إعادة حسابات دول الجوار تجاه السودان: قراءة في التحولات البنيوية للأمن الإقليمي كتبه آدم أبكر عيسى

إعادة حسابات دول الجوار تجاه السودان: قراءة في التحولات البنيوية للأمن الإقليمي كتبه آدم أبكر عيسى


07-13-2026, 02:09 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1783904976&rn=0


Post: #1
Title: إعادة حسابات دول الجوار تجاه السودان: قراءة في التحولات البنيوية للأمن الإقليمي كتبه آدم أبكر عيسى
Author: ادم ابكر عيسي
Date: 07-13-2026, 02:09 AM

02:09 AM July, 12 2026

سودانيز اون لاين
ادم ابكر عيسي-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



أصداء الوعي





•من التأزم الداخلي إلى التداعيات العابرة للحدود•

لم تعد تداعيات الصراع السوداني محصورةً في نطاقه الداخلي، بل تحولت إلى متغير مؤثر في معادلات الاستقرار الإقليمي، مما دفع دول الجوار (تشاد، إثيوبيا، أوغندا، جنوب السودان) إلى مراجعة مقارباتها تجاه الخرطوم. إن السودان بموقعه الجيوسياسي الفاصل بين حوض النيل والقرن الأفريقي والساحل يُشكل منطقة عازلة طبيعية؛ وأي فراغ في سلطة الدولة المركزية يحول حدوده الطويلة المتداخلة إلى منافذ للتهديدات غير المتماثلة.

أولاً: تفكك المنظومة الحدودية وتحولها إلى بؤرة أزمات
تحولت الحدود السودانية في سياق الحرب الحالية إلى جروح مفتوحة، تنزف أمنياً وإنسانياً. وتشير المعطيات الميدانية إلى ثلاث ظواهر جوهرية أعادت تشكيل المخاطر الإقليمية:

1.النزوح القسري كعامل ضغط ديموغرافي.تجاوز اللجوء السوداني ثلاثة مليون شخص، مما أعاد توزيع الأعباء على مدن تشادية ومصر وليبيا وأوغندا ورواندا التي تعاني أصلاً من شح الموارد، مما يخلق توترات مجتمعية قد تتحول إلى صراعات على الخدمات والفرص.

2.اقتصاديات الحرب والجريمة العابرة: أدى انهيار الرقابة الرسمية إلى تنامي شبكات تهريب الأسلحة والسلع غير المشروعة عبر الصحراء نحو تشاد وليبيا وإثيوبيا، مما أسهم في إدامة العنف وتمويل الجماعات المسلحة، وحوّل الحدود إلى فضاءات للفوضى الإنتاجية.

3.التأثير المباشر في الأمن القومي للجيران: تواجه تشاد خطر امتداد المواجهات القبلية المسلحة من دارفور إلى أراضيها؛ وقد أدركت أخيراً خطر تواجد قوات أجنبية داخل حدودها بعدما كانت محطة أساسية لمرور الدعم اللوجستي للميليشيات عبر مطار أم جرس. أما إثيوبيا، التي كانت توفر ملاذاً آمناً للميليشيات ومعسكرات لها، فقد راجعت حساباتها مع استعادة الجيش للكرمك وظهور معارضة إثيوبية في شمال إثيوبيا تمثل تهديداً أمنياً لها.

ثانياً: البعد الوجودي والمصالح الحيوية المتقاطعة.
يتجاوز الخوف الإقليمي من انهيار الدولة السودانية كونه مجرد قلق إنساني، ليصبح هاجساً وجودياً يرتبط بهشاشة النظام الإقليمي. ففي أديس أبابا، يُنظر للسودان كحاجز أمام تمدد الجماعات المتطرفة؛ وفي أوغندا، يُقرأ الصراع السوداني باعتباره بؤرة قد تنشط منها خلايا إرهابية جديدة. أما جنوب السودان، الذي يعتمد على خطوط أنابيب النفط العابرة للأراضي السودانية، فيدرك أن أي انهيار مؤسسي في الخرطوم يهدد بوضع حد لتصدير نفطه.

