Post: #1
Title: حين يصبح المأزق هو الراحة: تأملات في لحظة سودانية فارقة كتبه د. علي عبدالله الخليفة طه
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 07-20-2026, 01:16 AM
01:16 AM July, 19 2026 سودانيز اون لاين د. علي عبدالله الخليفة طه-UK مكتبتى رابط مختصر
أولًا: تشخيص المأزق قبل البحث عن المخرج
ثمة فارق جوهري بين الأزمة والمأزق. الأزمة حالة طارئة تستدعي الفعل العاجل لأن أطرافها يدركون أنها عابرة وقابلة للحل. أما المأزق فحالة تتسرب إليها صفة الديمومة حتى يألفها أهلها، بل قد يستمدون منها هويةً وموقعًا في الخطاب العام. والمتأمل في المشهد السوداني اليوم يخشى أن نكون قد تجاوزنا عتبة الأزمة إلى رحابة المأزق المريحة، حيث يجد كل طرف في استمرار الحرب تبريرًا لموقفه، وفي استمرار الانقسام راحةً من عبء البحث عن حلول تتطلب تنازلًا حقيقيًا. تكفي متابعة أي نقاش عابر على منصات التواصل حول "من بدأ" أو "من الخائن" لترى المأزق في صورته الحية: سؤال يتكرر يوميًا منذ أشهر، لا لأن الإجابة غامضة، بل لأن طرح السؤال نفسه صار أريح من الإجابة عنه. والمفارقة المؤلمة أن حجم الكارثة ، في أرقام النزوح، وانهيار المنظومة الصحية، والمجاعة الزاحفة، وتفكك النسيج الاجتماعي ، يفوق بمراحل ما تستوعبه الخطابات السائدة على المنصات. فالوسائط، التي كان يُفترض أن تكون مرآة للوعي الجمعي، تحوّلت إلى ساحة لإعادة إنتاج الانقسام نفسه الذي أنتج الحرب: كل طرف يخاطب جمهوره المحصَّن مسبقًا، ويُقصي الآخر بدل أن يحاوره. هذا الانفصال بين الوعي والواقع هو جوهر المأزق، واليأس نفسه أصبح عند البعض موقفًا أخلاقيًا مريحًا، يُعفي صاحبه من مسؤولية التفكير ويمنحه شرعية الانسحاب بحجة استحالة التغيير. التشخيص إذن ليس نقص الحلول، بل غياب البنية التي تجعل الحلول ممكنة الحدوث. وهذا بالضبط ما حاول "ميثاق النجاة وبناء الدولة" أن يجيب عنه: ليس بوصفه مجرد وثيقة مطالب، بل عمارة مؤسسية متكاملة تنطلق من فكرة أن الشرعية الحقيقية تُبنى صعودًا من الأطراف إلى المركز لا هبوطًا من تفاهمات النخب. وما يلي محاولة لقراءة اللحظة الراهنة عبر ثلاثة محاور، مستندة إلى هذه البنية، لا كشعارات بل كمسارات قابلة للتنفيذ.
