Post: #1
Title: ما الذي تحرسه المحرمات؟ ثلاث محطات عمرية… وثلاثة أوجه للرغبة الجنسية كتبه دكتور الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 07-17-2026, 09:39 PM
09:39 PM July, 17 2026 سودانيز اون لاين الوليد ادم مادبو-السودان مكتبتى رابط مختصر
دكتور الوليد آدم مادبو
ليست المحرمات مجرد قائمة بما لا ينبغي للإنسان أن يفعله، بل هي أيضًا تعبير عن التصور الذي يحمله الدين أو المجتمع لطبيعة الإنسان نفسه. فكل تحريم يفترض نفسًا يمكن أن تغلبها شهواتها، أو يسبق اندفاعها حكمها. وهذه الفكرة هي التي استوقفتني وأنا أستمع إلى خطبة الجمعة عن تحريم الزنى.
ولم يكن الذي أثار انتباهي هو الحكم الشرعي ذاته، فقد سمعته من قبل في عشرات الخطب، وإنما السؤال الذي يسبقه: أي صورة للإنسان تجعل مثل هذا التحريم ضروريًا أصلًا؟
وما سأعرضه هنا ليس شرحًا لكلام الإمام، ولا محاولة لتفسير مقصده. فهو كان يعظ، على الطريقة التقليدية، في معصية بعينها. أما هذا فهو تأمل شخصي، انتهيت إليه وأنا أقلب الخطبة في ذهني وأتساءل: أي صورة للإنسان تجعل مثل هذا التحريم ضروريًا أصلًا؟
ولأن تكويني الفكري تشكل بين عالمين؛ عالم التربية الدينية التقليدية، وعالم الفلسفة الحديثة، وجدت نفسي، بصورة تكاد تكون تلقائية، أترجم الخطبة من سجل الوعظ الأخلاقي إلى سجل التأمل الفلسفي. لم يكن ذلك ما قصده الإمام، لكنه كان الطريق الذي سلكه ذهني وهو يصغي إلى الخطبة.
وأثناء التفكير استقرت في ذهني فكرة بسيطة: لعل الرغبة نفسها لا تبقى على الصورة ذاتها طوال العمر، وإنما تمر – في الغالب – بثلاث محطات. ففي العشرينيات يغلب الاشتهاء، وفي الأربعينيات يحضر الانتقاء، أما في الستينيات فيقترب الإنسان من الاكتفاء. يتغير الفعل لأن الإنسان نفسه يتغير، وهذا التحول هو ما تحاول هذه المقالة استقصاءه.
العشرينيات: مرحلة الاشتهاء
في الشباب، تعلن الرغبة عن نفسها بوصفها شهوة خام قبل أن تصير أي شيء آخر؛ غير موجهة، ملحة، ولا تكاد تعبأ بموضوعها. وقد عبّر شوبنهاور عن هذا بصراحة غير معتادة في مقالته عن ميتافيزيقا الحب الجنسي. رأى أن ما يشعر به الفرد على أنه شوق شخصي ليس إلا إرادة النوع البشري تعمل من خلاله، مستخدمة وهم العاطفة الخاصة لتحقيق غاية غير شخصية هي التكاثر. فالشاب يظن أنه يختار، بينما “إرادة الحياة” تستخدمه، في كثير من الأحيان، أكثر مما يستخدمها.
قد يكون تشاؤم شوبنهاور مبالغًا فيه، لكن وصفه لظاهرة الشعور دقيق. ففي العشرينيات تسبق الرغبة الحكم غالبًا، ويأتي التفكير بعد الاندفاع لا قبله. ولهذا اخترت كلمة الاشتهاء؛ لأنها تصف هذه المرحلة التي تكون فيها الرغبة أكثر حضورًا من التمييز.
ولا يعني ذلك أن كل الشباب أسرى لشهواتهم، وإنما يعني أن البنية النفسية في هذه المرحلة تجعل الاندفاع هو الأصل، بينما يصبح الضبط ثمرة تربية أو خبرة أو إيمان.
الأربعينيات: مرحلة الانتقاء
في منتصف العمر يتغير شيء ما، وليس مجرد ضعف الرغبة. بل إن فكرة فرويد عن التسامي أجدى هنا من أي حديث عن انحدار بسيط. رأى فرويد أن الطاقة الليبيدية لا تختفي مع العمر، بقدر ما يعاد توجيهها وتهذيبها، فتنصب في قنوات أكثر تحديدًا؛ منها، لا على سبيل الحصر، العمل، والذوق، والطموح.
وتطبيقًا على هذه الفكرة، فإن صاحب الأربعين لا يتوقف عن الرغبة، لكنه لم يعد يرغب بالطريقة نفسها. لقد نشأ لديه ذوق، ليس بالمعنى الجمالي وحده، وإنما بالمعنى الوجودي أيضًا. صار يعرف من يريد، وما الذي يستحق أن يبذل فيه عاطفته، وما الذي لا يستحق.
