Post: #1
Title: الأستاذة هالة عبد الحليم وسؤال المركز والهامش: لماذا لا ينتهي التهميش بسقوط المركز؟ كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 07-14-2026, 00:12 AM
00:12 AM July, 13 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
2026
قام الأستاذ نضال عبد الوهاب بنشر مداخلة للأستاذة هالة عبد الحليم في عدد من المجموعات الحوارية، بوصفها مساهمة في النقاش الدائر حول مفهومي المركز والهامش في السودان، وما إذا كانت الحرب قد أنهت هذه الثنائية. وقد رأينا أهمية الرد عليها، ليس لأنها تطرح أسئلة غير مشروعة، وإنما لأنها تنطلق من افتراضات نظرية لم تعد منسجمة مع التطور الذي شهدته أدبيات الاستعمار الداخلي، والعدالة التاريخية، والدساتير التحويلية (Transformative Constitutionalism) ولا مع التجربة الفكرية والسياسية التي راكمها مشروع السودان الجديد خلال أكثر من أربعة عقود.
أولاً: المداخلة: يمكن تلخيص أطروحة الأستاذة هالة في الآتي: ١/ التهميش ليس مجرد فقر أو غياب للخدمات، وإنما هو علاقة قوة بين مركز مهيمن وهامش تابع ٢/ وجود الهامش مشروط بوجود مركز يحتكر السلطة والثروة ٣/ انهيار المركز نتيجة الحرب يؤدي إلى سقوط ثنائية المركز والهامش ٤/ بعد انهيار المركز تصبح الأقاليم كيانات محلية مستقلة تواجه مشكلاتها الذاتية ٥/ الفقر بعد انهيار الدولة لا ينبغي وصفه بالتهميش، بل هو فقر أو انهيار عام يصيب الجميع ٦/ لذلك فإن سؤال "المركز والهامش" يفقد معناه السياسي بعد الحرب هذه هي الفكرة الأساسية التي تقوم عليها المداخلة.
ثانياً: أين يكمن الخلل النظري؟ تكمن المشكلة الأساسية في هذه القراءة في أنها تختزل المركز في وجود حكومة مركزية قائمة في الخرطوم، بينما ترى الأدبيات الحديثة أن المركز ليس مجرد حكومة، وإنما بنية تاريخية لإنتاج السلطة والمعرفة والثروة والهوية. وهذا فارق جوهري، ولاشنو؟! فالاستعمار الفرنسي انتهى في الجزائر، لكن الدراسات ما بعد الاستعمار لا تزال تتحدث عن مركز استعماري رغم اختفاء الإدارة الاستعمارية. ونظام الفصل العنصري انتهى في جنوب أفريقيا، لكن أحداً لا يقول إن مفهوم التهميش العنصري فقد معناه. والولايات المتحدة بعد انتهاء قوانين جيم كرو لم تتوقف عن دراسة العنصرية البنيوية لأن المركز القانوني القديم زال. ذلك لأن المركز في العلوم الاجتماعية المعاصرة لا يعني فقط مؤسسة الحكم، وإنما يعني: - توزيع السلطة - توزيع الثروة - احتكار تعريف الهوية الوطنية - السيطرة على إنتاج المعرفة - احتكار الرموز الثقافية - السيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية - السيطرة على اللغة الرسمية والتعليم والإعلام ولهذا فإن انهيار الحكومة لا يعني انهيار المركز.
ثالثاً: التهميش ليس علاقة آنية بل بنية تاريخية من أهم التطورات في العلوم السياسية خلال العقود الأخيرة الانتقال من تفسير التهميش باعتباره علاقة سياسية مباشرة إلى فهمه باعتباره بنية تاريخية متراكمة. فالجامعات التي لم تُبن في جبال النوبة لا تظهر فجأة بمجرد سقوط الحكومة. والطرق التي لم تُعبد منذ الاستقلال لا تنشأ تلقائياً بانهيار الدولة. والأطباء الذين لم يُدرَّبوا خلال سبعين عاماً لا يظهرون بمجرد اختفاء المركز. والأراضي التي صودرت لا تعود تلقائياً. واللغات التي مُنعت من التعليم لا تستعيد مكانتها بمجرد انهيار السلطة. إذن فالتهميش ليس مجرد علاقة تبعية حاضرة، بل هو تراكم تاريخي لسياسات الإقصاء. ولهذا تتحدث الأدبيات الحديثة عن: Historical Structural Inequality أي اللامساواة البنيوية التاريخية.
رابعاً: مشروع السودان الجديد تجاوز ثنائية "المركز والهامش" ثمة نقطة يغفلها كثير من النقاش السوداني فالحركة الشعبية منذ سنوات طويلة لم تعد تنظر إلى القضية باعتبارها مجرد صراع بين مركز وهامش فقط. بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدماً تتمثل في بناء دولة تقوم على: - المواطنة المتساوية - العلمانية - اللامركزية - الديمقراطية - العدالة التاريخية - الاعتراف بالتنوع - إعادة توزيع السلطة والثروة - المبادئ فوق الدستورية أي أن السودان الجديد لم يعد مشروعاً للهامش ضد المركز، وإنما مشروعاً لتجاوز المركز نفسه وهذا تطور نظري بالغ الأهمية. فالهدف ليس نقل العاصمة من الخرطوم إلى مدينة أخرى. ولا استبدال نخبة بنخبة. ولا استبدال هامش بمركز جديد. وإنما إنهاء فكرة المركز المهيمن من أساسها.