ثانيًا: فصل سؤال العدالة عن سؤال السلام ، زمنيًا لا قيميًا
أحد أعمق جذور الجمود الحالي هو خلط رتبتين مختلفتين: الرتبة القيمية، التي تقول إن العدالة لا تُساوَم عليها، والرتبة الزمنية، التي تسأل متى وكيف تتحقق. حين يُختزل الخلاف في "هل العدالة أهم من السلام؟" يصبح الجواب محسومًا سلفًا عند الجميع، نعم، العدالة أهم. لكن هذا لا يجيب عن السؤال العملي: هل يمكن تحقيق عدالة حقيقية في غياب دولة قادرة على إنفاذها؟ هنا يصبح الاستلهام من تجارب العدالة الانتقالية المقارنة ضروريًا، لا كنموذج يُستنسخ، بل كأفق يُستأنس به. جنوب أفريقيا قدّمت نموذج "العدالة التصالحية" حيث سبقت آليات الحقيقة (لجنة الحقيقة والمصالحة) أي محاسبة جنائية شاملة، مقابل اعتراف كامل وعلني بالجرائم. كولومبيا، في اتفاق 2016 مع القوات المسلحة الثورية، صاغت نظام "العدالة الخاصة للسلام" الذي قبل عقوبات تصالحية مخفّفة مقابل وقف الحرب والكشف الكامل عن الحقيقة. سيراليون مزجت بين محكمة خاصة ولجنة حقيقة عملتا بالتوازي لا بالتعاقب. القاسم المشترك في هذه التجارب ليس التضحية بالعدالة، بل إعادة توزيعها زمنيًا عبر بنية متدرجة. وهذا بالضبط ما تقترحه البنية الثلاثية للعدالة الانتقالية في الميثاق: مجالس مصالحة محلية تُعالج الجرح الأهلي القريب من الناس بسرعة وبلا انتظار مركزي، ثم لجنة للحقيقة والتعويض توثّق وتُنصف على مستوى وطني، ثم غرفة قضائية للجرائم الكبرى تتفرغ للإبادة والجرائم ضد الإنسانية والعنف الجنسي الممنهج. هذا التدرج ليس حلًا توفيقيًا مصطنعًا بل هو عمليًا ما تحتاجه أي تهدئة لتصمد: تهدئة فورية + آلية توثيق وكشف حقيقة لا تتأخر + مسار محاسبة تراكمي يبدأ بالأشد جسامة ويتدرج. أي مبادرة تهدئة اليوم يجب أن تُلزم نفسها منذ اللحظة الأولى بهذا المسار الثلاثي، بحيث لا تضيع الأدلة ولا تُهدر فرصة المساءلة لاحقًا، والتوثيق الذي ينخرط فيه كثيرون اليوم من رصد للانتهاكات هو بالضبط الجسر الذي يحفظ شرط العدالة بينما يفسح المجال لإمكان السلام.
ثالثًا: من الشرعية النخبوية إلى الشرعية الصاعدة
تجربة صياغة "الحد الأدنى المشترك" بين الفصائل المدنية تكشف حقيقة مهمة: المشتركات موجودة فعلًا، لكنها تُصاغ وتُحفظ في غرف مغلقة، بينما يتشكل الوعي الجمعي في فضاء آخر تمامًا. فضاء الوسائط المفتوح، الذي يكافئ الاستقطاب ويعاقب التوافق. هذا هو بالضبط ما يحاول مبدأ "الشرعية الوظيفية الصاعدة" في الميثاق تصحيحه: أن تُبنى الشرعية من الأطراف إلى المركز لا من تفاهمات نخبوية تُصدَّر جاهزة إلى الناس، وأن يُمنح التمثيل الإقليمي والتوافق الموزون، عبر ما سماه الميثاق "الركن الرابع"، وزنًا فعليًا في صناعة القرار لا دورًا استشاريًا شكليًا. هذا يستدعي مسارين عمليين متكاملين. الأول: بناء قناة وسيطة متخصصة — منصة أو سلسلة منشورات أو مبادرة إعلامية محدودة النطاق لكن عالية الجودة، تترجم لغة المواثيق السياسية إلى لغة قريبة من هموم الناس اليومية: الأمن، الخبز، الدواء، عودة النازحين. ففي تونس، نجحت آلية "الحوار الوطني" (الحائزة جائزة نوبل للسلام 2015) جزئيًا لأنها أشركت نقابات ومنظمات أعمال وحقوقيين لا الأحزاب السياسية فقط، فحملت مصداقية اجتماعية تفتقدها الاتفاقات النخبوية الصرفة. والثاني: قنوات بديلة لقياس واستحضار صوت الأغلبية الصامتة ، النازح الذي لا وقت لديه لمتابعة جدل المنصات، الموظف الذي فقد راتبه، الأم التي تبحث عن دواء طفلها. استطلاعات ميدانية مبسطة عبر الشبكات المجتمعية والمساجد والكنائس والإدارات الأهلية، وتوثيق شفهي لروايات النازحين، يمنحان مصدر شرعية بديلًا عن "تمثيل" الفصائل المتحاربة لإرادة الشعب. وهذا هو بالضبط الدور المتصوَّر لـ"النفير الوطني الكبير" في الميثاق: ليس حدثًا احتفاليًا واحدًا، بل الأداة الشعبية التي تُترجم الشرعية الصاعدة إلى فعل منظم وممتد على الأرض، وتحوّل صوت الصامتين من بيانات متناثرة إلى قوة ضغط سياسي فعلية. فحين تُظهر بيانات موثقة أن الأغلبية الساحقة ترفض استمرار الحرب أيًا كان الفريق "المنتصر"، يصبح من الصعب على أي طرف أن يدّعي تمثيله الحصري لإرادة شعبية يستخدمها كغطاء لاستمرار القتال.
