Post: #1
Title: تطاول السفهاء على الأدباء كتبه حسين إبراهيم علي جادين
Author: حسين ابراهيم علي جادين
Date: 07-06-2026, 04:50 AM
04:50 AM July, 05 2026 سودانيز اون لاين حسين ابراهيم علي جادين-السودان مكتبتى رابط مختصر
تقول الحكمة: ما تطاول السفيه على الأديب إلا لأن نور الفكر يؤلم عينيه المعتادتين على الظلام. ما أضيق الأفق حين يرتفع صوت السفيه على قامة العالم، وما أشد بؤس الأمم حين يصبح الأدب هدفاً لسهام السفهاء، والعلم موضع ازدراء من أناس لم يذوقوا من المعرفة الا قشورها، ولم يدركوا أن العلماء والأدباء هم المصابيح التي تهدي الإنسانية في عتمات الجهل والتيه. إن شتم الأدباء والعلماء ليس موقفاً فكرياً ولا وجهة نظر، بل هو في كثير من الأحيان صورة من صور العجز الروحي والفقر العقلي، إذ لا يملك الصغير أمام الكبير الا الضجيج، ولا يملك الخاوي امام الممتلئ إلا الحقد، فالعالم يبني العقول والأديب يبني الوجدان، وكلاهما يرفع الانسان من مرتبة الغريزة الى مرتبة المعنى، ومن يهاجم انما يهاجم النور لأنه اعتاد على الظلام. لقد كان العلماء عبر التاريخ ضمير الحضارات، وكان الأدباء لسانها الحي، يسكبون في اللغة روحاً، وفي الحياة حكمة وفي الانسان انسانيته، وما من أمة عظمت الا ورفعت أهل الفكر، وما من أمة انحدرت الا حين استبدلت الحكمة بالصخب، والمعرفة بالسخرية والقراءة بالشتيمة. إن من المؤلم أن ترى بعض الناس يجرؤون على مقام الأدب والعلم دون أدنى معرفة أو انصاف، فيقذفون العلماء بالتهم ويصفون الأدباء بأوصاف سوقية، لا يدركون أن الكلمة الجارحة لا تسقط قدر العظماء بل تكشف ضآلة قائلها، فالقمر لا يضيره نباح الكلاب، والبحر لا تنقصه قطرة ماء والأرض لا تنقصها حفنة تراب. إن احترام العلماء والأدباء ليس ترفاً أخلاقيا، بل ضرورة حضارية. فحين يهان الفكر تهان الأمة كلها وحين يحتقر القلم يسود الجهل ويعلو الضجيج وتضمحل القيم. ما أحوجنا اليوم الى أدب يسمو بالذوق أو علم يوقظ العقول بدل هذا الانحدار الذي جعل بعض الألسنة تتقن الشتيمة أكثر مما تتقن التفكير. سلام على كل أديب حمل وجع الانسان في كلماته، وعلى عالم أفنى عمره ليمنح البشرية نوراً، أما الذين يرمونهم بالحقد والسخرية فسيبقون عابرين في هامش الزمن لأن التاريخ لا يخلد الضجيج بل يخلد أصحاب الأثر. وكل اناء بما فيه ينضح، فالأديب يفيض حكمة، والسفيه يفيض شتيمة، والألسنة السوقية لا تستطيع اسقاط القامات الرفيعة، كما لا تستطيع الريح اقتلاع الجبال. وما أكرم الأديب حين يرتفع وما أحقر السفيه حين يظن ان الوقاحة انتصاراً. فاصلة أخيرة: قال الشاعر إيليا أبو ماضي: إني لأغضب للكريم ينوشه من دونه وألوم من لم يغضب. وقال آخر: ما ضر بحر الفرات يوماً ان خاض بعض الكلاب فيه.
حسين إبراهيم علي جادين
|
|