حين غادر الأستعمار وبقيت أدواته ... الدولة السودأنية في مرأة مابعد الاستعم كتبه باشمهندس محمد عبدال

حين غادر الأستعمار وبقيت أدواته ... الدولة السودأنية في مرأة مابعد الاستعم كتبه باشمهندس محمد عبدال


07-18-2026, 10:08 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1784365737&rn=0


Post: #1
Title: حين غادر الأستعمار وبقيت أدواته ... الدولة السودأنية في مرأة مابعد الاستعم كتبه باشمهندس محمد عبدال
Author: محمد عبدالرحيم أبوه
Date: 07-18-2026, 10:08 AM

10:08 AM July, 18 2026

سودانيز اون لاين
محمد عبدالرحيم أبوه-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



Image
:

🖊 بقلم:

تكشف التجربة السودانية أن تعاقب النخب على الحكم، رغم تباين شعاراتها وأنتماءاتها الفكرية والسياسية، لم يؤدِّ إلى تغيير جوهري في طبيعة الدولة أو أسلوب ممارستها للسلطة، بل انتهى، في أغلب الأحيان، إلى إعادة إنتاج البنية ذاتها بأدوات وشعارات مختلفة. ومن ثم، فإن الأزمة لا تختزل في فساد الحكومات أو إخفاق الأفراد، وإنما تكمن في بنية الدولة التي ظلت قادرة على استيعاب النخب المختلفة وإعادة تشكيلها وفق منطقها الخاص. لم تنخرط هذه النخب، منذ الأستقلال، في مراجعة جادة للإرث الذي ورثته عن الحقبة الاستعمارية، ولا في مشروع وطني طويل الأمد لإعادة بناء الدولة وإصلاح اختلالاتها البنيوية. ولا شك أن مثل هذا المشروع كان سيقتضي جهدًا شاقًا، واستثمارًا سياسيًا وفكريًا قد يمتد لعقود، غير أن معظم هذه النخب فضّلت معالجة قضايا الحرب والسلام والهوية معالجةً مجزأة، اختزلت الأزمة في أبعادها السياسية أو الدينية، وأغفلت ارتباطها العميق بالبنية الاقتصادية والاجتماعية، وإدارة التنوع، وآثار السياسات الاستعمارية، ومتطلبات بناء دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون. وبدلًا من الانشغال بتأسيس نظام ديمقراطي راسخ يحقق العدالة ويضمن سلامًا مستدامًا، انصرف جانب كبير من الجهد السياسي إلى إدارة الأزمات وإعادة إنتاجها.

كان الهمّ الأساسي لقطاعات واسعة من النخب السياسية، في تقديري، هو السيطرة على مقاليد الحكم أكثر من الانشغال ببناء الدولة ومؤسساتها. ومع مرور الوقت، تحولت السلطة إلى غاية في ذاتها، وأصبحت أجهزة الدولة أداةً لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والاقتصادي، بدل أن تكون وسيلة لتحقيق التنمية والعدالة وسيادة القانون. وفي ظل هذا الواقع، نشأت أنظمة سلطوية امتلكت أدوات واسعة للسيطرة على المجتمع، وأفضى ذلك إلى انتهاكات جسيمة وإضعاف متواصل لمؤسسات الدولة.
واستندت هذه المنظومة، بدرجات متفاوتة، إلى تحالفات ضمت المؤسسة العسكرية، والقيادات الطائفية والدينية، وبعض الزعامات القبلية والإثنية، إلى جانب شريحة من النخبة المدنية التي تشكلت في ظل التعليم الحديث خلال الحقبة الاستعمارية، ولا سيما خريجي المؤسسات التعليمية والإدارية التي أنشأها المستعمر، مثل كلية غوردون التذكارية. وقد ورثت هذه الشريحة كثيرًا من المواقع الإدارية التي كانت تمثل حلقة الوصل بين السلطة الاستعمارية والمجتمع المحلي، ثم أصبحت لاحقًا جزءًا مؤثرًا في مختلف التيارات السياسية، على اختلاف توجهاتها الفكرية.

