Post: #1
Title: الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (7-10) الإطار الاستراتيجي ل
Author: حسن علي سنهوري
Date: 07-06-2026, 04:43 AM
04:43 AM July, 05 2026 سودانيز اون لاين حسن علي سنهوري-Sudan مكتبتى رابط مختصر
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (7-10) الإطار الاستراتيجي للاستثمار الزراعي: نحو إعادة الإعمار والسيادة الوطنية الاستثمار المسؤول: كيف يعيد السودان بناء اقتصاده دون إعادة إنتاج الحرب؟ تفكيكُ التجربة الاستثمارية في السودان عبر مقالاتنا السابقة لم يضع اليد على نقص الموارد أو التمويل، بل على اختلالٍ أعمق في إدارة الأرض، وتوزيع العوائد، ومفهوم التنمية ذاته. وقد خلصنا إلى أن فشل القطاع الزراعي لم يكن عارضاً، بل نتيجة حتمية لنموذج استثماري همّش الإنسان وأهمل الريف، مما راكم الهشاشة. اليوم، وبعد أن تحولت هذه الهشاشة إلى حرب شاملة، لم يعد السؤال عن جدوى الاستثمار، بل عن نوع الاستثمار القادر على كسر هذه الحلقة المفرغة؛ فإعادة الإعمار لا يمكن أن تُبنى على أسس الانهيار السابقة، ولن يستعيد القطاع الزراعي دوره إلا بإعادة تعريف العلاقة بين الاستثمار والعدالة والاستقرار. إن الحرب التي عصفت بالسودان ليست حدثاً معزولاً عن مساره الاقتصادي، ولا يمكن فهمها بمعزل عن سياسات إدارة الموارد، وعلى رأسها الأرض والزراعة. فالصراع لم ينشأ من فراغ سياسي فحسب، بل من نموذج تنموي مختلّ حصر الثروة في أيدي قلة، وترك الريف بلا حماية أو أفق. لقد تعاملت الدولة لعقود مع الاستثمار -لاسيما الزراعي- بوصفه صفقة مالية لا عقداً اجتماعياً؛ فمُنحت الأراضي بعقود طويلة الأجل، وأُقصيت المجتمعات المحلية عن القرار، وتحولت الزراعة من مصدر للعيش إلى ساحة تنافس سياسي واقتصادي. والنتيجة لم تكن نمواً مستداماً، بل هشاشةً انفجرت عند أول اختبار حقيقي. لم يفشل هذا النموذج لقصوره في تحقيق الأرباح، بل لتجاهله الإنسان والبيئة وضرب أسس العدالة. فحين تُنتزع الأرض دون رضا أصحابها، ويُدار الإنتاج بمنطق الاستنزاف، وتُحرم المجتمعات من عوائد مواردها، يصبح الاستثمار عامل توتر لا أداة تنمية. في هذا السياق، يبرز "الاستثمار المسؤول" كإطار عملي لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمستثمر والمجتمع؛ استثمارٌ لا يُقاس نجاحه بحجم رأس المال فحسب، بل بقدرته على حماية سبل العيش، وتعزيز الاستقرار، وبناء الثقة. يكمن الفارق الجوهري بين الاستثمارات التي فشلت في السودان وتلك التي يحتاجها اليوم في الإجابة عن ثلاثة أسئلة سيادية: من يملك القرار؟ ومن يستفيد؟ ومن يتحمل الكلفة؟ فالاستثمار الذي يُفرض من الأعلى أو يُدار بمعزل عن الواقع الاجتماعي قد ينجح على الورق، لكنه يؤول حتماً إلى الفشل على أرض الواقع؛ بينما وحده الاستثمار الذي يحترم حقوق الحيازة، ويُشرك المجتمعات المحلية، ويوازن بين الربح والمسؤولية، يمتلك مقومات الصمود. وفي مرحلة إعادة الإعمار، لا يمكن فصل الاستثمار عن بناء السلام؛ فالسلام لا يُبنى بالاتفاقات السياسية فحسب، بل بمعالجة الجذور الاقتصادية للعنف. وحين تتوفر فرص العمل اللائق في الأرياف، وتُستعاد سلاسل القيمة الزراعية، ويوقن الشباب أن الإنتاج يوفر مستقبلاً أفضل من السلاح، تتقلص احتمالات العودة إلى الصراع. كما لم تعد العلاقة بين الاستثمار والبيئة مسألة ثانوية؛ إذ أسهم تدهور الأراضي وسوء إدارة المياه وتغير المناخ في تأجيج النزاعات على الموارد. لذا، فإن الاستثمار الذي لا يحمي الأرض اليوم يزرع بذور صراعات الغد، في حين يسهم الاستثمار الذي يعيد تأهيل الموارد الطبيعية ويعزز القدرة على التكيف في تحقيق الاستقرار طويل الأمد. إن الانتقال إلى هذا النموذج يتطلب مراجعة جذرية لدور الدولة، فالدولة ليست مجرد وسيط لتوقيع العقود، بل هي الحارس الأمين للمصلحة العامة، وهذا يقتضي شفافية في إدارة الأراضي، ومساءلة في العقود، وآليات تضمن عدالة توزيع العوائد؛ فغياب الحوكمة لم يكن خللاً إدارياً فحسب، بل كان أحد المحركات الأساسية للصراع. ولا يمكن تجاهل دور صغار المنتجين الذين ظلوا لعقود خارج معادلة الاستثمار رغم كونهم العمود الفقري للأمن الغذائي. لذا، لا ينظر الاستثمار المسؤول إليهم كعبء، بل كشركاء يعمل على دمجهم في سلاسل القيمة، وتيسير وصولهم إلى التمويل والتقنية والأسواق. أما المستثمرون الجادون فيدركون أن الاستقرار الاجتماعي شرط أساسي للربحية، وأن احترام المجتمعات المحلية ليس تكلفة إضافية بل ضمانة للاستدامة؛ فالمشاريع التي تحظى بالقبول المجتمعي وتخلق قيمة محلية هي الأكثر قدرة على الاستمرار، والأقل عرضة للنزاعات. ولا يقلّ دور المجتمع المدني والمنظمات المهنية أهمية في هذا التحول؛ فهي قادرة على رصد الأثر، وبناء الوعي، وتقديم نماذج بديلة تُثبت أن الاستثمار يمكن أن يكون مربحاً وعادلاً في آن واحد. كما يظل دورها في حماية الحقوق وتيسير الحوار بين الأطراف عنصراً حاسماً في بيئة ما بعد الحرب. إن إعادة إعمار السودان ليست مجرد مسألة هندسية أو مالية، بل هي خيار سياسي وأخلاقي؛ فإما أن يُعاد إنتاج اقتصاد الحرب بأدوات جديدة، أو يُبنى اقتصاد يضع الإنسان في جوهره، ويُقدّم الاستثمار المسؤول خارطة طريق واقعية لهذا الخيار. فالاستثمار الذي يفتقر إلى احترام الإنسان وحماية الأرض والمساءلة سيعيد إنتاج الصراع وإن تستر بغطاء الإعمار، أما الاستثمار الذي يوازن بين الربح والمسؤولية، ويحوّل الزراعة من ساحة نزاع إلى ركيزة للاستقرار، فهو وحده القادر على نقل السودان من هشاشة ما بعد الحرب إلى آفاق السلام المستدام.
حسن علي سنهوري مستشار التنمية الزراعية saniali2010@gmail.com
|
|