Post: #1
Title: في ام درمان / كرري انا اصبحت تاجرة كتب وحٌلي وروج واقلام كحل وتخطيط حواجب.. كتبه رندا عطية
Author: رندا عطية
Date: 07-12-2026, 01:15 AM
01:15 AM July, 11 2026 سودانيز اون لاين رندا عطية-الخرطوم-السودان مكتبتى رابط مختصر
حيثُ.. حيثُ تتطاير الدانات فوق رؤوسنا، وتحلق الطائرات الحربية، وتدوي المدافع، وتدور الاشتباكات في الشوارع، وتتناثر رصاصات القناصة، وتقصف المسيرات في العاصمة السودانية الخرطوم في مدينة ام درمان / كر ري؛ التي لم نغادرها انا وغالب اسرتي الممتدة منذ اندلاع الحرب فيها في يوم 15 أبريل 2023م ليوم الناس هذا. في مدينة ام درمان / كرري بدأت هذه الحكاية.. حكايتي في كيف انني اصبحت تاجرة كتب وحُلي وروج واقلام كحل وتخطيط حواجب؛ والتي بدأت في شهر سبتمبر 2025م، في ذاك الصباح الباكر، الذي اتصل علي فيه اخي الاكبر (شيخ احمد عطية)، من بعد عودتنا لمنزلنا الكائن في الثورة الحارة (11) ام درمان / كرري، والذي عدنا اليه من بعد خروجنا منه على عجالة منذ ما يقارب الثلاث سنوات، فرارا ونجاة بارواحنا من الحرب الدائرة في سماء وارض حارتنا. اهه.. اتصل علي اخي الاكبر ( شيخ احمد عطية) في ذاك الصباح الباكر ليخبرني انه بصدد تنفيذ مشروع مكتبة مدرسية، باسعار رمزية دعماً للطلاب والعملية التعليمية، وانه يريدني ان اديرها، وان اخبر (نهى ضيف الله) ابنة خالتي بالامر، لتكون معي في المكتبة. مضيفاً:- وتعالوا علي حالاً. وانا ما صدقت، لينطبق عليّ المثل القائل:(فكوه وطار)، وكيفن ما اطير؟! وانا ما يقارب الثلاث سنوات كانت (دكتورة سارة الطاهر) اختي لاُمي تُخبأني في حرزٍ امين في شقتها الكائنة في ام درمان / كرري؛ خوفاً علي من الحرب، حرصاً منها من ان تمسني شوكة، (سارة الطاهر بت اُمي وصديقة عمري ورفيقة دربي وصخرتي من بعد الله سبحانه وتعالى) والتي ان طالت لخبأتني جوه قلبها. مع العلم ان (سارة) لم تنقطع عن الذهاب إلى عيادتها منذ اندلاع الحرب لـ اليوم. ومن يومها.. اي من يوم مزاولتي العمل بالمكتبة، اصبحت اطير من الساعة الرابعة صباحاً، هي يا يُمه بسم الله اقصد اقول من يومها اصبحت اصحو من النوم الساعة الرابعة صباحاً، متمشية في حوش منزلنا، ناظرة بهيام وشوق للسماء والنجوم والقمر، الذين حُرمت رؤيتهم قرابة الثلاثة سنوات، ومن بعد تنقلي الرابعة صباحاً، بين حيشان وباحات منزلنا، واستنشاقي بعمق هواء الفجر ذو البرودة الكثيفة، الممزوجة برائحة اشجار الحناء المحيطة بـ منزلنا، من بعد ذا، تقافزاً، ابدأ التجهز للذهاب إلى المكتبة، وبحلول الساعة الخامسة والـ 50 دقيقة صباحاً، انساب من منزلنا لـ الطريق، متجهة نحو محطة المواصلات، التي مسافتها من منزلنا نفس المسافة التي ما بين متحف السودان القومي وفندق كورنيثيا، تحفني، ضي القناديل.. في الشارع الطويل، قناديل منازل اهل حارتنا، وترفرف فوق راسي زقزقة العصافير، وحيدة، امس الارض مسا، لكأني بيبي نسر امريكي رفرف لتوه خارج عشه، فيما شفتاي تنفرجان قليلاً عن ابتسامة متحفزة. ومن بعد نزولي من المواصلات، اتسمر مكاني كـ تمثال قُد من صخر لاديم النظر إلى الشمس، التي خوفإ علي وحماية لي حالت (سارة