاح الأحزاب، وإصلاح الخدمة المدنية، وإصلاح المؤسسة العسكرية، وإصلاح الاقتصاد، لكننا أغفلنا السؤال الذي يسبق هذه جميعاً _ من هو الإنسان الذي سيدير هذه المؤسسات بعد إصلاحها؟
ذلك أن المؤسسات، مهما بلغت جودة تصميمها، لا تعمل في الفراغ، وإنما تعمل من خلال بشر يحملون منظومات معرفية وقيمية ونفسية وثقافية محددة. فإذا بقي الإنسان السياسي أسيراً للولاءات الضيقة، ولثقافة الغلبة، وللوعي القصير المدى، فإن أفضل الدساتير يمكن أن تتحول إلى نصوص معطلة، وأفضل المؤسسات إلى أدوات لإعادة إنتاج الأزمة.
إن الأزمة السودانية، في جوهرها، ليست أزمة مؤسسات فقط، ولا أزمة قوانين فحسب، بل هي أيضاً أزمة تكوين سياسي فنحن لا نعاني فقط من ضعف الأحزاب أو هشاشة الدولة، وإنما من عجز تاريخي في إنتاج رجل الدولة؛ ذلك السياسي الذي يمتلك المعرفة، والرؤية، والخيال الاستراتيجي، والالتزام الأخلاقي، والقدرة على بناء التوافقات الوطنية وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً من كل الأسئلة السابقة - كيف يتكون الكائن السياسي السوداني؟ إن السياسي لا يولد يوم يفوز في الانتخابات، ولا يوم ينضم إلى حزب سياسي، بل يتشكل عبر رحلة طويلة تبدأ داخل الأسرة، ثم المدرسة، والجامعة، ودور العبادة، والحي، والقبيلة، والإعلام، وفضاءات التواصل الاجتماعي، وتجارب الحرب والسلم هذه المؤسسات، مجتمعة، هي التي تصنع تصوراته عن السلطة، والدولة، والمواطنة، والاختلاف، والعنف، والقيادة
ولهذا فإن أي مشروع للإصلاح السياسي لا يجيب عن سؤال كيف يُصنع السياسي؟ سيظل مشروعاً جزئياً، مهما بلغت جودة برامجه التدريبية ومن هنا أقترح الانتقال من فكرة تأهيل السياسي إلى مشروع أشمل هو بناء الإنسان السياسي. وهذا المشروع لا يقوم على الدورات التدريبية وحدها، وإنما على إعادة بناء خمس منظومات متكاملة - وهي كما اري المنظومة المعرفية، التي تمنح السياسي فهماً عميقاً للتاريخ السوداني، والدولة، والقانون، والاقتصاد، والعلاقات الدولية المنظومة الأخلاقية، التي تجعل السياسة خدمة للصالح العام لا وسيلة للغلبة أو الامتياز المنظومة النفسية، التي تنمي القدرة على إدارة الاختلاف، وضبط الانفعالات، والتفاوض، والاعتراف بالآخر المنظومة الثقافية، التي تنقل السياسي من ثقافة الولاء الضيق إلى ثقافة المواطنة الجامعة المنظومة الاستراتيجية، التي تؤهله للتفكير في المستقبل، وبناء السياسات العامة، واستشراف التحولات، بدلاً من إدارة الأزمات يوماً بيوم
لكن المشروع لا ينبغي أن يقف عند حدود الفرد، بل يحتاج إلى مؤسسة وطنية مستقلة تتولى إنتاج هذا الحقل المعرفي و ليس مجرد مركز للتدريب، وإنما مؤسسة بحثية تدرس تكوين النخب السياسية، وتطور مناهج لبناء رجل الدولة، وتنتج مؤشرات لقياس الأداء السياسي، وتربط الفكر بالممارسة، والجامعة بالحياة العامة، والخبرة المحلية بالتجارب الإنسانية المقارنة
إن السودان، بعد كل ما عاشه من حروب وانقسامات، لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار المدن، بل إلى إعادة إعمار العقل السياسي. فالحروب تدمر البنية التحتية، أما العقول غير المؤهلة فتدمر المستقبل
ولهذا فإن الرهان الحقيقي ليس على إنتاج سياسي أكثر مهارة في الخطابة أو التفاوض، وإنما على إنتاج رجل دولة يمتلك المعرفة التي تؤطر مشروعه السياسي، والقيم التي تضبط ممارسته، والرؤية التي تجعله يبني التحالفات على أساس البرامج لا المصالح العابرة، ويقود المؤسسات بروح الدولة لا بمنطق الجماعة
إن الحوار الذي فتحه الدكتور أيمن بشرى يمثل فرصة نادرة لإطلاق نقاش وطني حول الحلقة المفقودة في مشروع الإصلاح السوداني وإذا نجح هذا الحوار في التحول إلى مشروع معرفي جماعي، فإنه لن يضيف برنامجاً تدريبياً جديداً، بل قد يؤسس لأول مرة لنظرية سودانية في بناء الكائن السياسي، وهي نظرية نحتاج إليها بقدر حاجتنا إلى السلام، لأن الدول لا تبنى بالمؤسسات وحدها، وإنما تبنى أولاً بالإنسان القادر على إدارتها.
|
|