Post: #1
Title: بين ضفاف البحيرة وصحراء الخوف (2/3) في البلاد التي يذبل فيها الخيال كتبه الوليد ادم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 07-03-2026, 02:30 AM
02:30 AM July, 02 2026 سودانيز اون لاين الوليد ادم مادبو-السودان مكتبتى رابط مختصر
لم أفهم سؤال زوجتي حين كنا نتحدث عن سنوات الدوحة. قالت، وهي تبتسم:
“أنت تصف تلك السنوات دائماً بأنها سنوات القحط… مع أن كثيرين يحلمون بالحياة هناك. لماذا؟”
ترددتُ لحظة، ولم أجب يومها. لأن الإجابة لم تكن جملة قصيرة، وإنما كانت هذه السلسلة التي اكتبها اليوم من ثلاث حلقات وسنوات خلت.
لم يكن الأمر أنني كنت أكره الدوحة، ولا أنني أنكر ما وجدته فيها من أمنٍ ورخاءٍ واحترامٍ للنظام. فمن الظلم أن يحمل الإنسان مدينةً وزر ما هي ليست مسؤولة عنه، كما أن من السذاجة أن يختزل المدن في أبراجها وطرقاتها وحسابات دخلها. فالمدن، في نهاية المطاف، ليست إسمنتاً وزجاجاً، وإنما مناخاتٌ تُربّي الأرواح كما تُربّي الأجساد. وقد كنت أشعر، عاماً بعد عام، أن شيئاً في داخلي يذبل بصمت؛ لا لأن الحياة كانت قاسية، بل لأنها كانت ناعمة أكثر مما ينبغي، حتى غدت النعومة نفسها غطاءً كثيفاً يحجب عن الروح خشونتها الضرورية.
كنت أخرج كل صباح، فأرى المدينة في هندسة جميلة. شوارع نظيفة، وحدائق لا تخطئها العين، وخدمات تكاد تبلغ حد الكمال. غير أنني كنت أعود آخر النهار بإحساس غريب، كأنني تجولت داخل لوحة مرسومة بإتقان، لا داخل مدينة تنبض بالحياة. كان كل شيء في مكانه، إلا الفوضى الصغيرة التي تولد منها الأفكار، والصدفة العابرة التي تصنع الحكايات، والاحتكاك الإنساني الذي يجعل المدينة أكثر من مجرد مساحة منظمة للسكن والعمل.
وربما بدأ ذلك الإحساس يتضح لي حين لاحظت أن المدينة، على الرغم من كثرة جنسياتها، لا تعرف الاختلاط الحقيقي. كانت الجاليات تتجاور، لكنها لا تتداخل؛ تعيش فوق الأرض نفسها، لكنها تحمل عوالم منفصلة، لكل منها مطاعمها، وأعيادها، وأحاديثها، ودوائرها الاجتماعية المغلقة. لم يكن بين الناس عداء، لكنه لم يكن بينهم ذلك الفضول الجميل الذي يجعل الإنسان يخرج من نفسه ليتعرف إلى الآخر.
كان الجميع يمرون بجوار بعضهم بعضاً، كما تمر القطارات على خطوط متوازية لا يلتقي أحدها بالآخر.
هناك أدركت أن التعدد لا يصنع التنوع بالضرورة، وأن التعايش ليس هو الحياة المشتركة. فقد يستطيع الناس أن يسكنوا المدينة نفسها سنوات طويلة، دون أن ينسجوا فيما بينهم خيطاً واحداً من الذاكرة. وحين تغيب الذاكرة المشتركة، يغيب معها الحوار، ويصبح المجتمع مجموعة جزر متجاورة، لا أرخبيلًا واحداً.
ولأن المؤسسات ليست سوى صورة مصغرة للمجتمع، فقد وجدت المشهد نفسه يتكرر داخل بيئة العمل. لم يكن ينقص الناس الذكاء، ولا الكفاءة، بل كانت تنقصهم الجرأة على امتلاك أفكارهم. كم من فكرةٍ وُلدت في مكتب موظف، ثم صعدت سلّم الإدارة، حتى عادت في اجتماع رسمي وهي تحمل اسماً آخر، وصاحباً آخر، وتوقيعاً آخر. لم يكن أحد يحتج، ولم يكن أحد يستغرب. كان الجميع يتصرفون كأن هذا هو النظام الطبيعي للأشياء، وكأن الأفكار، مثل الأنهار، لا يحق لها إلا أن تنتهي عند البحر، مهما كان منبعها.
