أحمد طراوة وكسر عنق الماركسية: لماذا تخفق القراءة الجربندية في تفسير الثورة السودانية كتبه خالد كود

أحمد طراوة وكسر عنق الماركسية: لماذا تخفق القراءة الجربندية في تفسير الثورة السودانية كتبه خالد كود


07-02-2026, 07:12 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1783015955&rn=0


Post: #1
Title: أحمد طراوة وكسر عنق الماركسية: لماذا تخفق القراءة الجربندية في تفسير الثورة السودانية كتبه خالد كود
Author: خالد كودي
Date: 07-02-2026, 07:12 PM

07:12 PM July, 02 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر





2/7/2026 ، بوسطن

عندما يُكسر عنق الماركسية لتبرير سردية سياسية
قرأتُ مقالاً للصديق الدكتور أحمد طراوة بعنوان "دروس 30 يونيو: ضد البلانكية.. ضد التردد والارتباك.. وفي جدل الانتقال بالكتلة الحرجة إلى مربع الكتلة التاريخية". ويطرح المقال قراءة مسار ثورة ديسمبر من منظور ماركسي، مستنداً إلى مفاهيم مستمدة من التراث الماركسي الكلاسيكي، خاصة كتابات ماركس ولينين، مع استخدام مفهوم "الكتلة التاريخية" لدى غرامشي، بغرض تفسير تطور "الثورة السودانية" وتقييم أداء الحزب الشيوعي السوداني وقوى الحرية والتغيير، اوقحت، والتي كان الحزب الشيوعي طرفا فيها اثناء اهم القرارات التي أدت الي الفشل في تقديري.
تتمحور أطروحة صديقنا د. طراوه الأساسية حول عدد من الأفكار، يمكن تلخيصها في الآتي:
- أن اعتصام القيادة العامة مثّل المرحلة الأولى في تكوين "الكتلة الحرجة" الناتجة عن التراكم الثوري، وأنه نجح في زعزعة ميزان القوى وإسقاط رأس النظام.
- أن عدم اتجاه الاعتصام نحو الاستيلاء المباشر على السلطة لم يكن تعبيراً عن تردد، وإنما كان تجنباً واعياً لما يسميه "البلانكية اليسارية"، ويعد ذلك من صواب التقدير السياسي للحزب الشيوعي السوداني
- أن الأزمة الحقيقية بعد سقوط نظام البشير لم تكن أزمة الجماهير، وإنما أزمة القيادة السياسية، وعجزها عن تشخيص التناقض الرئيسي وتحديد معسكر الثورة المضادة.
- أن الجماهير استطاعت، بعد مجزرة الثالث من يونيو، إعادة بناء قوتها السياسية من خلال مواكب الثلاثين من يونيو، بما مثّل إعادة إنتاج "الكتلة الحرجة" للمرة الثانية.
- أن المهمة التاريخية التي أعقبت ذلك كانت الانتقال من مرحلة "الكتلة الحرجة" إلى مرحلة "الكتلة التاريخية" القادرة على حسم ميزان القوى لصالح الثورة!!!
- أن قوى الحرية والتغيير أخفقت في إنجاز هذه المهمة، لأنها لم تمتلك، التأهيل السياسي والثوري اللازم لقيادة الثورة.
- أن الحزب الشيوعي السوداني ارتكب خطأً استراتيجياً باستمراره داخل تحالف قوى الحرية والتغيير بعد يوليو 2019، وأن انسحابه في نوفمبر 2020 جاء متأخراً، بما أتاح لقوى الثورة المضادة استعادة زمام المبادرة.
- وأن المهمة التاريخية للحزب الماركسي، في تقديره، كانت تقتضي الانحياز الكامل للشارع، والانسحاب المبكر من التسوية الدستورية، والاستمرار في الصراع الثوري حتى بلوغ السلطة الشعبية

هذه، في تقديري، هي الأعمدة الفكرية التي يقوم عليها المقال، وقد حرصت على عرضها قبل مناقشتها. غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في النتائج السياسية التي ينتهي إليها الكاتب، ولا في حقه في تقييم القوى والأحداث، وإنما في المنهج الذي اعتمده للوصول إلى تلك النتائج. فالمقال يقدم نفسه بوصفه قراءة ماركسية، لكنه، عند التمحيص، لا يوظف المنهج المادي التاريخي بوصفه أداة لتحليل الواقع، بل يستعير مفردات ماركسية متفرقة ويعيد تركيبها خارج سياقاتها النظرية والتاريخية. فهو يخلط بين مفاهيم تنتمي إلى مدارس مختلفة، ويستدعي نصوصاً كُتبت لمعالجة ظروف تاريخية متباينة، ثم يسقطها مباشرة على الحالة السودانية ميكانيكيا دون إعادة بناء المفاهيم بما يتناسب مع خصوصيتها الزمانية والمكانية...
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فليست القضية أن المقال يختلف في تفسير أحداث ثورة ديسمبر؛ فهذا أمر طبيعي في أي نقاش فكري أو سياسي. وإنما القضية أنه يرفع راية الماركسية، بينما يغادر المنهج الذي يمنحها قيمتها العلمية. فالنتيجة ليست قراءة ماركسية للثورة السودانية، بقدر ما هي سردية نخب سياسية سودانية محافظة لفقت بلغة ماركسية.
منذ الفقرة الأولى يغرق نص طراوه في مفردات مثل "التناقض الأساسي"، و"الثورة المضادة"، و"الكتلة الحرجة"، و"الكتلة التاريخية"، و"قانون تراكم القوى". غير أن كثافة المصطلحات لا تصنع تحليلاً ماركسياً. فالماركسية ليست قاموساً للمفاهيم الثورية، وإنما منهج صارم لتحليل المجتمع والدولة والاقتصاد والطبقات وعلاقات السلطة. ومن هنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى أي نص يدّعي الماركسية ليس: كم مرة استشهد بماركس أو لينين أو غرامشي؟ بل: هل استخدم منهجهم في تحليل الواقع الملموس، أم اكتفى باستعارة لغتهم لتبرير استنتاجات سياسية مسبقة؟

