مذكرات الباشكاتب: (حلة جَبرة) ما قبل الاستقلال، مَعَتوق (غربي الجزيرة) كتبه الصادق عباس (ود سماالنو

مذكرات الباشكاتب: (حلة جَبرة) ما قبل الاستقلال، مَعَتوق (غربي الجزيرة) كتبه الصادق عباس (ود سماالنو


07-08-2026, 12:52 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1783511531&rn=0


Post: #1
Title: مذكرات الباشكاتب: (حلة جَبرة) ما قبل الاستقلال، مَعَتوق (غربي الجزيرة) كتبه الصادق عباس (ود سماالنو
Author: الصادق عباس
Date: 07-08-2026, 12:52 PM

12:52 PM July, 08 2026

سودانيز اون لاين
الصادق عباس-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



كان بيتنا بحلة جبرة بمعتوق، غربي الجزيرة، شرق النيل الأبيض
وكانت "بلادنا" شمال حلة بابكر
وكانت تسمي ب "النجاضة"
وكانت الحياة صعبة وسهلة في آن واحد
لم تكن الكهرباء قد دخلت بعد
ولذلك كانت صفيحة الجاز بستين قرش
أغلي شيء كان الجاز والسكر
ولم تكن هناك طواحين
وكانت عملية طحن العيش صعبة جدا
وكانت تقوم بها النساء عبر حجارة المرحاكة
من حجر "الدرّاش" إلي حجر "الطحّان"
وبعداك المرأة تقوم من المرحاكة "لتقع" في الدوكة
وربما لهذا كانت أمهاتنا "مسكينات"
لم يكن لديهن طاقة للمجادلة والمناقرة
ولكن مع ذلك كانت الحياة سهلة
لأن كل شيء كان متوفرا
يعني كل ما نحتاجه في حياتنا اليومية متوفر
كان لأبي مطمورة كبيرة دائما ما تكون ملآي بالعيش (الذرة)
وكان لدينا كم "سويبة"
نخزن فيها العيش والويكة واللّوبا
والسويبة مثل البرميل تصنع من بَعَر البقر
وكنا قريبين من سوق معتوق
وانا اتخيل نفسي قادم مع أبي من السوق
ونحن نجر علي الأرض سمكة كبيرة (بحبل)
ونحمّر لحم السمكة في صاج كبير
ونغرف من الصاج في قدح من الخشب
ونظل نأكل في السمك لعدة أيام
وبعد أكل السمك ممكن نشرب غباشة من السِعِن
ولا يصيبنا شيء
-دلوقت يقول ليك: "أكلت طعمية مع طحنية ..
جاني مغص" !!!-
ولم تكن في زماننا (ثلاجات)
ومع ذلك لم تكن هناك أمراض
حتي أنهم يؤرخون ب...
(سنة فلان التي مرض فيها)
وكان سوق معتوق سوقا كبيرا خاصة ايام السوق،
يومي الإثنين والخميس علي ما اذكر
وكانوا يأتون إليه من كل القري المحيطة
حتي من ٢٤ القرشي جهة الشرق
ومن قري النيل الأبيض جهة الغرب

الزراعة مهنة تحتاج لصبر طويل وبال واسع
وكان الناس يشعرون بأن المستعمر يظلمهم
لأنه كان المستفيد الأكبر، مع أنهم (أهل الجلد والراس)
كان أبي لديه ميل للعمل بالتجارة
فقد كان لديه حمار عاتي يسمي "مُدَارِك"
وكان الحمار الجيّد مقيما كالعربة في هذا الزمن
وكان أبي يضع علي مدارك خُرجين
يملأهما سكر وشاي وبن وبهارات .. الخ
ويلف القري المجاورة
وكان أخواي الأكبران لديهما خبرة في بناء القطاطي
وكنت أعمل معها، أجلب لهما الماء بالخُرُج
وكانت هذه المهنة عائدها أكبر وأسرع
أذكر أننا كنا نبني القطية الواحدة ب ٣ جنيهات ونصف
وهذه كانت أموال كتيرة،
أكتر بكثير من عائد الزراعة
ولم يكن للخواجا فيها أي نصيب !!
وكانت مهنة مزدهرة
فالناس كانوا يأتون من كل مكان في السودان
ليعملوا في مشروع الجزيرة
وكان البنائين يتم حجزهم حجزا
وأتاحت لنا المهنة التنقل في ربوع الجزيرة والنيل الأبيض:
أنا أصلا مولود بقرية نِعيمة بالنيل الأبيض
ثم تنقلنا بين تقرع أب حلقة ود حرازة الحِميل
المناقل الشكينيبة أم حجار المكاشفي
الحوش شبونة اب قمري ود نعمان ..الخ
كل السكن في قري الجزيرة كان قطاطي
الأوضة المربعة ذات الحيطان الأربعة
كانت قليلة جدا
فمع أنها كانت تبني من الجالوص
وبدون نوافذ .. مجرد مناور في الأعلي للتهوية
لكن كان سقفها مكلف:
عيدان ومِرِق وحصير .. الخ
ولذلك كانت البيوت باردة
الناس يعملون في حواشاتهم
في الصباح وفي العصريات

ولأنني كنت متعلما: أكتب وأقرأ
جاءتني فرصة عن طريق أحد الزملاء في قرية الرّخا
الفرصة كانت عامل "موارك" بالمشروع
فقلت في نفسي:
ما المانع من أن أجرب هذه السكة
بدل القومة البدري، خاصة في الشتاء
عشان في البداية تبِلّ الخُرج بالماء
وبعد ذلك يتساقط الماء علي ملابسك
فقبلت بالعمل في طباعة "الماركة" علي الخيش
فقد كان التعامل مع المزارعين
فقط من خلال رقم الحواشة
كانت الأرقام جاهزة في أختام
لكن واجهتني مشكلة في العمل
فالرقم 8 كان مفقودا
ولكنني تغلبت علي هذه المشكلة
فكنت اضع رقم ثلاثة مرتين 33
مع قلب الرقم الثاني ووضعه قريبا جدا من الأول
وأشاد المسؤولون بصنيعي هذا
ومهدّ لي ذلك الطريق
للعمل ككاتب فيما بعد
كان ذلك بمنطقة الماطوري

- يتواصل الحديث - إن شاء الله