اختي) لمدة سنتين و 7 شهور بيني وبين رؤيتها؛ والتمتع بحرارتها، والتدثر باشعتها. لاتحرك من بعد ذا بعيون ضاحكة، وابتسامة مشرقة، وامشي مشوار طويل حتى موقع الركشات / التوكتوك، في (سوق صابرين)، هو مشوار ضعف مشواري من منزلنا لمحطة المواصلات بمرتين؛ وبحلول الساعة السادسة و 40 دقيقة صباحاً اكن في المكتبة، والتي ما ان اشرع في فتح ابوابها حتى اجد نفسي محاطة بـ طلاب وطالبات العلم والاباء والامهات. علماً انه في الشهرين الاوائل، كانت ابوابها تُفتح بواسطة الاخ (عبده عبد الباقي) الذي التحق للعمل معنا بها. والتي تم الاحتفال بافتتاحها - اي المكتبة - في يوم 2025/11/10، بُعيد سقوط مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دار فور، وذلك من بعد تأجيل يوم افتتاحها المقرر والذي صادف يوم سقوط الفاشر الغالية. ليشيد سكان المنطقة الذين تقاطروا زرافات ووحدانا، شيب وشباب، رجالا ونساء، واطفال نحو الاحتفال مندهشين، مستبشرين، فرحين ومسرورين معبرين وقائلين: كيف انها كفتهم مشقة الذهاب حتى (سوق صابرين)، وكيف انها غيرت من اجواء الحرب التي ما فتأ طائر شؤمها ناشراً جناحيه فوق ديارهم، متوعدا ومهددا لـ حياتهم. وبمرور الايام، ومع اضطراد حركة البيع والشراء، اصبح عالمي ضاج ومليء بـ البشر، حيث اتاح لي العمل بالمكتبة ان ارى واشوف واتعرف على ناس ودودين وحلوين ولطيفين وجميلين وراقيين من جميع انحاء السودان الكبير، ناس من مختلف ملل وثقافات شعوب السودان؛ من نساء ورجال، وشباب وشابات، واباء وامهات والذين توطدت علاقتي بهم وتوثقت حتى قاربت ان اقترح على اخي (شيخ احمد عطية) ان يُعيد تسمية المكتبة، ليُصبح اسمها (مكتبة العائلة). وكيف لا يصبح ذا اسمها؟! وهم من شاركوني بمحبة وثقة مشاكلهم وهمومهم وضغوط الحياة عليهم وطموحاتهم واحلامهم واتراحهم وافراحهم ومناسبات زواجهم ونجاحاتهم وانجازاتهم. وكيف انني بحنية ومحنة فعلت كل ما بوسعي، وانفقت كل حيلتي، وبذلت كل جهدي لتبديد مشاعر الخوف والتوتر والقلق، التي كانت تجتاح ارواحهم ان سمعوا تهديدا لـ الدعم السريع باجتياح مدينة ام درمان؛ او سقطت دانة، او استهدفت مسيرة جزء من عالمنا البهيج ذا المزدهر والمفعم بالحياة. وانتم ايها القراء الاعزاء والقارئات العزيزات، ما ان احكي لكم عن ما عايشته من حكايات، وما مررت به من مغامرات، ورويت لكم قصص شخصيات التقيتها في المكتبة، او في الطريق للمكتبة؛ واحدثكم عن الفعاليات التي اصبحت اقيمها في المكتبة؛ ستدركون لكم هو عالمي في تلكم المنطقة الكائنة في العاصمة السودانية الخرطوم في مدينة ام درمان/ كرري لكم هو عالم يضج حياة وبهجة وجمال. اوه مهلا مهلا على ذكر الجمال فانني احب ان اطمئن اولئك الفنانات التشكيليات، انني متذكرة وصايهن لي بان اوفر لهن بالمكتبة الالوان الزيتية وادوات الرسم تلكم، كما احب ان ابشرهن بانني سانفذ قريباً وعدي لهن بتخصيص جزء من المكتبة لـ ادوات والوان واحتياجات فن الرسم، وانني ان لم اعثر على ما يحتاجهن هنا في مدينة ام درمان / كرري، ح اخطف رجلي لـ القاهرة واحضره لهن على حسابي الخاص. اما علاقتي بالاطفال الذين نشفوا ريقي بطلباتهم، فهي وصلت لدرجة انه