Post: #1
Title: إلى زعيم البلابسة الفريق ياسر العطا… كم من كلمة قتلت صاحبها! كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 07-02-2026, 12:51 PM
12:51 PM July, 02 2026 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
ولعل الروايات المتواترة تعلّمنا أن الكلمة قد تكون أشد فتكاً من السيوف الصوارم، وأن صاحبها قد يدفع ثمنها حياته حين تُقال في غير زمانها ومكانها أو يتم تحميلها من الدلالات ما يتجاوز مقاصدها. ويحدثنا التاريخ أن أبا الطيب المتنبي، عندما همّ بالفرار من أمام فاتك الأسدي، ذكّره غلامه ألست القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم؟
فلم يشأ أن يناقض أبو الطيب المتنبي شعره، فعاد إلى القتال، وكانت نهايته المأساوية هناك.
وسواء صحت الرواية أم بقيت في إطار المأثور الأدبي واساطير الخيال الشعبي، فإن مغزاها خالد: الكلمة مسؤولية، وقد تتحول إلى قيد على صاحبها، بل وربما إلى سلاح قاتل يرتد عليه. فالسياسي والقائد العسكري، قبل الشاعر، مطالب بأن يزن عباراته وتصريحاته، لأن الكلمة قد تفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها، وقد تُحدث من الأثر ما تعجز عنه البنادق لهذا قيل ان الحرب أولها كلام.
وهنا تنهار المقارنة قبل أن تبدأ؛ فليس كل طموح سواء، ولا كل طامح يدفع الثمن ذاته. فأبو الطيب المتنبي ختم رحلة طموحه بدمه، ولم يطلب من أحد أن يسدّد عنه فاتورة أحلامه وطموحاته.
أما البلبوسي ياسر العطا، فإن طموحه لا يقف عند حدود شخصه، بل تمتد كلفته إلى دماء الأبرياء، حيث يصبح المدنيون عملة غطائها دماء تُدفع في سوق الصراع العبثي، وتغدو الأرواح البريئة هي الثمن الذي يُستوفى كلما ارتفعت أسهم الطموح.
كما أن هذه الحقيقة لا تخص الشعراء وحدهم، بل تمتد إلى الساسة وقادة الجيوش وحتى غمار الناس في حياتهم العادية. فالكلمة التي ينطق بها مسؤول في موقع الفريق أول ليست رأياً عابراً، وإنما موقف تُسجل حروفه في أرشيف الدول، وتقرأه أجهزة الاستخبارات، وتبني عليه العواصم حساباتها.
ومن هنا تبدو تصريحات زعيم البلابسة الفريق ياسر العطا، التي اتهم فيها إسرائيل بالوقوف خلف الحرب السودانية ودعم قوات الدعم السريع، أكثر من مجرد خطاب تعبوي فرضته الحماسة. فهي كلمات خرجت من فم رجل يمثل مليشيا جيش الفلول، ولذلك فإن دولة إسرائيل ستقرأها باعتبارها رسالة رسمية، لا انفعالاً لحظياً عابراً تخص ياسر العطا وحده.
إذا كانت لدى ياسر العطا أدلة تثبت هذه الاتهامات، فإن مكانها الطبيعي هو المؤسسات الدولية والقنوات الدبلوماسية. أما إذا لم تُعرض تلك الأدلة، فإن التصريحات تظل مثار تساؤلات، وتفتح باباً واسعاً للتأويل، وربما لردود أفعال سياسية وربما أمنية لا يحتاج إليها ياسر العطا في خضم حرب عجز فيها عن مواجهة الدعم السريع داخل الحدود، ناهيك من ان يتطاول بكلماته خارج الحدود ويخص بها إسرائيل تحديداً!.
والسياسة، بخلاف الخطابة، لا تُدار بالشعارات والحماسة الزائدة، بل بحسابات دقيقة للمصالح وموازين القوى. والدول الرشيدة تحرص على ألا تضيف إلى معاركها الداخلية خصومات خارجية إلا إذا كانت تملك أسبابها وأدواتها وتعرف كيف تديرها أما إطلاق الكلمات العارية على الهواء الطلق فهذا ما استغلق علينا فك شيفرته.
إن إسرائيل، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع سياساتها، دولة تتعامل بجدية مع ما يصدر بحقها من اتهامات رسمية، وتدرج ذلك ضمن حساباتها الأمنية والدبلوماسية. ولذلك فإن أي تصريح من هذا النوع ينبغي أن يكون موزوناً بميزان الدولة الراشدة، لا بميزان الحماسة والتهور والشخصنة الدون كيشوتية التي لم تقتل ذبابة.
لقد علّمنا المتنبي، بقصته قبل شعره، أن الإنسان قد يصبح أسير كلماته ويكون مقتله بين حروفها. والسياسي، أكثر من غيره، قد يجد نفسه ملزماً بالدفاع عن تصريح أطلقه في لحظة حماسة، حتى وإن فرضت الوقائع لاحقاً مراجعة المواقف والتراجع عما أدلى به من هرطقات. ودولة اسرائيل ليس في قاموسها "مراقة" السياسيين والعسكريين حين يحاولون الفرار من تصريح فرضته الحماسة، " لقد فُهم أو أخرج حديثي خارج سياقه".
لهذا، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت تصريحا الفريق بلبوسي ياسر العطا خطوة محسوبة ضمن استراتيجية واضحة، أم أنها كلمة قيلت تحت تأثير لحظة سياسية عابرة، ثم أصبحت عبئاً على صاحبها وعلى حكومة بورتسودان التي يمثلها؟
ففي نهاية المطاف، قد تُخطئ الرصاصة هدفها، أما الكلمة فلا تتوقف عند لحظة إطلاقها، بل تواصل ارتدادها في أروقة السياسة زمناً طويلاً، وقد يكون صداها أشد أثراً من دويّ المدافع. وياسر العطا، بتلك التصريحات، لم يحفظ لسانه، فصدق فيه المثل الشعبي الدارج: “لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن أطلقته هانك".
Sent from Outlook for iOS
|
|