Post: #1
Title: صدى الشمسِ المنهوبة: في حكايةِ الضياءِ وحقوقِ الأوطان كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 07-20-2026, 01:05 AM
01:05 AM July, 19 2026 سودانيز اون لاين يحيى ابنعوف-كندا مكتبتى رابط مختصر
وسيمفونيةِ الدولةِ السودانية، يُفترضُ أن يكونَ المواطنُ هو "اللحنَ الأسمى" الذي تُصاغُ لأجلهِ القوانينُ وتُبنى عليه السياسات. لكننا حين ننظرُ إلى حالِ بلادنا اليوم، نجدُ أنفسنا أمام "نشازٍ" إداريٍ يبعثُ على الأسى؛ حيثُ تمدُّ الدولةُ يدَها إلى المواطنِ لتقتطعَ من "نورِ شمسهِ" ضريبةً، في مفارقةٍ تجعلُ العقلَ يقفُ حائراً بين السخريةِ والألم. العقدُ الاجتماعيُّ: ضريبةٌ أم أتاوة؟ إنَّ جوهرَ "الدولة المحترمة" في عرفِ التاريخِ والحضارةِ هو ذلك العقدُ الاجتماعيُّ الضمني؛ حيثُ يدفعُ المواطنُ الضريبةَ عن طيبِ خاطرٍ، لا بوصفِها غرامةً، بل بوصفِها ثمناً لخدماتٍ تضمنُ كرامتَه. في تلك الدول، يرى المواطنُ ضريبتَه في شبكةِ كهرباءٍ لا تنقطع، وفي مياهٍ صافيةٍ تصلُ إلى بيته، وفي تعليمٍ يفتحُ آفاقَ المستقبلِ لأبنائهِ، وفي علاجٍ يحفظُ النفسَ من الهلاكِ، وفي طرقٍ ممهدةٍ تيسرُ سبلَ العيش، وفي مرافقَ صحيةٍ لا تعرفُ المحسوبيةَ أو الجفاء. فإذا غابت هذه الخدمات، واضطرَّ المواطنُ أن يحفرَ بئرَهُ بيده، وأن يشتريَ مولداتِ الضياءِ بمالِه، وأن يُعلّمَ صغارهُ بمدخراتِ عمرِه، وأن يشتريَ الدواءَ من مالهِ الخاص، فبأيِّ حقٍّ تطلبُ الدولةُ ضريبةً؟ إنَّ المطالبةَ بضريبةٍ بلا خدمةٍ تُعدُّ خروجاً على منطقِ الدولةِ، وتحولاً خطيراً من "مؤسسةٍ خدميةٍ" إلى "جهازِ جبايةٍ" لا يرى في المواطنِ إلا وعاءً يستحقُ التفريغَ. الطاقةُ الشمسيةُ.. حين يغيبُ الرشد إنَّ فرضَ ضريبةٍ على "الطاقة الشمسية" ليس مجردَ إجراءٍ مالي، بل هو إعلانٌ صريحٌ عن إفلاسٍ في "الرؤيةِ التنموية". ففي الوقت الذي تبنت فيه الأممُ الحيةُ تجاربَ ملهمةً، كـ "نظام التعرفة التغذوية" في هولندا وألمانيا، حيثُ تُحفزُ الدولةُ مواطنيها على تركيبِ الألواحِ، بل وتشتري منهم "الفائضَ" من الضياءِ لتضيءَ به بيوتَ الآخرين، نجدُ مؤسساتنا تُعاقبُ من أرادَ النجاةَ بمالِه الخاص. هناك، يتحولُ المواطنُ إلى "منتجٍ" يُثري الوطن، وهنا، يُعاملُ كـ "مستهلكٍ" يجبُ حصارُه. أين تذهبُ أماناتُ الأرض؟ تتوارى خلفَ هذا القرارِ تساؤلاتٌ كبرى تئنُّ تحتَ وطأتِها الذاكرةُ الوطنية. فأين ذهبت عوائدُ الذهبِ المنسابِ من جوفِ أرضنا؟ وأين تبخرت ثرواتُ البترولِ التي كانَ مقدراً لها أن تُنيرَ ظلماتِ القرى وتُعبدَ طرقَ المستقبل؟ وأين ذهبت خيراتُ الزراعةِ الممتدةِ وثرواتُنا الحيوانيةُ التي تفيضُ بها سهولُنا؟ إنَّ المواطنَ السوداني، الذي باتَ "دولةً مصغرةً" توفرُ لنفسِها كلَّ شيء، يسألُ اليومَ بمرارة: ماذا قدمت مؤسساتُ الدولةِ لتستحقَ أن تمدَّ يدها إلى جيبِ المقهورِ؟ إنَّ التناقضَ هنا صارخ؛ فالدولةُ التي تعجزُ عن توفيرِ أدنى مقوماتِ الحياةِ لمواطنٍ يهربُ من ويلاتِ الحربِ والتشرد، تختارُ أن تلاحقَه في "بصيصِ نورِ شمسه". خاتمةٌ في ميزانِ التاريخ إنَّ التاريخَ لا يرحمُ الدولَ التي تقتاتُ على إحباطاتِ شعوبِها. إنَّ الرؤيةَ الوطنيةَ الحقة هي التي تضعُ "الإنسانَ" في المركز، وتجعلُ من مواردِ البلادِ – ذهباً كانت أو شمسًا – أداةً لرفعِ شأنهِ لا لكسرِ عزيمتِه. إننا لا نطالبُ بمعجزات، بل نطالبُ بـ "عدالةٍ" تليقُ بوطنٍ يملكُ الشمسَ والذهب، ونطالبُ بـ "منطقٍ" يرى في مبادرةِ المواطنِ للنجاةِ فخراً لا غنيمةً تُستباح. فالدولةُ التي تفرضُ ضريبةً على الشمسِ، هي دولةٌ تغيبُ شمسُها عن عقولِ القائمين على أمرِها، تاركةً المواطنَ في عتمةٍ، لا يُنيرُها إلا الأملُ في غدٍ يعيدُ للأرضِ ثرواتِها، وللإنسانِ كرامتَه.
|
|