في البداية كنت أظن أن المشكلة أخلاقية؛ ثم أدركت أنها أعمق من ذلك. فحين يعتاد الإنسان أن يخفي فكرته، أو يتنازل عنها، أو ينتظر من يمنحه الإذن كي يعبر عنها، فإن الخسارة لا تصيب الفكرة وحدها، بل تصيب صاحبها أيضاً. ومع الزمن، يتوقف العقل عن المجازفة، لا لأنه فقد قدرته على الابتكار، وإنما لأنه تعلم أن السلامة أثمن من الإبداع.
وهنا بدأت أفهم طبيعة الخوف الذي يسكن كثيراً من البيئات الريعية المغلقة. إنه ليس خوفاً صاخباً، ولا خوفاً تفرضه القيود الظاهرة دائماً، بل خوف أكثر رهافة وتعقيداً؛ خوف من سوء التأويل، ومن المزاج الإداري، ومن كلمة قد تُفهم خارج سياقها، أو رأي قد يبدل مسار الوظيفة، أو يؤخر الإقامة، أو يغلق باباً لا يريد الإنسان له أن يُغلق. وفي مثل هذا المناخ، لا يحتاج أحد إلى أن يأمرك بالصمت، لأنك تتعلم الصمت وحدك، حتى يصبح عادة، ثم فضيلة، ثم جزءاً من شخصيتك.
ولعل أخطر ما في هذا النوع من الخوف أنه لا يصادر الكلمات بعد أن تُقال، بل يصادرها قبل أن تولد. يصبح الإنسان رقيب نفسه، ملاذ حيطتها، وسجّان خياله. وهكذا لا تموت الأفكار على الورق، وإنما تموت في الرؤوس قبل أن ترى النور.
ثم جاءت نيروبي، ولم تأت بوصفها مدينة مثالية، بل بوصفها مدينة حية. مدينة لا تخجل من تناقضاتها. في شارع واحد ترى العمارات الشاهقة وبيوت الصفيح، ثم ترى المولات والأسواق الشعبية، شرطي المرور، لاعب الأكروبات، وبائع الفاكهة، وعازف الجيتار، وأستاذ الجامعة، وسائق الحافلة، يتقاطعون جميعاً في المشهد نفسه. المدينة لا تخفي اختلافاتها، بل تعرضها كما هي، ولذلك تبدو أكثر صدقاً مع نفسها.
في نيروبي اكتشفت أن الإبداع لا يحتاج إلى مدينة كاملة، بل إلى مدينة تسمح للنقص أن يتكلم، وللخطأ أن يُصحح، وللإنسان أن يختلف دون أن يخشى على رزقه أو مكانته أو كرامته. هناك لم أشعر أن الأفكار تأتي إليّ من الخارج، وإنما شعرت أن شيئاً كان محبوساً في داخلي قد وجد أخيراً منفذاً إلى الهواء.
عندها فقط فهمت رسالة صديقي، وفهمت أيضاً تعجب زوجتي.
لم تكن الدوحة قد سرقت مني القدرة على الكتابة، ولم تكن نيروبي قد منحتني موهبة جديدة. فالموهبة كانت قلقة في مكمنها، لكنها كانت تشبه بذرة ألقيت في تربة لا تعرف الربيع.
وحين انتقلت إلى ضفاف البحيرة، لم تتغير البذرة…
الذي تغير هو الفصل.
ولهذا أقول اليوم إن أخطر ما قد يصيب الكاتب ليس الفقر، ولا المنفى، ولا قسوة الحياة، وإنما أن يعيش طويلاً في مناخ يجعل الخيال يعتذر عن نفسه قبل أن ينطق. فحين يعتاد الإنسان هذا الاعتذار، لا يعود الصمت قيداً مفروضاً عليه، بل يتحول إلى جزء من تكوينه، وتلك هي الهزيمة التي لا يسمع أحد قرقعتها أو صوت وقوعها، لأنها تقع في الداخل، حيث لا شهود إلا الروح.
◦
|
|