خامساً: العدالة التاريخية لا تنتهي بسقوط الدولة لو صح منطق المداخلة، لما احتاجت أي دولة بعد الحروب إلى برامج للعدالة الانتقالية ناهيك عن العدالة التاريخية! لكن الواقع يقول العكس. جنوب أفريقيا بعد سقوط الأبارتهايد أنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة. ورواندا بعد الإبادة الجماعية لم تقل إن المركز انتهى، وبالتالي انتهى الظلم. وكندا وأستراليا ما زالتا حتى اليوم تعالجان آثار الاستعمار على الشعوب الأصلية. لأن العدالة التاريخية لا تعالج وجود المركز الحالي فقط، وإنما تعالج آثار قرون من السياسات التمييزية. ولهذا فإن مشروع السودان الجديد لا يطالب بمجرد إنهاء الحرب. بل يطالب بإزالة آثار الاستعمار الداخلي التي تراكمت منذ تأسيس الدولة السودانية.
سادساً: المبادئ فوق الدستورية ليست نتاج المركز بل نتاج الهامش هنا تكمن إحدى أهم الإضافات الفكرية التي قدمتها الحركة الشعبية. فالمبادئ فوق الدستورية التي أصبحت اليوم محور النقاش السوداني لم تأت من النخب المركزية. بل خرجت من تجربة المجتمعات التي عاشت التهميش والحرب... ومن أهم هذه المبادئ: - فصل الدين عن الدولة. - المساواة الكاملة بين المواطنين. - عدم التمييز بسبب الدين أو العرق أو النوع. - العدالة التاريخية. - اللامركزية . - الاعتراف باللغات والثقافات. - إعادة هيكلة الدولة. - حياد المؤسسات العامة. هذه ليست شعارات نظرية، بل خلاصات عملية لتجارب مجتمعات دفعت أثماناً باهظة للحروب والإقصاء، ولن تتنازل عنها.
سابعاً: لماذا يصعب على بعض النخب قبول هذه الأفكار؟ هنا ينبغي الانتقال من التحليل السياسي إلى التحليل السوسيولوجي. فالأفكار لا تُقاس دائماً بمنطقها الداخلي، وإنما أيضاً بالموقع الاجتماعي لمن ينتجها. وقد بيّن عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الحقول الثقافية تعيد إنتاج علاقات السلطة، بحيث تُمنح الشرعية تلقائياً للأفكار الصادرة من المركز، بينما تُقابل الأفكار القادمة من الأطراف بدرجات أعلى من الشك أو الاستخفاف أو المطالبة المستمرة بإثبات مشروعيتها. وهذا ما يفسر جانباً من المقاومة التي واجهها مشروع السودان الجديد. فالكثير من النخب السودانية تعلّمت، وكتبت، ونشرت، وعاشت داخل منظومة الدولة المركزية، حتى عندما عارضتها سياسياً. ولذلك فإنها كثيراً ما تتعامل مع الأفكار القادمة من الهامش باعتبارها مطالب فئوية أو ردود أفعال سياسية، لا باعتبارها إسهاماً نظرياً في إعادة تأسيس الدولة. وهذه ليست حالة سودانية فريدة؛ فقد واجهت أفكار مماثلة مقاومة في الولايات المتحدة خلال حركة الحقوق المدنية، وفي جنوب أفريقيا أثناء مقاومة الأبارتهايد، وفي أمريكا اللاتينية مع صعود أدبيات السكان الأصليين. إن قبول فكرة أن الهامش يمكن أن ينتج نظرية للدولة، وليس مجرد احتجاج على الدولة، يمثل تحولاً معرفياً عميقاً، لأنه يعيد توزيع السلطة المعرفية نفسها، لا السلطة السياسية فقط.
ثامناً: المرأة وقضية المبادئ فوق الدستورية ومن المفارقات أن بعض الناشطات، والمنظمات النسوية السودانية، على اختلاف اتجاهاتها، لم تجعل من المبادئ فوق الدستورية أولوية للنقاش، رغم أن هذه المبادئ تمثل الضمانة الأكثر رسوخاً لحقوق النساء! فالحقوق الدستورية العادية يمكن تعديلها أو تقييدها بالأغلبية السياسية، أما المبادئ فوق الدستورية فتضع حدوداً لا يجوز لأي سلطة أو أغلبية تجاوزها. وهي التي تحمي المساواة وعدم التمييز وحرية المعتقد واستقلال القضاء وحقوق الإنسان من تقلبات السياسة اليومية. ومن ثم فإن تبني، والدفاع عن هذه المبادئ ليس دفاعاً عن فئة بعينها، بل عن الإطار الدستوري الذي يضمن حقوق جميع المواطنين، وفي مقدمتهم النساء والأقليات الدينية والإثنية واللغوية.
خاتمة إن القضية لم تعد اليوم هي ما إذا كان المركز قد انهار بفعل الحرب، وإنما ما إذا كان السودان سيعيد إنتاج المركز القديم في صورة جديدة، أم سيؤسس دولة جديدة تتجاوز البنية التي أنتجت الحرب أصلاً. ومن هنا فإن مشروع السودان الجديد لا يستمد أهميته من كونه خطاباً صادراً من الهامش وحسب، بل من كونه محاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية على أسس جديدة قوامها المواطنة المتساوية، والعلمانية، والعدالة التاريخية، واللامركزية الديمقراطية، والمبادئ فوق الدستورية. وهذه المبادئ لم تُطرح لأنها تعبّر عن مصالح الهامش وحده، بل لأنها تمثل، في ضوء التجارب المقارنة والأدبيات الدستورية المعاصرة، الشروط الضرورية لبناء دولة تتسع لجميع السودانيين وتمنع إعادة إنتاج الاستعمار الداخلي، أياً كان الموقع الجغرافي أو الاجتماعي لمن يتولى السلطة مستقبلاً.
المزيد في مقالنا: درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية؟ ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية الخاصة؟
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|