هذا التقاطع في المصالح أنتج إجماعاً ضمنياً على أن أي تسوية سياسية دائمة لا يمكن أن تُستند إلى فرض أمر واقع عسكري من طرف واحد، بل تستلزم تمثيلاً مؤسسياً جامعاً. إن إعادة الاعتبار للدولة السودانية في المحادثات الإقليمية ليس انتصاراً لأجندة فصيل على آخر، بل اعترافاً بأن غياب الدولة الجامعة يفقد الإقليم مرتكز استقراره.

ثالثاً: من حسابات الحرب إلى استباق مرحلة ما بعد الصراع
بدأت عواصم الجوار تستشرف مشهد "ما بعد الحرب"، مدفوعةً بعاملين رئيسيين:

•المصلحة الاقتصادية في إعادة الإعمار: استعداد ضمني للمشاركة في إعادة البناء لضمان ربط السودان بالمنطقة كسوق استهلاكي وممر لوجستي يربط وسط أفريقيا بالبحر الأحمر.

• أمننة الحدود بمفهومها الاجتماعي: يتجاوز تأمين الحدود العمليات العسكرية التقليدية ليشمل استعادة شبكات التواصل الاجتماعي والاقتصادي بين القبائل والأطراف السودانية والدول المجاورة، مما يخلق نسيجاً من المصالح المشتركة يحد من نزعة الصراع.

إن استعادة قنوات الاتصال مع مؤسسات الخرطوم تمثل ضرورة موضوعية لإعادة بناء الثقة، واستئناف الحوار الإقليمي حول قضايا المياه والهجرة والطاقة.
رابعاً: تحول الميزان العسكري وتآكل الميليشيات
أثبتت المعطيات الميدانية خلال ثلاث سنوات أن العقيدة القتالية للقوات المسلحة وقوات المساندة نجحت في قلب المعادلة على الأرض وإعادة تشكيل خريطة العمليات العسكرية، لتفرض واقعاً جديداً على المستويين الجيوسياسي والاستراتيجي الأمني.

وسجّلت الميليشيات في رصيدها الأسود ممارسات وحشية وجرائم حرب وانتهاكات صارخة ضد الإنسانية، مما حدا بالاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية إلى إدراجها ضمن قوائم الجماعات الإرهابية. وهذا التصنيف يشكّل سبباً كافياً للتخلي عن دعمها، إذ تعيق أفعالها التخريبية مشاريع التنمية المستدامة الممولة من الاتحاد الأوروبي، مما يُشعل غضباً شعبياً يُهدد استقرارها. وتضاءل الدعم الذي كانت تحظى به من دول الجوار، فضلاً عن مصادرة أموالها المنقولة، فأصبحت بلا أي ثقل.

•الجوار كامتداد وجودي وليس كخيار تكتيكي•
إذا كانت إعادة الحسابات الحالية لدى دول الجوار تعكس في ظاهرها رد فعل على مخاطر أمنية آنية، فإنها في جوهرها مراجعة جيوسياسية عميقة. لقد أثبتت قيادة الجيش أنها على أساس متين والشعب معها، وقدمت رؤية للحل مما هدى بهم إلى تراجع عن حساباتهم السابقة وتأكدوا أن الميليشيات لا يمكن أن تبني دولة والرهان عليها خاسر.

فالارتداد الأمني والاقتصادي والاجتماعي للصراع السوداني يكشف أن حدود الأمن القومي لهذه الدول تمتد جغرافياً لتشمل استقرار الخرطوم. وإعادة النظر في العلاقات مع السودان ليست انتهازية سياسية، بل هي ناتج حتمي لمعادلة واقعية مفادها أن استقرار المنطقة كل لا يتجزأ؛ فانطفاء جمرة الصراع في الداخل السوداني أصبح شرطاً مسبقاً لاستدامة أي سلام إقليمي.

وكما تقول الحكمة السائدة: نار الجار لا تكتفي بيته، بل تهدد ظلال الجيران جميعاً.