Post: #1
Title: حين يطرق السودان أبواب العالم فلا يجد جواباً كتبه كمال حامد
Author: كمال حامد بكري
Date: 07-05-2026, 01:46 PM
01:46 PM July, 05 2026 سودانيز اون لاين كمال حامد بكري-Sudan مكتبتى رابط مختصر
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تكون فيها الكارثة في صوت المدافع، بل في الصمت الذي يليها. فالحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تتغير فيها خطوط السيطرة من مدينة إلى أخرى، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لمستقبل دولة بأكملها، واختبار أشد قسوة لقدرة النخب السياسية ( أن كان هناك نخب) على إنقاذ وطن قبل سقوطه في هاوية يصعب الخروج منها. وأي حديث عن تراجع المسارات الدولية أو فتور الاهتمام الدبلوماسي بوقف الحرب، إن صحّ، لا ينبغي أن يُقرأ كحدث معزول أو تفصيل ثانوي. لأن العالم حين يبتعد عن أزمة ما، فإنه لا يفعل ذلك عبثاً. الدول الكبرى لا تتحرك بدافع الشفقة، ولا تستثمر وقتها وجهدها في ملفات بلا أفق سياسي واضح. وهنا يبدأ السؤال المؤلم: من أوصل السودان إلى هذه المرحلة؟ في الداخل السوداني تتنامى أصوات سياسية ترى أن حكومة الأمر الواقع، والتي تقع تحت تأثير مباشر للحركة الإسلامية، تتحمل مسؤولية سياسية مهمة عن حالة الانسداد الحالية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن العقلية التي أدارت الدولة لسنوات طويلة، والقائمة على الصراع والاستقطاب والتمكين والإقصاء، لم تغادر المشهد، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة. المشكلة ليست في الانتماءات السياسية وحدها، بل في الفكرة ذاتها: فكرة أن الوطن يمكن أن يُدار لصالح تيار واحد، وأن الدولة يمكن أن تتحول إلى أداة لخدمة مشروع سياسي بعينه. لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه التجارب من قبل، ودفعوا أثماناً من اقتصادهم ووحدتهم الوطنية وعلاقاتهم الخارجية ومستقبل أجيال كاملة. واليوم يبدو المشهد وكأنه يعيد نفسه بصورة أكثر قسوة. من السهل إلقاء اللوم على الخارج واتهام المجتمع الدولي بالتخلي عن السودان، لكن من الصعب الهروب من سؤال الداخل. لأن العالم لا يغلق الأبواب عادة في وجه الدول المستقرة سياسياً والقادرة على تقديم مشروع واضح للسلام. العالم يتراجع عندما يرى أن الأطراف المختلفة ما تزال تتعامل مع الحرب باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة، لا باعتبارها كارثة يجب إيقافها. المواطن السوداني لم يعد يسأل من سيفوز بالحرب. المواطن يسأل: من سيعيد له منزله؟ من سيعيد له مدرسته؟ من سيعيد له حياته التي سُرقت منه؟ لقد أصبح السودان اليوم يقف أمام خطر يتجاوز الحرب نفسها؛ خطر أن يصبح النزيف أمراً عادياً، وأن تتحول المأساة إلى خبر يومي عادى وأن يعتاد العالم على رؤية السودان بلداً غارقاً في أزماته. والتاريخ لا يرحم. سوف يأتي يوم تُفتح فيه الملفات وتُطرح الأسئلة القاسية: من اختار طريق التسويات؟ ومن اختار طريق السلاح؟ ومن وضع الوطن أولاً؟ ومن وضع مصالحه السياسية فوق مستقبل شعب بأكمله؟ قد يبتعد العالم عن السودان لبعض الوقت، لكن السودان لا يستطيع أن يبتعد عن نفسه. فالأوطان لا تسقط في لحظة واحدة، بل تسقط حين يصرّ البعض على السير نحو الهاوية وهو يعتقد أنه يتجه نحو النصر.
bakrikamal26@gmail.com
|
|