ويذهب هذا المقال إلى أن هذه الشريحة المدنية كانت الأكثر تأثيرًا في إعادة إنتاج بنية الدولة التي خلفها الاستعمار؛ إذ لم يقتصر دورها على المشاركة في السلطة، بل أسهمت أيضًا في إنتاج الخطاب السياسي الذي منح الشرعية لممارساتها. ورغم ما بدا من تنافس حاد بين القوى السياسية، يمينًا ويسارًا، وسواء كانت ذات مرجعية قومية أو دينية أو يسارية، فإن التجربة السودانية أظهرت أن كثيرًا من هذه الصراعات انتهى، في أحيان عديدة، إلى إعادة إنتاج البنية نفسها، أكثر مما أدى إلى تغييرها، وهو ما جعل التداول بين الحكم والمعارضة يدور، في كثير من الأحيان، داخل الإطار ذاته الذي ورثته الدولة بعد الاستقلال.
ورغم التباين الظاهر بين هذه القوى في شعاراتها ومرجعياتها الفكرية، فإنها التقت، في كثير من الأحيان، حول خطاب الإسلاموعروبية بوصفه إطارًا يمنح السلطة شرعية سياسية وثقافية. غير أن هذا الالتقاء لم يكن، في تقديري، انعكاسًا لقناعة فكرية راسخة بقدر ما كان توظيفًا سياسيًا لأيديولوجيا جرى استخدامها بحسب مقتضيات الصراع على السلطة. فقد ضمّت هذه القوى تيارات ذات مرجعيات متباينة، من اليسار إلى القوميين والإسلاميين وغيرهم، لكنها كثيرًا ما التقت عند هدف مشترك يتمثل في الاحتفاظ بالنفوذ السياسي والسيطرة على موارد الدولة.

وفي سبيل ذلك، تحولت الحروب إلى وسيلة لإدارة الصراع السياسي أكثر من كونها استجابة لضرورات وطنية. فكلما اندلعت أزمة، أُنتجت لها المبررات والخطابات التي تُضفي عليها شرعية سياسية أو أيديولوجية، بينما ظل المواطن السوداني هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر من دمه واستقراره ومستقبله. ومع مرور الزمن، أثبتت التجربة أن الحروب لم تحقق استقرارًا، كما أن جولات التفاوض المتعاقبة لم تُفضِ، في كثير من الأحيان، إلى حلول جذرية، بل تحولت إلى أدوات لإدارة الأزمة، وكسب الوقت، وإعادة ترتيب موازين القوى.
ولعل المفارقة الكبرى أن السودان يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهله لأن يكون من أكثر دول المنطقة قدرة على تحقيق التنمية والاستقرار. غير أن غلبة المصالح الضيقة، والتنافس على السلطة، وغياب المشروع الوطني الجامع، حالت دون استثمار هذه الإمكانات في بناء دولة حديثة تستوعب جميع مواطنيها. ولو وجهت هذه الموارد نحو التنمية، وأُديرت الدولة وفق مبادئ الكفاءة والموأطنة وسيادة القانون، لكان بالإمكان تجنب كثير من الصراعات التي أنهكت البلاد وأعاقت مسيرتها.