رابعًا: خطاب العار من الاستمرار لا الفخر بالموقف
ما دام كل طرف يرى في تشدده شرفًا وفي صموده فضيلة، فلن يتزحزح أحد طوعًا. هذا يستدعي نوعًا مختلفًا من الكتابة النقدية، لا كتابة تحريضية تغذي الاستقطاب، ولا كتابة محايدة تتهرب من الحكم، بل كتابة تُحرج. تُسمي الأشياء بأسمائها، وتُعري الخطاب الذي يُجمّل استمرار الحرب بلغة المبدأ أو السيادة أو الكرامة الوطنية، بينما ثمنه الفعلي أرواح وأشلاء ومجاعة. هذا النقد الجريء هو بالضبط الأداة المطلوبة على نطاق أوسع: خطاب يكسر الرومانسية المرافقة لكل طرف عن نفسه، ويعيد تعريف "البطولة" بوصفها القدرة على وقف القتل لا الاستمرار فيه. هذا الخطاب لن يُحدث تحولًا فوريًا، لكنه يبدأ بتآكل الشرعية الأخلاقية التي يتغذى عليها استمرار الحرب في الخطاب العام، وهي معركة بطيئة لكنها ضرورية موازية لأي مسار تفاوضي.
خاتمة: الاحتياج المتبادل كموقف لا الاكتفاء الزائف
جذر المأزق، في نهاية التحليل، هو زعم كل طرف أنه مكتفٍ بذاته: يملك وحده الحل والحسم والتمثيل الكامل، ولا حاجة به إلى غيره. وهذا الزعم نفسه هو ما يمنع أي طرف من مد يده لبناء مشترك حقيقي، لأن الاعتراف بالحاجة إلى الآخر يُقرأ عنده ضعفًا لا واقعية. والحقيقة معكوسة تمامًا: لا طرف في هذا الصراع قادر بمفرده على إعادة بناء الدولة أو استعادة السلم الأهلي أو ضمان العدالة، فكل طرف محتاج فعليًا إلى غيره ، النخبة محتاجة إلى الأطراف لتكتسب شرعيتها، والسياسي محتاج إلى صوت الصامت ليعرف ما يمثّله فعلًا، وكل فصيل محتاج إلى خصمه ليصبح أي اتفاق قابلًا للصمود. الإقرار بهذا الاحتياج المتبادل ليس تنازلًا يُنتزع كرهًا، بل هو الشرط الأول والواقعي لأي بناء فعلي. فالمعجزة المرجوة ليست حدثًا خارقًا ينتظره الناس بسلبية، بل هي بالضبط ما يمارسه من يكتب رغم اليأس، ويوثّق رغم غياب المحاسبة الفورية، وينظّم رغم الانقسام، ويبني فضاءً صغيرًا صادقًا رغم انهيار الكبير. الاستيقاظ الجمعي، إن جاء، لن يأتي دفعة واحدة من فوق، بل يتراكم من شبكة أفعال فردية وجماعية صغيرة تصرّ على رفض المأزق بوصفه قدرًا محتومًا. هذا الرفض ليس مطلبًا نظريًا معلَّقًا، بل مسار عمل يبدأ اليوم: بالتوثيق، وبالحوار الموسَّع، وبالكتابة التي تُحرج الصمت. من أراد فعلًا أن ينقذ هذا البلد، فليبدأ من هنا.
|
|