ولهذا آثرت كلمة الانتقاء. فالرغبة لم تمت، لكنها لم تعد عشوائية. إنها شهوة هذبتها التجربة، وخيبات الأمل، ومعرفة النفس. ولم يعد الإنسان ينجذب إلى كل ما يثيره، بل أصبح ينتقي ما ينسجم مع ما صار عليه.
الستينيات: مرحلة الاكتفاء
في الستينيات، يتغير الفعل مرة أخرى. ولا أظن أن هذا التحول يمكن تفسيره بمجرد التراجع البيولوجي؛ فالجسد يتغير، نعم، لكن الذي يتغير معه أيضًا هو طريقة النظر إلى العالم.
وتفيدنا هنا تفرقة سي. إس. لويس في كتابه «المحبات الأربع»، إذ يميز بين “فينوس”؛ أي الشهوة الجسدية، وبين الحنان، والمودة، والمحبة الباذلة. وما يبدو تراجعًا عن الرغبة قد يكون، في حقيقته، انتقالًا من صورة للحب إلى صورة أخرى.
فالاعتبارات التي أشرت إليها؛ كالولاء للزوج، والمكانة في المجتمع، وخشية الله، ليست مجرد كوابح خارجية تُفرض على شهوة ما زالت مستعرة، وإنما تصبح، عند كثير من الناس، جزءًا من الشهوة نفسها بعد أن تغيرت طبيعتها.
ويقول سفر الجامعة ذلك ببلاغة لافتة: «للمعانقة وقت، ولترك المعانقة وقت»؛ لا باعتباره عقوبة على الشيخوخة، بل باعتباره إيقاعًا طبيعيًا لحياة عُيشت بكمالها.
ولهذا اخترت كلمة الاكتفاء بدلًا من “التقاعد”. فما يحدث في هذه المرحلة، عند كثير من الناس، ليس انطفاء الرغبة، وإنما الاستغناء عن مطاردة كل ما تشتهيه النفس. يكتشف الإنسان أن بعض الإعجاب أجمل إذا بقي إعجابًا، وأن بعض المسافات هي التي تحفظ للأشياء جمالها.
تقليد وجدته في انتظاري: مراتب النفس الثلاث
بعد أن تبلورت هذه الفكرة في ذهني، خطر لي أن التقليد الأوسع الذي تنتمي إليه الخطبة يحمل أصلًا تصورًا ثلاثي المراحل للنفس، يتقاطع مع هذه القراءة على نحو لافت.
فالعلماء الكلاسيكيون، وفي مقدمتهم ابن قيم الجوزية، مستندين إلى الأوصاف القرآنية للنفس، يفرقون بين النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة.
فالنفس الأمارة تستجيب للرغبة قبل أن تحاكمها. والنفس اللوامة ترغب، لكنها تحاسب نفسها أيضًا، فتعيش صراعًا دائمًا بين الاندفاع والمراجعة. أما النفس المطمئنة فهي التي كفت عن محاربة نفسها، واستقرت فيما اختارته.
غير أن ابن القيم لا يعامل هذه المراتب بوصفها أعمارًا مختلفة، ولا يرى أنها تتحقق تلقائيًا مع مرور الزمن، وإنما يعدها مقامات يمر بها الإنسان إذا جاهد نفسه.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الفلاسفة الذين استشهدت بهم وبين التصور الإسلامي الكلاسيكي.
فشوبنهاور وفرويد يصفان تحولًا يحدث للإنسان بفعل البيولوجيا والتجربة. أما ابن القيم فيصر على أن التحول هو أيضًا شيء يفعله الإنسان. إنه ثمرة مجاهدة، لا مجرد نتيجة للتقدم في العمر.
ولهذا قد يظل صاحب الستين أسير النفس الأمارة، وقد يبلغ شاب في العشرين شيئًا من طمأنينة النفس بفضل الانضباط أو التربية أو الإيمان.
ومن هنا بدأت أقرأ تحريمات كالتي وعظ بها الإمام يومئذ، لا بوصفها حربًا خاسرة ضد شهوة سيخبو أوارها مع الزمن، بل بوصفها محاولة لتسريع النضج الأخلاقي، حتى لا يُترك الإنسان للمصادفة البيولوجية وحدها.
معضلة التسمية
هنا يظهر السؤال الذي دفعني إلى هذا التأمل كله: الزنى، والحرج الحديث من تسميته باسمه.
فقد لاحظت أن المجتمعات التي يزعجها التحريم الديني تميل، أكثر فأكثر، إلى استعمال عبارة “ممارسة الحب” بدلًا من كلمة “الزنى”. ويبدو الأمر، لأول وهلة، مجرد تبدل في الألفاظ، لكنه يكشف عن تحول أعمق في الطريقة التي نفهم بها الفعل نفسه.
