اليسار القومي في السودان إلي أين؟ كتبه زين العابدين صالح عبد الرحمن

اليسار القومي في السودان إلي أين؟ كتبه زين العابدين صالح عبد الرحمن


07-18-2026, 10:18 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1784366337&rn=0


Post: #1
Title: اليسار القومي في السودان إلي أين؟ كتبه زين العابدين صالح عبد الرحمن
Author: زين العابدين صالح عبد الرحمن
Date: 07-18-2026, 10:18 AM

10:18 AM July, 18 2026

سودانيز اون لاين
زين العابدين صالح عبد الرحمن-استراليا
مكتبتى
رابط مختصر





عندما يتابع المرء خطاب اليسار القومي في السودان، و خاصة حزب "البعث الأصل" و يبحث عن المرجعية الفكرية التي يؤسس عليه النقد، لا يجد أن هناك مرجعية يمكن الوقوف عندها.. مثلا هناك الفلسفة الليبرالية و هناك الماركسة، و أصول الفقه بمرجعياته المختلفة القرآن و السن و الاجماع.. و هي الإشكالية التي لم يستطيع البعثيون تجاوزها في اجتهاداتهم الفكرية، لذلك ظلت مكان تأمل، و تحولت إلي صراعات فكرية.. في السبعينات حدث خلاف داخل الحزب و لكنه خلاف تركز على البناء التنظيمي، و مسؤوليات القيادات في العلاقة بين القياة القطرية و القومية في العراق.. لكن يظل السؤال الذي كان قد طرحه الدكتور محمد المهدى عقب انتصار ثورة الخميني في أيران، يشكل منعطفا مهما في التفكير.. حيث قال لماذا استطاع الفكر الإسلامي في سنين عديدة، أن يحدث تغييرا مهما في إيران و في المنطقة، بينما تقاعس الفكر القومي في ذلك و تراجع دوره بعد هزيمة 1967م أمام إسرائيل؟
المعضلة الأساسية عند الرفاق، إن فتح حوارات بالعمق الفكري في طرح تساؤلات، تجعل صاحبها أمام اتهامات تؤدي إلي الخروج من الحزب، و هي الإشكالية التي هرب منها العديد من المفكرين أمثال جورج حبش و جورج طرابيشي و برهان غليون و غيرهم.. و في السودان قد أدت إلي انشقاق عام 1977م في الحزب، و أخيرا كان خروج كل من محمد على جادين و عبد العزيز حسين الصاوي " محمد بشير" و محمد سيد احمد عتيق و يحي الحسين و محمد وداعة و غيرهم ثم لحق بهم الدكتور بكري خليل. و أيضا في الجانب التنظيمي كان خروج عدد من الرفاق منهم محمد شيخون و حسن كمال و آخرين.. إن هزيمة 1967م أمام إسرائيل، كانت قد طرحت العديد من التساؤلات حول النظم السياسية غير الديمقراطيةو هل كانت سببا في ذلك؟ و هي نظم شمولية تكونت في ظل نظم البعث في العراق و سوريا، و أيضا الناصرية في مصر.. و جميعهم تبنوا نظام دولة الحزب الواحد، دون أن يكون هناك نقد للإخفاقات التي واجهت هذه النظم.. و عندما جعل بعث العراق تحالفا مع قوى سياسية جعله تحالفا صوريا، كما فعلت الإنقاذ مع الأحزاب التي وافقت على مشاركتها السلطة.. أعطوا الوظائف و سحبوا منهم حق اتخاذ القرار...!
أن البعث في نضاله من أجل التغيير اعتمد شعار " وحدة حرية اشتراكية" و اعتبر القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للبعثين التي يجب أن تواجه فيها الأمة العربية القوى الإمبريالية، و في مقدمتها النظام الصهيوني في فلسطين.. حيث تعيد طرح الأسئلة من جديد، هل تظل فلسطين هي القضية المركزية الآن للأمة العربية؟ أم إن التوازنات السياسية في المنطقة قد جعلت هناك عددا من مركزيات متعددة حسب المصالح المختلفة للنظم السياسية؟ لماذا فشلت النظم البعثية في العراق و سوريا أن تقدم نماذج ديمقراطية و قيم عدلية تصبح جزءا من الثقافة الشعبية في المنطقة العربية؟ فالممارسات التي تم تطبيقها في دولتين كانت نظم شمولية بوليسية تضرر فيها شعبي البلدين.. و التجربة كانت ماثلة و للأسف لم تنقد..
