مذكرات الباشكاتب: قبل سبعين عاما: (كاتب بخرات) بالشكينيبة كتبه الصادق عباس (سماالنّور)

مذكرات الباشكاتب: قبل سبعين عاما: (كاتب بخرات) بالشكينيبة كتبه الصادق عباس (سماالنّور)


07-09-2026, 03:08 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1783606139&rn=0


Post: #1
Title: مذكرات الباشكاتب: قبل سبعين عاما: (كاتب بخرات) بالشكينيبة كتبه الصادق عباس (سماالنّور)
Author: الصادق عباس
Date: 07-09-2026, 03:08 PM

03:08 PM July, 09 2026

سودانيز اون لاين
الصادق عباس-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



قبل أن أعمل كاتبا بمجلس المدينة ب ٢٤ القرشي
وقبلها "كاتب ماركة" بالماطوري
عملت "كاتب بخرات" بالشكينيبة
عند أبونا الشيخ عبد الباقي
كان الناس يأتون من كل حدب وصوب
لمقابلة سيدي الشيخ
لكي يدّيهم الفاتحة (يدعو لهم)
ولكي يعزم لهم، ويعطيهم محايا أو بخرات
أو يعمل لهم حِجبات
مثلا ممكن أن يأتي أناس من الدويم أو من الحَمرة
فيحضرون مريضا لكي يعزم له الشيخ
مع أن السفر كان صعباً، بالحمير أو الجمال
وكنت أنا من ضمن الفقرا - الأولاد - الذين يكتبون البخرات
فقد كان أبي أحد حيران الشيخ المعروفين
وكانت له علاقة بأسرة الشيخ
فعُمَر ابن سيدي الشيخ وأبي كانوا "عُدَلا" (متزوجين أخوات)
كان الشيخ يلبس عرّاقي بدون جيوب ويجلس علي كَكَر
والككر يشبه العنقريب لكنه مربع
وكنا نجلس تحته محيطين به
كان الزوّار والمرضي يعطونه بياضا
ولكن الشيخ لا يأخذ النقود بيده وإنما يضعونها له في عِبِّهِ
وحتي عندما يقوم الشيخ -للفطور مثلا- ما كان يلمس القروش
وإنما كان يستند علي شِعبته باليمين
وينفض طرفه بالشمال، فتتطاير النقود بعيدا
ويدخل سيدي خلوته
وننكب نحن علي القروش، نجمعها
وأذكر ذات مرة أن رجلا من المريدين
جاء وقال أنه يريد أن يفطر مع الشيخ
فنصحه الفقرا أن يذهب إلى الديوان (التكّية)
فأصر أن يفطر مع الشيخ
فأدخله الشيخ الخلوة
وكان بها عنقريب فقط بدون فرش أو مخدة
ولمّا جاء فطور الشيخ وكان عبارة عن قَرعَة بها شراب
فأشار الشيخ أن يعطوها للرجل كي يشرب
فما ان رشف الرجل منها رشفة حتي بصقها
كان فطور الشيخ عبارة عن قرض منقوع لمدة يومين
وبعد ذلك قام الفقرا فساقوا الرجل إلي التكية
دائما ما كانت الوجبة كسرة (عصيدة) و ملاح تقليّة بـِ شرموط
كانت الكسرة تصنع في صاج كبير مقعّر
وكان عدة رجال يقومون بِـ "كجّ" الكسرة بالعَوّاسات
والعوّاسة طويلة تشبه الملود
ولم تكن تتوفر في ذلك الزمان صواني أو صحون
كان يؤتي بالكسرة في قدح من الخشب له "خُروز": أخرام يُحمل بها
ويُصب الملاح بـِ "المُكمَامة"
وكانت الكسرة والملاح متوفرة بالتكيّة ٢٤ ساعة
وكان مما يتردد من الشعر:
(وِكتَ الناس بِباروا لي الفَقُّوس
أبو عمر جَرجَر قَدَحو أبو خُروس)

بعد الفطور كان الشيخ "يُسدّد":
يدخل خلوته ولا يخرج إلا للصلاة
ولكن أثناء تسديد الشيخ
كنا نقوم ببيع البخرات
وعلي ما أذكر كانت البخرة ب ٥ قروش
والبخرات والمحايا والحجبات
كانت عبارة عن آيات قرآنية
ولكنها كانت تكتب حسب توجيهات الشيخ
فمثلا يقول: أكتب يا الصادق آية الرحمن: (يُرسل عليكما)
فأكتب في ورقة البخرة: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران)
ولا أزال أكتبها حتي يأمرني بكتابة آية أو آيات أخري
وكنت أكتب بخط النسخ وبحروف واضحة منقطة
فإذا فتح أحد البخرة يستطيع قراءة الآيات بسهولة
ولكن كتابة الشيخ وبعض الفقرا
كانت من غير تنقيط، يصعب قراءتها.
ولكن الشيخ لم يكن يكتب كثيرا
كان الفقرا الحيران هم من يكتبون كل شيء
معظم الزوار كان الشيخ فقط يعطيهم الفاتحة
وحتي الآن أتذكر فاتحة شيخ عبد الباقي
التي تنتهي غالبا بتصفيقة خفيفة بعدها يُنزل يديه بسرعة
كان الناس يأخذون كذلك ماء الحفير والزُّوارة (طين الحفير)
كان الناس يتعافون ويأتون ليشكروا الشيخ
لا أتذكر كم المدّة التي قضيتها أكتب البخرات بالشكينيبة
ولكني لم أكن بالشكينيبة حينما توفي الشيخ
وكان ذلك بعد مغادرتي لها بفترة ليست بالطويلة


المذكرة السابقة:
مذكرات الباشكاتب: (حلة جَبرة) ما قبل الاستقلال، مَعَتوق (غربي الجزيرة) كتبه الصادق عباس (ود سماالنور)
مذكرات الباشكاتب: (حلة جَبرة) ما قبل الاستقلال، مَعَتوق (غربي الجزيرة) كتبه ال...(ود سماالنومذكرات الباشكاتب: (حلة جَبرة) ما قبل الاستقلال، مَعَتوق (غربي الجزيرة) كتبه ال...(ود سماالنو