بعضهم لو كانوا ذاهبين للدكان او المخبز هتفوا بي في غدواهم ورواحهم بضحكة رنانة إزيييك.. وبعضهم يقتحمون علي المكتبة ليقولوا لي برضو بسعادة غامرة إزيييك.. وانا بضحكة عالية نابعة من القلب اجيبهم: حبايبي انا.. انا الحمد لله بخير.. انا بخير حبايبي انا. ونتيجة لتنامي المكتبة، بت في حركة دائبة، ودخلت في دوامة مشاوير بين المكتبات والاسواق (سوق صابرين)، (سوق ام درمان) وفي 8 يناير 2026م وصلت قريباً قريباً من تخوم (السوق العربي) في الخرطوم، مع نشاط وسرعة في الحركة، جعلتني استعيد حيويتي وعادتي في النزول هرولة من حافلة المواصلات قُبيل توقفها. بالمناسبة الاسواق دي انا بقطع فيها مسافات شاسعةعلى قدماي. ليصبح من بعد ذا منظري مالوفاً لاهل المنطقة، وانا احمل اكياس كبيرة وثقيلة ومليئة بالادوات المكتبية ولعب الاطفال، وبما انه مشروع المكتبة في بداياته، فكنت احرص ما اكون على استقلال المواصلات العامة باكياسي هذه بدلاً من تأجير ركشة؛ حتى لا احمل زبائني الاطفال قيمة الترحيل، وابيع لهم الالعاب باسعار زهيدة، فهدفي الاول والاخير هو اخراج الاطفال، من اجواء الحرب، والحفاظ على صحتهم النفسية وحمايتها، وتزيين عالمهم بالبهجة والسعادة. اهه في يوم، وانا جالسة في المكتبة، متأملة في محتوياتها، من كتب مدرسية، الةتصوير، آلة تغليف، ادوات مكتبية، العاب اطفال ولاب توب قابع امامي على المكتب، تجاوره رواية لـ (اورهان باموق)، ومع استقرار نظري على ادوات مكياجي، المتناثرة فوق المكتب، غشت قلبي موجة غامرة من السعادة، خاطبت اثرها نفسي بشيطنة وشقاوة بان: انتي يا بت يا رندا عطية لم لا تتقاسمي هذه السعادة مع نساء الحرب في ام درمان / كرري؛ وذلك بقيامك بحضهن وتحريضهن وتحرشيهن على الاقبال على الحياة والتمسك بها والتجمل لها، لاسارع بمهاتفة اخي قائلة له: - يا احمد انا اريد ان اُنشيء تجارة خاصة بي. فهل في امكانية اخصص جزء من المكتبة لـ الكتب في شتى انواع المعرفة، والزينة والحُلي النسائية وادوات التجميل على حسابي الخاص؟ ومع رده لي بان: - ايوه ممكن. تمتمت بضحكة مكتومة: امانة يا المكتبات ومحلات الحُلي والزينة وادوات التجميل امانة ما جاكم بلا. لانخرط اثر ذلك في تجارة الكتب والحُلي والروج واقلام الكحل وتخطيط الحواجب في ام درمان / كرري. ومن بعد افتتاح المكتبة، اصبح دوامي يمتد من الصباح الباكر لـ المساء، فكما تعلمون ان اي مشروع في بداياته يحتاج لاهتمام ورعاية وعناية الام بـ وليدها.. وبالنتيجة تمددت وامتدت ساعات عملي في المكتبة لتبلغ الـ (16) ساعة في اليوم وو.. وعند الساعة الثامنة مساء اكن مخترقة ظلمة الليل، متجهة لـ المنزل من محطة المواصلات التي المسافة ما بينها وبين منزلنا نفس المسافة التي ما بين متحف السودان القومي وفندق كورنيثيا؛ تحفني، ضي القناديل.. في الشارع الطويل، قناديل منازل اهل حارتنا، يلفني سكون الليل، وحيدة، امس الارض مسا، لكأني نسر امريكي ناشرا اجنحته، محلقا عائدا لـ عشه، فيما تعلو شفتاي ابتسامة غامضة.
عنقاء النيل السبرانية رندا عطية جمهورية السودان 🇸🇩 ولاية الخرطوم / ام درمان - كرري الجمعة 2026/7/10 ميلادية randaattia171@gma
|
|