إن بعض الأسئلة كانت قد طرحت داخل حزب البعث من قبل، و أدت إلي خروج كل من محمد على جادين و عبد العزيز حسين الصاوي و رفاقهم الذين كونوا فيما بعد " البعث السوداني" هؤلاء جعلوا قضية الديمقراطية في السودان هي القضية المركزية، و اعتبروا كل قطر له أولويات تواجه مجتمعه، هذه لا تقلل من السند الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية، لكن تظل قضية الديمقراطية في السودان مسألة في غاية الأهمية، لأنها تعتبر الطريق الذي تتاح فيه امساحة الحرية المطلوب للخلق و الإبداع، و الذي سوف يخلق وعيا جديدا في المجتمع يساعد على النهضة و التنمية في البلاد.
يشير عبد العزيز حسين الصاوي في كتابه " الديمقراطية المستحيلة" أن نمط اليسار الماركسي و القومي العربي كبناءات أيديولوجية، تظل متناقضة فكريا مع النظام الديمقراطي الليبرالي، و لذلك لم تستطيع أن تقدم أية إضافات تنظيمة، و لا فكرية لقضية الديمقراطية.. فنجد إن رصيد الثقافة الديمقراطية التي بدأت تراكماته تتآكل بصورة مستمرة بعد انقلاب عبود عام 1958م.. استمرت مع الانقلاب الثاني في 1969، حيث عجزت قوى اليسار التي قامت بانقلاب مايو 1969م، أن تقدم نموذجا ديمقراطيا في البلاد، بل سارت على ذات طريق الناصرية و البعث، في أن تؤسس دولة الحزب الواحد من خلال تكوين " الاتحاد الاشتراكي.. و الغريب في الأمر أن القوميين و خاصة البعثيين السودانيين تبنوا ذات منهج الانقلابات العسكرية في عملية التغيير.. حيث شاركوا في انقلاب مايو 1969م ثم أيدوا انقلاب هاشم العطا في 1971م حيث سقطت طائرة محمد سليمان الخليفة عضو قيادة حزب البعث.. ثم كانت محاولات عديدة، حيث كان أخرها محاولة 23 إبريل 1990م في رمضان.. هذه المحاولات العديدة، و تأييدهم للانقلابات تؤكد ضعف الفكر الليبرالي الديمقراطي عند البعثيين.. فالشعارات الديمقراطية التي يرفعونها غير مؤسسة على قاعدة فكرية أو حتى أيديولوجية.. إنما هي شعارات فقط للتعبئة و الحشد و لكنها خالية من المضامين التي تؤسس الوعي الديمقراطية عند العامة.. و من هنا يأتي الخلط بين المصطلحات المتناقضة، حيث يدعي العضو هو رجل ثوري و ديمقراطي في ذات الوقت.. و لا اعرف كيف يلتقي المصطلحان؟
إذا، عندما استمع لوجدي صالح و محمد حسن البوشي مع الاحترام لهما، تجد أن الحديث لا يقود إلي محصلة معرفية يمكن للمرء أن يتبين فيها المرجعية الفكرية للبعث، و التي يؤسس عليها البعث أطروحاته و تحليلاته للأحداث في البلاد.. هذا الفراغ و الضعف في الثقافة الديمقراطية، و غياب المرجعية الفكرية هو الذي يجعل الرفاق مهوسيين بإطلاق الشعارات و الاعتماد عليها، و يعتقدون أنها سوف تملأ الفراغ السياسي الذي يخلفونه.. لذلك إذا رجعنا للرفيقين المذكورين تجد أن حديثهم دائما يتركز على اتهامات و شكاوي.. فالحديث دون هدف نفسه يضعف الخطاب السياسي.. و كما قال الدكتور منصور خالد في كتابه " النخب و إدمان الفشل" ( عندما يضحى النقد لممارسات الأحزاب و اداء الأفراد و الجماعات رديفا للقذف و الإساءة ينتهي الأمر بالكثيرين إلي الإستكبار دون إعادة النظر في احكامهم الخاطئة و مراجعة مواقفهم) إن الخطاب السياسي للرفاق إذا فشل أن يكون مادة فكرية تخضع للشغل العقلي من خلال المراجعة و النقد تعزيزا للثقافة الديمقراطية تصبح الشعارات، المرفوعة خالية المضمون. و تهدم شعارات الديمقراطية التي يرفعونها، لأنها غير مؤسسة فكريا و لا معرفيا.. إن غياب المرجعية الفكرية توقع الرفاق في تناقضات في الخطاب و المواقف.. أن الحدة في الخطاب تؤكد الضعف الفكري و المعرفي.. نسأل الله حسن البصيرة..