واليوم، وبعد عقود من الاستقلال، تبدو هذه النخب وقد استنفدت رصيدها السياسي، وفقدت، إلى حدٍّ كبير، قدرتها على إدارة الدولة أو توجيه مسارها. وقد أسهم تراكم الإخفاقات والصراعات في دفع السودان إلى واحدة من أخطر مراحله التاريخية، وهي المرحلة التي تجلت بصورة مأساوية مع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023، وما خلّفته من انهيار في مؤسسات الدولة، وتدهور في الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، واتساع رقعة الانقسام الوطني.
وتزداد هذه المفارقة إيلامًا إذا ما استحضرنا أن السودان ينتمي إلى فضاء حضاري ضارب في القدم، يمتد لآلاف السنين. غير أن الخروج من الحقبة الاستعمارية لم يكن يعني، بالضرورة، إمكانية العودة الفورية إلى أنماط التنظيم الاجتماعي والإداري التي سبقتها؛ فالاستعمار لم يكن مجرد وجود عسكري أو سياسي عابر، بل تجربة تاريخية طويلة أعادت تشكيل مؤسسات الدولة، وأنماط الإدارة، والعلاقات الاجتماعية، وامتد تأثيرها لعقود بعد رحيل القوى الاستعمارية.
وفي المقابل، كان الشعب السوداني، الذي قدّم تضحيات كبيرة في سبيل الاستقلال، يتطلع إلى أن يكون التحرر الوطني بداية لعهد جديد من التنمية والعدالة وبناء الدولة. غير أن الآمال التي رافقت لحظة الاستقلال اصطدمت بتحديات معقدة، وبإرث مؤسسي وسياسي لم يُخضع للمراجعة والإصلاح بالقدر الذي كانت تقتضيه طبيعة المرحلة.
ومع مرور الوقت، لم تتجه هذه النخب إلى مراجعة النموذج السياسي الذي ورثته عن الاستعمار أو البحث عن صيغة وطنية لبناء الدولة، بل مالت إلى إعادة إنتاج مؤسساته وآليات حكمه، حتى بدا وكأنها تقر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن النموذج الذي خلفه المستعمر هو الأكثر ملاءمة لإدارة البلاد. ولم يكن هذا الخيار سهلًا أو محسومًا؛ إذ وجد المجتمع نفسه بين نزعتين متعارضتين: الأولى: تدعو إلى العودة إلى الجذور التاريخية واستئناف المسار الحضاري الذي انقطع بفعل الاستعمار والثانية : ترى أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تستقيم إلا بمحاكاة الأطر السياسية والإدارية التي أرساها المستعمر، باعتبارها النموذج الوحيد القادر على إدارة الدولة.

ومن هنا نشأ التوتر الذي لازم تجربة الدولة الوطنية في كثير من بلدان ما بعد الإستعمار؛ توتر بين الأصالة والحداثة، وبين استعادة التاريخ واستعارة مؤسسات الدولة الحديثة. غير أن هذا التردد لم يُنتج مشروعًا وطنيًا جديدًا، بل أدى، في كثير من الأحيان، إلى إعادة إنتاج البنية الاستعمارية بوجوه محلية، مع الاحتفاظ بأدواتها الإدارية والسياسية، من دون استكمال شروط الدولة الديمقراطية أو بناء مؤسسات تستند إلى المواطنة وسيادة القانون .
وتتشابك هذه الإشكالية مع أبعاد سياسية وثقافية واجتماعية في آنٍ واحد. فمعظم المجتمعات التي خضعت للاستعمار لم تكن تفتقر إلى أنماط التنظيم السياسي أو السلطة، وإنما لم تعرف الدولة القومية الحديثة بصيغتها الأوروبية القائمة على السيادة الإقليمية، والحدود الثابتة، والمواطنة القانونية، والمؤسسات البيروقراطية المركزية. ولهذا فإن أزمة الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار لم تكن مجرد أزمة سلطة، بل كانت، في جوهرها، أزمة انتقال من أنماط تاريخية متنوعة في التنظيم الاجتماعي والسياسي إلى نموذج حديث للدولة فُرض في سياق استعماري.

