Post: #1
Title: مقهى تكة الاستنارة حضورفى غياب!!!! كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 07-03-2026, 01:29 PM
01:29 PM July, 03 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
الحذاء الذي لم يصل,,, لم يكن يوسف يخاف الهزيمة. كان يخاف أن يسأله أحدهم بعد المباراة: "أين حذاؤك؟" وكان كلما اقترب من الملعب، أحس أن الطريق يزداد طولًا، لا لأن المسافة بعيدة، بل لأن الأرض كانت تحفظ شكل قدميه الحافيتين أكثر مما تحفظه ذاكرته. لم يكن الفقر في حياته جوعًا فقط. كان شيئًا آخر... شيئًا يتسلل إلى النفس، فيجعلها تعتذر عن أحلامها قبل أن تطلبها. كان يلعب الكرة كما يغني العصفور دون أن يتعلم الغناء. إذا وصلت إليه الكرة، سكنت الملعب لحظة، ثم عادت تتحرك وفق قانون جديد لا يعرفه إلا هو. يراوغ لاعبًا، ثم آخر، حتى يصبح المرمى أقرب إليه من قلبه. وكان الصبية يهتفون باسمه، بينما كان هو ينظر إلى قدميه. كل خطوة كانت تؤلمه. وكل شوكة تدخل جلده كانت تهمس له: "مكانك ليس هنا." وفي المساء، كانت أمه تغسل قدميه بالماء الدافئ. لا تتكلم. فالأمهات يعرفن أن بعض الجراح تخجل من الكلام. أما أبوه، فكان يعود من عمله متعبًا، يضع ما بقي من أجره فوق المائدة، ثم يحسبه مرة، ويعيد حسابه مرة أخرى، كأنه ينتظر أن تتكاثر النقود ضيقا من فقره. وذات ليلة، قال يوسف بصوت خافت: "أبي... أحتاج إلى حذاء." رفع الأب رأسه. ولم يجب. كان الصمت في تلك اللحظة أبلغ من الاعتذار. في الصباح التالي، باع الأب ساعته القديمة. كانت آخر ما ورثه عن أبيه. وحين قبض ثمنها، اكتشف أن الزمن أصبح أغلى من أن يُباع، وأرخص من أن يشتري حذاءً جيدًا. اشترى حذاءً مستعملًا. كان ضيقًا. لكنه أخفى دموعه وهو يقدمه إلى يوسف. أما يوسف، فقد احتضنه كما يحتضن طفل لعبةً طال انتظارها، ولم يخبر أباه أن الحذاء يعصر قدميه كأنهما بين حجرين. كان يخشى أن يجرح قلبًا يعرف أنه مجروح أصلًا. جاءت بطولة المحافظة. وجاء معها رجل أنيق يحمل دفترًا صغيرًا. قال الناس إنه يبحث عن موهبة تأخذها الأندية الكبيرة. ومنذ أن لمس يوسف الكرة، بدأ الرجل يكتب. كان يكتب كثيرًا. حتى ظن يوسف أن مستقبله صار مكتوبًا هو الآخر. وفي الدقيقة الأخيرة، انفرد بالمرمى. كانت الجماهير واقفة. وكان الحلم يركض أمامه. لكن الحذاء الضيق خان القدم. اختل توازنه. وسقط. وسمع صوتًا داخله لم يسمعه أحد. لم يكن صوت العظم. كان صوت الحلم وهو ينكسر. قال الطبيب بعد أيام: "قد يعود إلى المشي... أما الكرة، فلا أستطيع أن أعده بشيء." خرج يوسف من المستشفى وهو يشعر أن الناس جميعًا يسيرون إلى الأمام، بينما الزمن وحده يدفعه إلى الخلف. صار يعمل في ورشة للنجارة. وكان يصنع أبوابًا لبيوت الآخرين. وفي كل باب ينجزه، كان يشعر أن بابًا آخر قد أُغلق في حياته. لم يكن يؤلمه أنه لم يصبح لاعبًا مشهورًا. كان يؤلمه سؤال واحد. ماذا لو؟ ماذا لو امتلك حذاءً مناسبًا؟ ماذا لو لم يكن الفقر أسرع من الموهبة؟ ماذا لو جاءت الفرصة قبل الحاجة؟ أسئلة صغيرة... لكنها كانت تعيش في صدره كأشجار لا تكف عن النمو. بعد سنوات، مرّ بجوار ملعب الحي. رأى طفلًا يراوغ الجميع حافي القدمين. توقف. ظل ينظر إليه طويلًا. ثم خلع حذاءه، ووضعه أمام الطفل، وقال مبتسمًا: "لا أريد أن أعرف كم هدفًا ستسجل... أريد فقط ألا تخسر حلمك للأسباب نفسها التي خسرتها أنا." نظر الطفل إليه في دهشة، ثم إلى الحذاء، ثم ركض نحو الملعب. وبقي يوسف وحده. رفع عينيه إلى السماء، ولم يشعر للمرة الأولى أنه يبكي على نفسه. كان يبكي على آلاف الأطفال الذين لن يعرفهم أحد. ليس لأنهم بلا موهبة... بل لأن الفقر كان أسرع من أحلامهم. وعندها أدرك الحقيقة التي ظل يهرب منها عمرًا كاملًا: لم تكن المعاناة هي التي صنعت ما كان فيه من جمال. لقد صنعته الموهبة. أما المعاناة... فقد قضت عمرها كله تحاول أن تقتلها. يقولون: #المعاناة_تولد الابداع ،،،،،
|
|