فكلمة “الزنى” تصفه من زاوية أخلاقية؛ فهي تحمل حكمًا قبل أن تحمل وصفًا. أما عبارة “ممارسة الحب” فتنقله إلى دائرة الحميمية، حيث يصبح الحديث عن المشاعر، والرضا، والعلاقة الإنسانية، أكثر حضورًا من الحديث عن الحلال والحرام.
لكن ميشيل فوكو يقدم، في كتابه «تاريخ الجنسانية»، قراءة مضادة لهذا الفهم الشائع. فهو لا يرى أن المجتمع الحديث حرر الجنس من القيود الدينية، بل يرى أنه ضاعف الخطاب حوله، وأنتج له مفردات جديدة، وأشكالًا جديدة من الاعتراف، وعلاقات جديدة للقوة.
فالاعتراف لم يختف، وإنما غيّر مكانه. وما كان يُقال للقس في كرسي الاعتراف، صار يُقال للطبيب النفسي أو المعالج الأسري. ولم يعد السؤال: “هل ارتكبت الخطيئة؟” بل أصبح: “هل كانت العلاقة صحية؟ وهل قامت على الرضا؟ وهل تركت أثرًا نفسيًا؟”
تغيّر المعجم، لكن الحاجة إلى تبرير الذات لم تختف. ولهذا لا تبدو عبارة “ممارسة الحب” دليلًا على أننا تجاوزنا الشعور بالذنب، بقدر ما تبدو دليلًا على أن الذنب نفسه أعاد صياغة لغته.
ما الذي تحرسه المحرمات؟
إذا قُرئت هذه المراحل بوصفها مسارًا واحدًا، فإن الاشتهاء، والانتقاء، والاكتفاء لا تصف انحدارًا في القوة الجنسية، بقدر ما تصف تربية للرغبة نفسها.
فالاشتهاء ينضج إلى انتقاء، والانتقاء ينضج إلى اكتفاء، والنفس الأمارة – إذا بُذل الجهد – قد تفسح المجال للنفس المطمئنة.
ومن هنا أميل إلى الاعتقاد بأن المحرمات الدينية لا تحرس الرغبة من حيث هي رغبة، وإنما تحرس توقيتها، وموضوعها، وصورتها. إنها تحاول أن تمنع الإنسان من أن يسبق اندفاعه حكمه، وأن تحول دون أن تتحول الشهوة إلى أسلوب حياة يستعبد صاحبه.
ولعل الفرق الأهم بين الفيلسوف والفقيه أن الأول يصف ما يميل الإنسان إلى أن يكونه، بينما الثاني يخاطب ما ينبغي له أن يصير إليه. الفيلسوف يفسر الطبيعة، أما الفقيه فيراهن على الإرادة.
ولا أدعي، بطبيعة الحال، أن الإمام الذي استمعت إلى خطبته قصد شيئًا من هذا التحليل. فهذه قراءة لاحقة، أضفتها أنا على تجربة الاستماع، بعد أن وضعت الخطبة في حوار مع شوبنهاور، وفرويد، وسي. إس. لويس، وابن القيم، وفوكو.
ومع ذلك خرجت من هذا التأمل بقناعة لم تكن واضحة لي من قبل: أن كثيرًا من المحرمات لا يمكن فهمها فهمًا عميقًا إذا نظرنا إليها باعتبارها أوامر ونواهي فحسب، فهي تعبر، قبل ذلك، عن تصور معين لطبيعة الإنسان، وعن الكيفية التي يرى بها الدين مسار نضجه الأخلاقي.
وقد يختلف الناس حول السند اللاهوتي لهذا التصور، لكن من الصعب إنكار الملاحظة التي انطلقت منها هذه المقالة: أن الرغبة ليست شيئًا ثابتًا عبر العمر، وأن الإنسان لا يشتهي في العشرين كما يشتهي في الأربعين، ولا ينظر إلى الحياة في الستين كما كان ينظر إليها في شبابه.
غير أن العمر وحده لا يكفي. فقد يشيب الجسد وتبقى النفس أسيرة مرحلتها الأولى، وقد يسبق الإنسان سنَّه، فيبلغ من النضج في شبابه ما لا يبلغه آخرون بعد عقود.
وربما لم تكن رحلة الإنسان مع الرغبة رحلةً من القوة إلى الضعف، بل من الاشتهاء إلى الانتقاء، ومن الانتقاء إلى الاكتفاء. فليست الحكمة أن تنطفئ الرغبة، وإنما أن تنضج. وليست الفضيلة أن يكبر الإنسان، وإنما أن تكبر نفسه معه.
|
|