حيوية الحياة في جودتها كتبه د. أمل الكردفاني

حيوية الحياة في جودتها كتبه د. أمل الكردفاني


07-18-2026, 10:17 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1784366242&rn=0


Post: #1
Title: حيوية الحياة في جودتها كتبه د. أمل الكردفاني
Author: أمل الكردفاني
Date: 07-18-2026, 10:17 AM

10:17 AM July, 18 2026

سودانيز اون لاين
أمل الكردفاني-القاهرة-مصر
مكتبتى
رابط مختصر







ما الذي حول طفلاً رقيقا مثل أدولف هتلر إلى وحش؟
كان هتلر طفلاً فناناً ورساماً بارعاً، ولو اطلعنا على أعماله لوجدناها نابعة من إحساس مرهف، وفي الوقت الذي نال فيها فنانون تافهون الشهرة بسبب علاقاتهم، كان انعدام علاقات هتلر هو سبب رفضه الالتحاق بأكاديمية الفنون الجميلة بفيينا. ماذا لو كان هتلر يملك (الواسطة) والتحق بالأكاديمية التي وصفته عند رفضها بأنه (منعدم الموهبة)؟
إن التساؤل حول ما إذا كان الشر هو الاصل في الإنسان أم الخير تساؤل ناريخي، لم يجد له إجابة حتى الآن. ولن نجد له إجابة لأن مصطلح (الأصالة) نفسه مصطلح فضفاض، ناهيك عن مصطلحي (الخير والشر). فما هو الخير وما هو الشر؟
لكننا نستطيع أن نربط المسألة بقضايا عديدة، مثل التكوين البيولوجي والميرفولوجي للإنسان، وبالثقافة العامة وبالدين وبالضمير، وبالنزعات الحيوانية الأساسية كنزعات البقاء وحفظ النوع وإشباع الرغبات الأولية كالاكل والشرب والجنس وخلافه.. يمكننا أن نضيف العديد من الروابط لمناقشة مسألة الخير والشر عند الإنسان مثل المنظومة السياسية والاقتصادية للمجتمعات، وبنية المؤسسات الاجتماعية كالاسرة والقبيلة، والبنية الأمنية، ومدى ما توفره من استقرار العاطفي ومالي وذهني...الخ.
لقد نشأ هتلر طفلاً بريئاً رقيقاً مرهف الحس، ولكنه كبر مع البالغين في أسرة عانت من عنف الأب، ومجتمع محمل بالنزعات العدائية، ومؤسسات فاسدة تنعدم فيها الشفافية والمساواة في الحقوق والواجبات، وتحددت فيها فرص الحياة الجيدة بحسب العلاقات، وغير ذلك مما حول هتلر من طفل رقيق لإنسان يُدخل الآخرين في أفران الحرق.. إنه تحول منطقي جداً، حكى لي أحد الأصدقاء كيف تعرض زميلهم في المدرسة للاغتصاب بشكل ممنهج، والآن أصبح ذلك الطفل مقاتلاً في داعش، يذبح الرؤوس. وهذا منطقي أيضاً، كم التقينا بأشخاص كانوا أبرياء وحولهم الأشرار إلى أشخاص أشرار. لذلك قال سارتر: (الآخرون هم الجحيم).
يفتقر الإنسان إلى الذكاء العاطفي مما يجعله غير عادل عندما يكون هو الطرف الأقوى، على سبيل المثال، قبل يومين حجزت في فندق ودفعت المبلغ، وعندما وصلت قال موظف الاستقبال بأنه لا توجد غرف، ورفض حتى التحقق من تاكيد حجزي، ولكن عندما قدمت شكوى لوزارة السياحة، ارتعب الموظف، وارتعبت الادارة، بالرغم من استمرار رفضهم لحل المشكلة بشكل جذري، وهنا تساءلت: لماذا لم تحاول إدارة الفندق حل المشكلة ببساطة قبل تقديم الشكوى، رغم أنني طلبت فقط إما توفير الغرف او ارجاع المال؟ ولماذا يضطر الانسان إلى تصعيد المشاكل إلى السلطات باستمرار، وبالتالي تضييع الوقت والجهد بل والضغط النفسي في مثل هذه المسائل؟ والسؤال الأهم: ماذا لو لم تكن هناك سلطة تفرض القانون؟
بل ماذا لو لم يكن هناك قانون؟
فهل الأصل في الإنسان الشر أم الخير؟
هناك أشخاص مهووسون بالشر، بالعداء، بالكيد والدسائس، ببناء تحالفات للقضاء على الآخرين، بل حتى باللجوء إلى السحرة والمشعوذين.. وكل هذا يؤسس لملايين من هتلر، بل أسوأ من هتلر، لأن المجتمعات البشرية تنهار فيها المروءة، ويتمحور فيها الإنسان حول نفسه ومصالحه، وينشأ الطفل بمساعدة أبويه وهو يسن سكاكينه ويصنع أسلحته لمواجهة الحياة، وهو بالتالي يساهم في ضعف حيوية وجودة الحياة، لذلك فإن الله حين عاقب قوم لوط لم يعاقبهم على شذوذهم بل على عدوانهم على الآخرين، وهم يتعرضون لضيوف النبي لوط. هذا العدوان شر محض، استحقوا عليه عقاباً محضاً لا تفريد فيه للعقاب.
لو تأملنا القيم الدينية في أغلب الديانات سنجدها تؤسس لحيوية الحياة وجودتها عبر معايير الذكاء العاطفي من جهة والنزاهة من جهة أخرى. وهي بالتالي لا تعتمد فقط على العقاب الدنيوي، بل تحسين عمل الضمير الداخلي للإنسان. مع ذلك فكل هذه الأدوات سواء القانونية أو غير القانونية فشلت في تحقيق جودة الحياة. ولذلك نزع بعض البشر إلى العودة إلى الحياة البدائية المؤسسة على الاكتفاء الذاتي وفلسفة الاعتزال.
لكن حتى فلسفة الاعتزال (والتي تقتل الطموح) سواء تجسدت في كونها رهبنة أو زهد أو مجرد فلسفة عقلية، لا يمكنها أن تجد بيئة مناسبة للتطبيق. وذلك لأننا في عالم لا يتيح للبشر القدرة على تجنب الاحتكاك بالبشر الآخرين، فهناك مؤسسات وقوانين وهناك حروب، وهناك عنف وتدخل في كل جوانب حياتنا كأفراد.. فلا يمكن أن ينعزل الإنسان وتعتبر عزلته حياة حقيقية. لذلك كان المعلم الثالث (مسكويه) من أشد الرافضين لفلسفة الاعتزال.
"يأتـِك الشر الإنساني من حيث لا تحتسب.."
هذه قاعدة جعلت من الإنسان أكثر الكائنات خبرة في (إدارة المخاطر). وتمحورت حياة الإنسان في حل المشكلات المستمرة بدلاً عن الاستمتاع بالحياة في عمره القصير استمتاعا مشروعاً. ويعد المال من أهم أسلحة الإنسان لحل المشكلات، رغم أن جمع المال نفسه يفضي إلى وضع الإنسان في مواجهات مستمرة مع بقية البشر ويرفع درجة المخاطر، كذلك أصبح بناء العلاقات وربطها بمصالح مشتركة من أهم أسلحة الإنسان للإفلات من المخاطر. وأصبح اللجوء إلى القانون أكثر خطراً من عدم اللجوء إليه، لذلك ظل الفقه القانوني يرى أن أكثر من يستفيد من القضاء هم الأغنياء، لأن الغني يستطيع أن يوكل عشرات المحامين، في المقابل فإن العامل الضعيف لا يستطيع توكيل محامٍـ واحد وعندما توفر له الدولة محامياً مجانياً فإن هذا الأخير إما أن يكون ضعيف القدرات أو غير مكترث بالدفاع عن موكله دفاعاً حقيقياً.
فحتى العدالة ليست في الواقع مستقيمة كل الاستقام. بل أن تأخرها في حسم القضايا يرتب أضراراً بالغة على الخصم الضعيف، كالمرأة في قضايا الطلاق والنفقات وقضايا العمال وخلافه، لذلك جاء في الحِكَم الرومانية القديمة أن العدالة البطيئة ظلم سريع".
مع ذلك فإن اختصار زمن العدالة بدوره ليس شيئاً ايجابيا، بل قد يؤدي إلى ضعف التثبت ومن ثم ضياع الحقوق بأحكام قضائية ضعيفة. فالمثالية غاية لا تُبلغ.