ونقصد بالدولة الحديثة تلك التي تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية داخل حدود سياسية مرسومة، بحيث تصبح العلاقة بين الفرد والدولة هي الأساس الذي تُبنى عليه الحقوق والواجبات. غير أن هذا المفهوم كان حديث العهد في أجزاء واسعة من أفريقيا والعالم الثالث؛ ففي القرن التاسع عشر، وحتى بدايات القرن العشرين، كانت حركة السكان أكثر انفتاحًا، ولم تكن الانتماءات تُقاس بالحدود السياسية كما هو الحال اليوم، بل كانت تتشكل وفق روابط القبيلة، أو الإقليم، أو المجال الاقتصادي والثقافي.
وتبرز هذه الحقيقة بوضوح في المجتمعات الرعوية والقبائل التي اعتمدت على الترحال الموسمي، والتي أصبحت تُعرف، بعد رسم الحدود الاستعمارية، بـ«القبائل الحدودية». وهي تسمية تنطوي على قدر من الالتباس؛ لأنها توحي بأن الحدود كانت الأصل وأن القبائل جاءت بعدها، بينما تشير الوقائع التاريخية إلى العكس تمامًا. فقد كانت هذه الجماعات موجودة قبل نشوء الحدود السياسية الحديثة بقرون، وكانت تتحرك داخل فضاءات جغرافية واجتماعية مفتوحة، ثم جاءت الحدود الاستعمارية لتقسم مجالاتها الطبيعية وتفرض واقعًا سياسيًا جديدًا لم يراعِ امتداداتها التاريخية أو أنماط حياتها التقليدية.
لقد كانت الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية نتاجًا لاعتبارات استراتيجية وإدارية فرضتها مصالحها السياسية والاقتصادية، أكثر مما كانت استجابةً للحقائق التاريخية أو الاجتماعية للمجتمعات المحلية. ففي أفريقيا جرى ترسيم معظم الحدود خلال مؤتمر برلين (1884–1885) وما أعقبه من اتفاقيات بين القوى الاستعمارية، بينما شهد المشرق العربي اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916، التي مثّلت نموذجًا آخر لإعادة توزيع النفوذ بين الإمبراطوريات الاستعمارية. وفي الحالتين، كان الهدف تنظيم السيطرة الاستعمارية وتقاسم مناطق النفوذ، لا بناء دول منسجمة مع واقعها التاريخي والاجتماعي.
ولذلك، لم تُراعَ في كثير من الأحيان الامتدادات القبلية والإثنية، ولا الروابط الثقافية أو التاريخية بين المجتمعات، فوجدت جماعات متجانسة نفسها موزعة بين أكثر من دولة، بينما أُلحقت جماعات أخرى داخل كيان سياسي واحد دون أن تكون قد عاشت تجربة تاريخية مشتركة. وقد تحولت هذه الحدود، بعد الاستقلال، إلى حدود دول ذات سيادة، وأصبحت مصدرًا دائمًا للتوترات والنزاعات، بعدما ورثت الدول الوطنية خريطة سياسية لم تشارك في رسمها.
ومن هنا، لم تكن أزمات ما بعد الاستعمار وليدة التنافس السياسي وحده، بل كانت أيضًا امتدادًا لإشكالات بنيوية صاحبت نشأة الدولة الحديثة في العالم الثالث؛ كالتناقض بين الحداثة والتقاليد، وإشكالية الهوية الوطنية، وقدسية الحدود الموروثة، وضعف الاندماج الوطني. وقد زادت هذه العوامل من تعقيد عملية بناء الدولة، وأفضت، في كثير من الحالات، إلى حروب أهلية وانقسامات سياسية، عمقتها النخب الحاكمة حين تعاملت مع الدولة بوصفها غنيمة للسلطة، لا إطارًا جامعًا للمواطنة. وهكذا وجدت شعوب كثيرة نفسها تنتقل من الخضوع لهيمنة الاستعمار الخارجي إلى أنماط جديدة من الهيمنة الداخلية، مارستها سلطات رفعت شعارات التحرر الوطني والقومية، لكنها أخفقت في بناء دولة تتسع لجميع مواطنيها.

ولذلك، نشأت داخل العلوم السياسية والثقافية، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حقلٌ معرفي واسع عُرف باسم دراسات ما بعد الاستعمار، انشغل بتحليل السمات المشتركة للدول التي وُلدت عقب نهاية الحقبة الاستعمارية، ومحاولة تفسير أزماتها البنيوية في بناء الدولة والهوية والسلطة. وقد أطلق الباحثون على هذه الكيانات تسميات متعددة؛ فمنهم من وصفها بـ«الدول المشوّهة»، في إشارة إلى بقائها عالقة بين البنى التقليدية ومؤسسات الدولة الحديثة، ومنهم من وصفها بـ«الدول المستوردة»، باعتبار أن نظمها السياسية والإدارية استُنسخت من التجربة الغربية دون أن تنبع من تطور تاريخي داخلي يعكس خصوصية مجتمعاتها.