يادكتور طراوه، ماركس لم يبدأ يومًا من الشعارات، بل بدأ من سؤال بسيط: من يملك وسائل الإنتاج؟ كيف تتكون الطبقات؟ كيف تعمل الدولة؟ وما هي المصالح المادية التي تحرك القوى السياسية؟ أما هذا النص الذي كتب بأسلوب اسحق احمد فضل الله لا يقدم أي تحليل للبنية الاقتصادية السودانية، ولا لطبيعة الدولة، ولا للجيش، ولا لاقتصاد الحرب، ولا لتحالفات الرأسمال العسكري والإقليمي. إنه يستبدل التحليل المادي بسردية سياسية جربندية جاهزة، ثم يسميها ماركسية!

والأدهى من ذلك أنه يحول "الجماهير" إلى مفهوم ميتافيزيقي. عند ماركس لا توجد جماهير مجردة؛ توجد طبقات اجتماعية ذات مصالح متعارضة. في الثامن عشر من برومير لم يمجد ماركس الجماهير، بل فكك تركيبها الطبقي، وأوضح كيف يمكن لفئات مختلفة أن تتحرك في اتجاهات متناقضة داخل الثورة نفسها. أما الحديث عن "الجماهير" بوصفها كتلة واحدة واعية دائمًا، فهو أقرب إلى الشعبوية منه إلى المادية التاريخية، ولا ماكده؟
أما الاستشهاد بكومونة باريس فهو نموذج آخر لاستخدام التاريخ "جربنديا". فالنص يصور الكومونة وكأنها سقطت بسبب "البلانكية"، بينما كان الدرس المركزي الذي استخلصه ماركس منها مختلفًا تمامًا وهو كالاتي: الطبقة العاملة لا تستطيع أن تستولي على جهاز الدولة القائم وتستخدمه، بل عليها أن تحطم ذلك الجهاز وتبني سلطة جديدة بدون لف ودوران او عنعنه. هذا هو جوهر الحرب الأهلية في فرنسا. لذلك فإن تحويل الدفاع عن جهاز الدولة الإداري إلى موقف ماركسي ليس سوى قلب كامل لاستنتاج ماركس نفسه...والجدير بالذكر ان الحزب الشيوعي كام متواجد في قحت عندما اتيحت هذه الفرصة!
والأكثر غرابة هو استخدام مفهوم "الكتلة التاريخية". فهذا المفهوم ليس من ماركس أصلًا، بل من غرامشي، وغرامشي لم يقصد به مجرد انتقال من مظاهرة كبيرة إلى تحالف سياسي، ابدا... الكتلة التاريخية عند قرامشي هي مشروع هيمنة اجتماعية وثقافية وسياسية يعيد تشكيل المجتمع كله. أما تحويلها إلى محطة ميكانيكية بين "الكتلة الحرجة" و"السلطة"، فليس سوى تفريغ للمفهوم من مضمونه علي نمط سمك لبن تمرهندي.
ثم تأتي المقارنة بروسيا 1905 لتكشف مزيدًا من الارتباك والتشويش. ياحبيبنا طراره، لينين كان يكرر دائمًا أن "التحليل الملموس للواقع الملموس هو روح الماركسية". فكيف تصبح روسيا القيصرية، وفرنسا القرن التاسع عشر، والسودان بعد الاستعمار، حالات قابلة للقياس المباشر؟ أين خصوصية السودان؟ أين دولة المركز والهامش؟ أين الاقتصاد الريعي؟ أين الذهب؟ أين المليشيات؟ أين البنية الإثنية والدينية؟ وأين حركات الكفإح المسلح؟ استدعاء لينين دون تطبيق منهجه ليس الهاماً له، بل ابتعاد عنه، ولا شنو؟
ويتجاهل نص صديقنا طراوة القضية التي تمثل جوهر الأزمة السودانية: الدولة نفسها- بنيتها. فالسودان ليس مجرد دولة رأسمالية تقليدية دخلت أزمة سياسية، بل هو دولة تأسست تاريخيًا على احتكار السلطة والثروة والثقافة بواسطة مركز ضيق، وعلى استخدام الجيش وأجهزة العنف لإدامة هذا الاحتكار. لذلك لا يمكن اختزال الصراع في خلاف بين "قحت" و"الحزب الشيوعي" أو في توقيت الانسحاب من التحالفات. هذا اختزال سياسي يطمس جذور الأزمة.
