Post: #1
Title: بقصر الوجبة رأيت الوطن في عيني سمو الشيخة موزه كتبه عواطف عبداللطيف
Author: عواطف عبداللطيف
Date: 07-16-2026, 11:36 PM
11:36 PM July, 16 2026 سودانيز اون لاين عواطف عبداللطيف-قطر مكتبتى رابط مختصر
في بعض اللحظات لا يبكي الإنسان شخصًا، بل يبكي زمنًا كاملًا اختصره ذلك الشخص في سيرته. وحين يغيب الكبار، لا تفرغ المقاعد التي كانوا يجلسون عليها إنما يخيّم الصمت على الأمكنة التي اعتادت حضورهم. وكأن الطير والحجر والشجر والطرقات يعرفون معنى الفقد.
فجر الأحد الثاني عشر من يوليو 2026م أفقت من حلم غريب. رأيت سمو الشيخة موزه بنت ناصر وكأنني أعانقها مواسيًة .. حلم لم يكن سوى ترجمة لما كان يختزنه القلب قبل أن تسمع الأذن الخبر… وما هي إلا لحظات حتى جاء النبأ الذي أوجع قطر وإنسانها وتجاوز صداه حدودها للعالم .. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي رسم ملامح وطن سياسيا واقتصاديا وهندسيا وجعل من دولة صغيرة جغرافيا اسمًا لامعا لفضاءات السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والإنسانية وعباءته الواسعة غطت علي الايتام والموجوعين في كثير من بقاع الارض .
فكتبت مقالي " لم تبكه قطر وحدها… بل بكتْه الإنسانية في بقاع الأرض.” وما زلت أؤمن أن قالب تلك العبارة لم تكن مجازًا أدبيًا، بل وصفًا دقيقًا لمشهد لم أعرف له مثيلًا في حياتي الاعلامية وكناشطة اجتماعية ولعقود بقطر الحبيبة .
في طريقي لقصر الوجبة لتقديم واجب العزاء، لم تكن السيارات مجرد وسائل نقل، بل قوافل وفاء… الشوارع والجسور مكتظة على نحو لم أشهده من قبل، حتى خُيّل إليّ أن أشجار النخيل تنحني والعصافير تنوح ، وأرصفة الشوارع تهمس، فالدوحة كلها التحفت أثواب الحداد ..
اليوم الأول للعزاء، خرجت بعد صلاة المغرب، لكن أفواج السيارات كانت كالسيل ، فعُدت أدراجي ولم أشعر بالخيبة بقدر ما شعرت بأن هذا الزحام كان رسالة حب، وأن الأمم لا تخرج عن بكرة أبيها إلا لمن سكن قلبها قبل أن يسكن قصورها وأبراجها العالية .
وحين أتيح لي الدخول لمجلس العزاء، كانت هناك لحظة ستبقى محفورة في ذاكرتي لم أر أمامي أرملةً تودع رفيق عمرها، بل امرأة تحمل فوق كتفيها ذاكرة وطن بأكمله كانت سمو الشيخة موزا تقف بصبر المؤمنين رغم الرهق وبثبات القادة، وبهيبة من يدرك أن الرجال العظام قد يرحلون، لكن الرسالة التي يحملونها لن ترحل معهم لانها كانت مجردة من الآنا .
وقبل أن أصافحها قرأت كلماتها التي نعت بها الأمير الوالد، فوجدتها تشبهها وتماثلها تماما كلمات لا تستعرض الحزن، وإنما تسمو به. كلمات يكتبها قلب عرف معنى الشراكة قبل أن يعرف معنى السلطة، والإيمان والتواضع قبل أن يعرف المجد.
لقد كانت شريكة الحلم، لا شاهدة عليه.
فعلى امتداد سنوات النهضة، لم يكن حضورها حضور زوجة الحاكم، بل حضور العقل الذي آمن بأن الثروة الحقيقية ليست الغاز ولا النفط، وإنما الإنسان. ولذلك، لم يكن غريبًا أن تتحول المدارس والجامعات والمؤسسات الصحية ومراكز البحوث و الطفولة، ومشروعات تمكين المرأة، ورعاية ذوي الإعاقة، لعلامات مضيئة في مسيرة قطر الحديثة. ولم يكن غريبًا أن يصبح اسمها مقترنًا بكل مشروع يزرع الأمل في الإنسان قبل أن يشيّد الحجر.
وحين صافحتها، اكتفيت بضغط هادئ على يدها.ولم تكن المصافحة مجرد أداء لواجب العزاء، بل ايضا احترامًا لصبر امرأة تقف في أكثر لحظات حياتها قسوة، وهي تستقبل الالاف المؤلفة من المعزين بثبات المؤمن بقضاء الله، وعزة من شاركت في صناعة تاريخ لن تمحوه الأيام.
في تلك اللحظة أدركت أن الأمير الوالد اسكنه الله الفردوس الاعلي لم يترك خلفه دولةً قوية فحسب، بل مدرسة كاملة في فن القيادة، من أعظم فصولها الشراكة التي جمعت بين قائدٍ صنع الرؤية، وامرأة حملت رسالة بناء الإنسان، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من هوية قطر الحديثة.ولم يفتني، وسط هذا المشهد الإنساني عميق الشأن ، أن أحيي رجال ونساء المراسم، وأفراد الشرطة واللخويا اللذين نظموا حركة ملايين المعزين باحترافية لافتة، في أداء امتزج فيه الانضباط بالإنسانية. كانت ملامح الحزن على وجوههم لا تقل صدقًا عن دموع الواقفين في الصفوف الطويلة، وكأن الجميع كانوا أهل بيت الفقيد.
إن الأوطان العظيمة لا يحفظها الحجر وحده، وإنما الوفاء.وربما لهذا السبب، لم أشعر وأنا أغادر قصر الوجبة أنني خرجت من مجلس عزاء، بل من درسٍ في فلسفة صناعة دولة وترسيخ ثقافة ترابط الشعوب وقيمة الوفاء، وقوة الشراكة التي تجعل المشروع الوطني أكبر من الأشخاص، وأبقى من الغياب.
رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، لكن إرثه باقٍ في مؤسسات صنعت المستقبل، وبقيت في سجله الناصع في ذاكرة الوطن ووجدان أبنائه، امرأة لم تتوقف عند حدود الحزن، لأنها تعرف أن أعظم الوفاء للراحل هو أن تستمر الرسالة التي عاش من أجلها ووزع انسانيته وفكره لاجل الاستقرار والرفاهية وغرس حب العلم والعمل .
وهكذا، غاب المؤسس… وبقيت شريكة الحلم تحرس ذاكرة الوطن، وتؤكد أن الرجال الكبار يرحلون، أما الأوطان التي بنوها، ستواصل السير بثقة نحو المستقبل وان الإنسانية لا حدود جغرافية لها .
عواطف عبداللطيف
أعلامية وناشطة اجتماعية
|
|