ومن بين التوصيفات التي تبدو أكثر قدرة على تفسير واقع كثير من هذه الدول، ما أورده الباحث المتخصص في الشأن الأفريقي ريتشارد جوزيف حين استخدم تعبير «الديمقراطية الافتراضية» لوصف أنظمة تمتلك المظاهر الشكلية للديمقراطية، من انتخابات ودساتير ومؤسسات تمثيلية، بينما يبقى جوهر السلطة محكومًا بشبكات الولاء الشخصي والقبلي والطائفي أكثر من احتكامه إلى التنافس الحزبي والبرامج السياسية. وربما كان جوزيف يستحضر التجربة الأفريقية على وجه الخصوص، إلا أن هذا الوصف يبدو قابلًا للتطبيق على تجارب عديدة في العالم النامي، حيث تتجاور مؤسسات الدولة الحديثة مع البنى التقليدية دون أن تنجح في تجاوزها.

وفي هذا السياق، يصبح تداول السلطة، وهو جوهر النظام الديمقراطي، مبدأً هشًّا وقابلًا للالتفاف عليه بوسائل متعددة؛ إذ تُجرى الانتخابات، لكن نتائجها كثيرًا ما تُحسم بمنطق العصبية والزبائنية السياسية، أو بتغليب الولاءات التقليدية على معايير المواطنة والكفاءة. وهكذا تتحول الديمقراطية إلى ممارسة شكلية تمنح النظام شرعية ظاهرية، بينما تبقى السلطة الفعلية أسيرة شبكات النفوذ التاريخية.

ومع ذلك، فإن هذه القراءة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها حكمًا سلبيًا على دول العالم الثالث أو شعوبها. فمن غير الواقعي أن تتحول مجتمعات خرجت لتوها من عقود طويلة من الاستعمار والتبعية إلى ديمقراطيات مستقرة بين ليلة وضحاها. غير أن المفارقة الكبرى تمثلت في أن كثيرًا من الشعوب كانت تتوقع أن يؤدي الاستقلال السياسي، تلقائيًا، إلى تحقيق التنمية والعدالة والرفاه، باعتبار أن الاستعمار كان العائق الوحيد أمام التقدم. وعندما لم تتحقق تلك التطلعات، تحول الأمل الكبير إلى إحباط أكبر، خاصة مع استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية، بل وانزلاق بعض الدول إلى الفوضى والانهيار.

وتشبه هذه الحالة ما يمكن تسميته بـ«إحباط ما بعد التحرر»، وهي حالة عرفتها مجتمعات عديدة عقب الثورات الكبرى، حين تتجاوز التوقعات قدرة الواقع على الإستجابة لها. فبدلًا من منح النخب الجديدة الوقت الكافي لبناء المؤسسات وإصلاح ما أفسدته عقود الاستعمار، سرعان ما يتحول الإحباط الشعبي إلى غضب، وتتحول النخب الحاكمة إلى هدف لاتهامات الفساد وسوء الإدارة وإهدار الفرص.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، تبرئة النخب التي قادت دول ما بعد الاستعمار؛ فقد ارتبط جزء معتبر منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالإدارة الاستعمارية، ووصل بعض أفرادها إلى مواقع النفوذ عبر آليات الاختيار والتأهيل التي أنشأها المستعمر نفسه. كما أن كثيرًا منها انخرط لاحقًا في أنظمة استبدادية كرّست احتكار السلطة والثروة. ومع ذلك، فإن حجم التحديات التي ورثتها تلك الدول كان من الضخامة والتعقيد بحيث ربما تجاوز قدرة أي قيادة وطنية، مهما حسنت نواياها، على معالجته في فترة زمنية قصيرة. فالأزمة، في جوهرها، لم تكن أزمة أشخاص فحسب، بل أزمة دولة وُلدت قبل أن تكتمل شروط ميلادها التاريخي.