التكنولوجيا وجودة الحياة:
تساهم التكنولوجيا الحالية في تحقيق جودة الحياة، وأهم ما فيها أنها تساعد في تقليل احتكاك البشر ببعضهم. فالمنصات الحكومية تساعد الأفراد في عدم الاحتكاك بالموظفين، لكن الموظفين الذي يعملون خلف تلك المنصات هم بشر، وفي الغالب لا يكترثون إلا بعدم مساءلتهم عما يردهم من أعمال، وهذه مشكلة كبيرة جداً، عندما يتم إفراغ المنصات من أهميتها موضوعياً عبر موظفين غير راغبين أو لا يمتلكون الصلاحيات الكافية لحل المشكلات. مع ذلك فإن هذه المنصات وبقية الأدوات التكنولوجية تخلق هامشاً من العزلة بين البشر، وتساهم بالتالي في تقليل الاحتكاك بينهم ومن ثم نقليل تبادلهم للشر، فقط تحتاج هذه المنصات إلى تعزيز الموثوقية بموظفين أكفاء. وعموماً وقبل عشر سنوات أو اكثر تنبأت بأن الإنسان عبر التكنولوجيا سيعيش داخل فقاعته الخاصة التي ستغنيه عن الاحتكاك بالعالم، وسجلت ذلك في قصة قصيرة، وأرى أن هذا التوقع يتحقق بالفعل.
لكن هل العزلة في فقاعات التكنولوجيا سيعزز من جودة الحياة؟
هذا أيضا سؤال يجب طرحه على أنفسنا للبحث عن بدائل أفضل.

احصل على Outlook for Android