Post: #1
Title: إلى من جرفهم التيار: ابن الهيثم كتبه عبد الله علي إبراهيم
Author: عبدالله علي إبراهيم
Date: 07-14-2026, 04:42 PM
04:42 PM July, 14 2026 سودانيز اون لاين عبدالله علي إبراهيم-Missouri-USA مكتبتى رابط مختصر
(قلت لزميل سألت الله أن تنتهي هذه الحرب لأفرغ نفسي لقراءة "الكتب الصفراء" التي قيل لنا إن "زمانها مات ومغنيها مات". فأضعنا ما بيد من تراث في التفكير العلمي وقصر باعنا عن استدراكه في كتب الغرب. فلم يقع بصري طوال ما أطالع كتابات الطرفين من جاء بفكر غربي، أو مفكر، في شأن الحرب أو الدولة. وهذا الخلو من تقليد علمي ضرب في صميم ملكة التفكير عندنا. فإما هرجنا بمثل "خرج من رحمه" أو تأبط الواحد منا سلاحاً ليدلي بدلوه). (من إرشيفي) (كان مشائخ الدين يقولون عن المتفرنجين لقد جرفهم التيار) يثير قرار وزير التعليم العام عن الخلاوي ودمجها في التعليم العام غباراً كثيفاً من جهة معارضي الإنقاذ. وليست ردة الفعل السلبية هذه مرغوبة لصالح القرار نفسه ولو جاءت ممن لن يرضون عنك. فالقرار مفاجيء ربما حتى بالنسبة لمن سيرضون عنك ناهيك من خصوم فرغوا، بتأثير الحداثة، إلى أن الخلاوي تعليم عفى عليه الدهر. ووددت لو أحسنت الوزارة عرض حيثيات قرارها على نطاق واسع لا تستثني أحداً. فلم تعد أزمة التعليم مما يمكن أن يعتزلها حتى المعارض الأشم ليتفرج عليها شامتاً. ما دفعني لكتابة هذه الكلمة أنني فرغت من كتابة مقدمة لمؤلف لعمر الأمين أصَّل لمعارفنا الإسلامية في عالم هيمن عليه الغرب. وتوقفت فيه مبهور الخاطر عند نص للعالم ابن الهيثم (965-1039) من كتابه "المناظير" الذي أسس به لعلم البصريات. ولولا معرفتي مسبقاً بأنني أقرأ نصاً تاريخياً لقلت إنه كتابة معاصرة. قال في مطلعه إن "الأفهام كدرة"" في جدلها حول مسألة "كيفية إحساس البصر". ثم انتقل ليرتب وجوه الخلاف حول المسألة في نهجين سماهما نهج "العلوم الطبيعية" ونهج "العلوم التعليمية" (الرياضيات). فأهل علوم الطبيعة إجمالاً اتفقوا على إن الإبصار يقع من صورة ترد من المُبصِر إلى البَصر. أما أهل التعليمية فهم على اختلافهم طبقاتهم وتباعد زمانهم متفقون بالجملة علي أن الإبصار إنما يكون بشعاع يخرج من البصر إلى المُبصر وبه يدرك البصر المُبصر. ثم التفت ابن الهيثم إلى التعليميين ففصل في شقاقهم هم أنفسهم عن طبيعة هذا الشعاع فوجدهم خمس مدارس حسوماٍ اتفقت في عموم نظرها وتباينت في خصوصه. وجاء ابن الهيثم بعقيدة كل منهم موجزة وافية. وشغل "التفنيط" هذا هو ما نسميه CATEGORIZATION تتآخى به مفردات المعرفة في وجوه وتفترق في وجوه وتنتظم في سلسلة نسب يحتوى بها العلماء الظاهرة لتفسيرها بعد. ثم تجده (بعد عرض الإشكال العلمي والمذاهب التي عالجته طلباً للحقيقة) أسس لمشروعه الذي يريد به فض المسألة بتواضع علمي فذ. فقال: "ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا إتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الاراء." ما الذي ينفي نص ابن الهيثم عن الحداثة متى قررناه في الخلوة؟ بل طلاب التعليم الحديث إليه أحوج. فلو كنا استصحبناه لما اصطرعنا حول التعريب بتوحش. فبه يرى طلابنا طلاقة العربية عند علماء المسلمين الذين لم يرهبهم التعبير العلمي لما كانوا هم المكتشفين لظوهر الكون لا التُبع. فقد بلغنا من التباعة الآن حداً داخلنا الوهم حول صلاحية لغتنا العربية لأي شيء. واضطربنا حول تعريب العلوم وكأن لم يكن للعربية السبق في التعبير العلمي كما هو ظاهر عند ابن الهيثم. ولو قرأ الطالب العربي هذا النص وأمثاله لما توهم في سداد لغته، ولتحصن بالمناعة دون التباعة.
|
|