Post: #1
Title: استخدام منصات التواصل لتشويه صورة الشعوب كتبه مها طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 07-13-2026, 02:07 AM
02:07 AM July, 12 2026 سودانيز اون لاين مها الهادي طبيق-Sudan مكتبتى رابط مختصر
ليست المشكلة أن يخرج شخص ليهين شعبًا، أو أن يرد عليه آخر بإهانة مضادة. فالتاريخ الإنساني عرف دائمًا المتعصبين والجهلاء ومحترفي التحريض. المشكلة الحقيقية أن العصر الرقمي منح هؤلاء قدرة غير مسبوقة على احتكار المشهد، حتى أصبح انفعال فرد قادرًا على تشويه صورة شعب كامل، وأصبحت الخوارزميات تملك من النفوذ ما يجعلها تعيد تشكيل تصورات الناس عن بعضهم بعضًا. لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت اقتصادًا يقوم على جذب الانتباه. وفي هذا الاقتصاد لا تُكافأ الحكمة، بل الاستفزاز؛ ولا ينتشر الخطاب المتزن بقدر ما ينتشر الخطاب الصادم.
وكلما ارتفع منسوب الغضب، ارتفعت نسب المشاهدة، وكلما اشتد الاستقطاب، ازدادت قيمة المحتوى بالنسبة إلى المنصة. ولهذا، لم تكن موجة التلاسن الأخيرة بين بعض السودانيين والمصريين سوى مثال جديد على الكيفية التي تستطيع بها منصات التواصل تحويل تصرفات أفراد إلى معركة تبدو وكأنها مواجهة بين شعبين. بدأ الأمر بمقطع متداول تضمّن إساءات عنصرية وجهتها إحدى صانعات المحتوى إلى السودانيين، مستخدمة أوصافًا تحط من الكرامة الإنسانية.
وسرعان ما جاءت ردود مضادة، لم تكتف بإدانة العنصرية، بل وقعت في الفخ ذاته، فاستُخدمت أسماء النساء والأمهات للإهانة، واستُدعيت كرة القدم، وتحولت الهوية الوطنية إلى ساحة لتبادل الشتائم.
في تلك اللحظة، لم يعد أحد يناقش الفكرة، بل أصبح الجميع يتنافس في توسيع دائرة الإساءة. وهنا تكمن خطورة الفضاء الرقمي؛ إذ يختفي الفرد وتظهر الجماعة. خطأ شخص واحد يُحمّل لشعب كامل، ورد فعل حساب مجهول يصبح، في نظر كثيرين، دليلًا على أخلاق ملايين البشر. وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح الضوضاء ممثلة للصمت، ويبدو المشهد وكأن الشعوب كلها تتحدث بهذه اللغة، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا. العلاقات بين الشعوب لا تُقاس بما يتصدر الوسوم، ولا بما تقوله أكثر المقاطع استفزازًا.
فالشعبان السوداني والمصري تجمعهما حياة يومية لا تظهر على الشاشات؛ أسر متصاهرة، وطلاب في الجامعات، وزملاء في أماكن العمل، وجيران، وأصدقاء، وتجارب إنسانية صنعتها سنوات طويلة من التعايش. هذه العلاقات الهادئة لا تتحول إلى "ترند"، لذلك تبدو أقل حضورًا من مشاهد الصراخ، رغم أنها تمثل الواقع الأكثر اتساعًا. ولهذا، فإن أخطر ما تفعله منصات التواصل ليس نشر الإهانة فحسب، بل إقناع الناس بأن الأصوات الأعلى ضجيجًا هي التي تمثل الشعوب. والحقيقة أن دعاة الكراهية، مهما ارتفعت أصواتهم، يظلون أقلية، بينما تبقى الأغلبية منشغلة بحياتها، لا بخوض معارك عبثية مع أشخاص لا تعرفهم ولم تلتقهم يومًا. وقد استوقفتني كلمة "غوريلا"، التي تُستخدم كثيرًا في الخطاب العنصري، وكأن الحيوان مرادف للدونية. والمفارقة أن الغوريلا، وفق ما تقوله الدراسات العلمية، من أكثر الرئيسيات استقرارًا اجتماعيًا، تعيش في مجموعات أسرية متماسكة، وتحمي صغارها، ولا تميل إلى العدوان إلا دفاعًا عن نفسها.
أما الإنسان، الذي يفترض أنه الكائن الأكثر عقلًا، فقد نجح في تحويل الاختلاف في لون البشرة إلى مبرر للاحتقار. ولعل الحيوانات تستحق اعتذارًا من البشر، بعد أن أصبحت أسماءها تُستدعى كلما عجزنا عن إدارة خلافاتنا بلغة تحترم الإنسان. ولم يكن تحويل أسماء الأمهات والنساء إلى أدوات للإهانة أقل بؤسًا. فالمجتمعات التي ترفع الأم إلى مقام الكرامة، ثم تجعل اسمها مادة للسب عند أول خلاف، لا تكشف عن قوة لغتها، بل عن تناقضها. فالإساءة هنا لا تقع على الخصم وحده، وإنما على منظومة القيم التي يدّعي المجتمع الدفاع عنها. القضية، في جوهرها، ليست قضية "غوريلا" أو "فوزية"، وليست خلافًا بين شعبين. إنها قضية وعي رقمي. فإما أن نرفض تعميم أخطاء الأفراد على الشعوب، وإما أن نقبل بأن تكتب أقلية صاخبة صورة ملايين البشر.
سيختفي هذا "الترند" كما اختفت مئات غيره، لكن الكلمات ستبقى في الأرشيف الرقمي، شاهدة على الطريقة التي اخترنا بها أن ننظر إلى بعضنا بعضًا. فإما أن نترك الكراهية تحدد ملامح الشعوب، وإما أن ندرك أن الشعوب أكبر وأعمق وأكرم من أن تختزلها كاميرا هاتف أو تعليق غاضب أو مقطع لا يتجاوز بضع دقائق.
|
|