Post: #1
Title: مذكرات الباشكاتب: عشاء مع الرئيس عبّود بالخرطوم (٢) كتبه الصادق عباس (سمالنّور)
Author: الصادق عباس
Date: 07-15-2026, 10:47 AM
10:47 AM July, 15 2026 سودانيز اون لاين الصادق عباس-Sudan مكتبتى رابط مختصر
في بداية الستينات كنت أعمل في ورنشة الأحذية وفي بيع الشاي بوسط الخرطوم وكان معي رفيقي وأخي بالمصاهرة عبد الوهاب من حيّ الشقيلاب (جنوبي الخرطوم) ورغم أن عبد الوهاب صار من كبار أعيان المنطقة لكنه لا يستنكف أبدا من ذكر عمله في الورنيش في الستينات بل إنه إلي أن غادر البلاد حينما بدأت الحرب كان لا يزال يحتفظ بصندوق الورنيش القديم ويضعه في مكان بارز بصالون بيته الفخم. كانت منطقة السوق العربي والأفرنجي منطقة شعبية مثلها مثل سوق امدرمان والسوق الشعبي وكانت الحمير والحصين والدراجات الهوائية أكثر من العربات فالناس كانت تأتي لشراء اللحم والخضار والسكر والشاي .. إلخ ومع ذلك كنا أحيانا نلف ساعة كاملة حول ميدان الأمم المتحدة وميدان أب جنزير ولا نقابل أحدا وشوارع مثل الجمهورية والبلدية والحرية وعبد المنعم محمد ممكن ٣ ساعات لا تري سيارة واحدة ومع أننا كنا نسكن الشقيلاب لكننا كنا مضطرين للمبيت في منطقة السوق العربي فالبصات كانت تأتي الخرطوم في الصباح الباكر تجلب اللبن وترجع فاضية تقريبا في العاشرة صباحا والبصات كانت عبارة عن أواستن وسفنجات (بيد فورد) وكان الناس الشغالين في الخرطوم يرسلون فيها أكياس الملاح وكان أي شخص ينزلون له كيس خضاره بمنزله كنا نبيت بحوش "ست النفور" بمنطقة السوق العربي الذي كان مثل اللوكاندة وكثير من اللوكاندات كانت بيوت عادية جدا كانت ست النفور تأخذ من كل منا قرشين في اليوم ومع ذلك لم تكن تتشدد معنا عندما يكون السوق "تعبان" لأنه كانت لديها غنيمات وكنا كل يوم نأتي لها ب "عليقة" لغنيماتها من بقايا الخضار و كرتة المطاعم فهي كانت تبيع الشاي واللقيمات وأذكر أن أخي الكبير الصديق -رحمه الله كان يأخذ منها طشت لقيمات ويبيعه أمام مطعم نجار الكوباني أما نحن فكنا أكثر ما نبيع الشاي في محطة السكة حديد للمسافرين بالقطار وكان أكثر السفر بالقطار سواء إلي الشرق أو الشمال أو الغرب كنا نحمل كفتيرة كبيرة مربوط بأسفلها كانون فحم مشتعل وكنا نحمل كذلك الكبابي والسكر والشاي وكانت كباية الشاي في الخرطوم بقرش واحد فقط ونسمع أنها في الأُبيّض تُباع بقرشين ولذلك كانوا يقولون أن الابيض غالية أما ورنشة النعال الواحد فكانت بقرشين
كان بعض أقربائنا يعملون موظفين وطباخين في الفنادق والسفارات وبيوت الوزراء وكبار رجالات الدولة (سبحان الله .. أولادهم الآن يعملون بمثل هذه المهن لكن في اليونان واسبانيا وإيطاليا وبريطانيا .. الخ) ذات يوم لقيني أحدهم بالقرب من زنك الخضار وقال أنه يريد أن يترك العمل في منزل أحد الوزراء بالخرطوم (٢) سألت قريبي لماذا يريد أن يترك العمل وكان عملا جيدا وراتبه مجزي قال أن الرئيس ابراهيم عبود سيزور الوزير في بيته وسيتعشي معه بعد يومين وأنهم في صباح يوم الزيارة يريدون منه أن يغسل الحمامات فرفض لأن هذا ليس عمله وقد أصر علي كلامه، وهم كذلك أصروا وأخبروه أنهم سيستغنون عنه إن لم يفعل رغم أنهم مقتنعون أنهم لن يجدوا أحدا بمثل كفاءته. فسألته: وكيف تغسل الحمامات؟ فلما أخبرني وجدت الأمر بسيطا، وأدركت أن الموضوع كله مجرد "عَجرَفَة" من صاحبنا فعرضت له أنا أقوم بالمهمة بدلا عنه، فوافق فلما جاء اليوم المحدد ذهبت إلي صاحبي فأدخلني مباشرة إلي مكان العمل وأعطاني خرطوش المياه وأشار لي بأن أوجهه داخل الحمام فوق وتحت طبعا الحمامات كانت سايفون !! والحمامات كانت نظيفة لدرجة أنك يمكن أن تأكل فيها فالناس كانوا مثقفين ونظيفين لكن الموضوع كان لزوم زيارة الرئيس أخذت الخرطوش، وكانت المياه شديدة الإندفاع وأذكر أنني حتي لم أدخل الحمام وإنما وضعت رجلي علي العتبة وأخذت أرش الماء علي الحوائط والأرضيات وانتهي الموضوع في ربع ساعة فلما أوصلني صاحبي إلي الباب قال لي ضروري أن تأتوا بعدين للعشاء طالما أنكم بايتين في حوش ست النفور وفعلا ذهب معي اثنان من الرفقاء وكان العشاء في حوش المنزل ولم نكن نبعد كثيرا من طربيزة الرئيس فقد كنا حتي نسمع أحاديثهم ولكننا لم نكترث لشيء غير طربيزة الطعام التي أمامنا كان موجودا فيها كل ما لذ وطاب من اللحوم والحلويات والمشروبات وحتي الآن لم يحدث لي في حياتي كلها مثل ذلك العشاء الذي تعشيناه مع الرئيس عبود فلما خرجنا سألت رفيقاي: هل تدرون سبب هذه العشوة العجيبة؟ فلما قصصت لهم القصة جلسوا علي الأرض من شدة الضحك وظللنا نمشي ونحن نضحك طوال المسافة من الخرطوم (٢) حتي وصلنا إلي حوش ست النفور
المذكرة السابقة: http://sudaneseonline.com/board/505/msg/1783606139.html
|
|