والتناقض الداخلي للنص واضح. فهو يمتدح الحزب الشيوعي لأنه لم يتجه إلى "البلانكية"، ثم يعود ليحمله مسؤولية التأخر. فإذا كان الحزب قد أحسن التقدير في أبريل، فلماذا يصبح مخطئًا في يوليو؟ وإذا كان ميزان القوى لم يسمح بالحسم أولًا، فما الذي تغير ماديًا بعد أشهر؟ لا يقدم النص إجابة، لأنه لا يحلل الواقع؛ بل يعيد ترتيب الوقائع لخدمة نتيجة سياسية مقررة سلفًا.
إن أخطر ما في هذا النوع من الكتابات أنه يحول الماركسية من منهج نقدي إلى سلطة لغوية. تصبح النصوص مليئة بلينين وغرامشي وماركس، بينما تغيب المادية التاريخية نفسها. وتصبح المفاهيم أدوات للشرعنة، لا أدوات للفهم، وهذه كهانة منتهية الصلاحية ياطراوه!
كان ماركس يقول إن "الناس يصنعون تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه كما يشاؤون". أما هذا النص فيتصرف وكأن التاريخ يُعاد تشكيله بمجرد إعادة توظيف المفاهيم. وهذه ليست ماركسية، بل مثالية سياسية ترتدي ثوبًا ماركسيًا.
أخيرا:
إن الماركسية يادكتور لا تُقاس بكثرة الاستشهاد بماركس أو لينين أو غرامشي، وإنما بقدرتها على تقديم تفسير علمي للواقع الملموس، واستخلاص برنامج سياسي ينبع من تناقضاته الفعلية. وحين تعجز عن تحليل طبيعة الدولة السودانية، وبنيتها الطبقية، وعلاقات المركز والهامش، والاستعمار الداخلي، واقتصاد الحرب، والتداخل بين السلطة العسكرية ورأس المال، فإنها تفقد جوهرها النقدي، مهما ازدانت بمفردات الثورة.
والأهم من ذلك، أن التحليل الماركسي لا يكتمل بمجرد تشخيص الأزمة، بل يُختبر بقدرته على إنتاج مشروع تاريخي جديد. وهنا تكمن المعضلة. فلم تنجح قوى الحرية والتغيير في تقديم برنامج ثوري يعيد تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة، كما أن الحزب الشيوعي السوداني، لم يطرح هو الآخر مشروعاً متكاملاً يتجاوز أزمة الدولة التي أنتجت الحرب والتهميش والاستبداد. ولا يزال خطابه، يدور داخل أفق الدولة المركزية التقليدية، ويقدم رؤىً ملتبسة أو مؤجلة إزاء القضايا التي أصبحت تمثل جوهر الصراع السوداني، مثل علمانية الدولة، وإعادة تأسيسها على أساس المواطنة المتساوية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية جديدة، والاعتراف بحق تقرير المصير بوصفه أحد المبادئ الديمقراطية التي تطرح نفسها عندما تعجز الدولة عن تأسيس عقد وطني قائم على المساواة.
ولهذا فإن الأزمة ليست أزمة تكتيك سياسي، ولا مجرد خطأ في توقيت الانسحاب من تحالف أو البقاء فيه، وإنما أزمة غياب مشروع ثوري يؤسس لسودان جديد يتجاوز الرؤية التاريخية التي صاغت الدولة السودانية منذ الاستقلال، وهي رؤية ارتبطت، بهيمنة النخب النيلية العربية الإسلامية على تعريف الدولة والهوية والثقافة والسلطة. ومن دون مراجعة نقدية جذرية لهذا الإرث، يظل الخطاب "الثوري ادعاءا"، مهما ارتفعت نبرته، أسير الأفق نفسه الذي يدّعي تجاوزه، ولا شنو؟
ومن هذا المنطلق، فإن المقال لا يقدم قراءة ماركسية لثورة ديسمبر بقدر ما يقدم قراءة نخبة تستعير لغة الماركسية دون أن تلتزم بمنهجها. فهو لا يعيد بناء المفاهيم انطلاقاً من خصوصية الواقع السوداني، بل يُخضع الواقع لمقولات نظرية جاهزة، ويُحمّل النصوص الكلاسيكية ما لم تقله. وهنا يكمن الخلل الحقيقي: ليس في اختلاف الاستنتاجات السياسية، وإنما في التخلي عن المنهج المادي التاريخي نفسه، وتحويل الماركسية من أداة نقد وتفسير إلى قاموس تُنتقى منه المفردات لتبرير مواقف سياسية مشوشة.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)