مبارك أردول ووكلاء الاستعمار الاقتصادي: قراءة في السيطرة على ذهب السودان كتبه خالد كودي

مبارك أردول ووكلاء الاستعمار الاقتصادي: قراءة في السيطرة على ذهب السودان كتبه خالد كودي


07-01-2026, 06:13 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1782926032&rn=0


Post: #1
Title: مبارك أردول ووكلاء الاستعمار الاقتصادي: قراءة في السيطرة على ذهب السودان كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 07-01-2026, 06:13 PM

06:13 PM July, 01 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر





1/7/2026 خالد كودي، بوسطن

تثير عودة مبارك أردول، المدير العام السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية، إلى قطاع التعدين عبر شركة استثمارية خاصة ذات صلات برأسمال مصري، أسئلة جوهرية حول تضارب المصالح، وأخلاقيات الخدمة العامة، وحماية المعلومات الاقتصادية الاستراتيجية للدولة.
فأردول لم يكن موظفاً عادياً في جهاز حكومي محدود الصلاحيات، بل شغل موقعاً مركزياً في واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حساسية: الشركة السودانية للموارد المعدنية. وقد أُعفي من منصبه في أكتوبر 2023 بعد نحو ثلاث سنوات ونصف من العمل في هذا الموقع، وفق تقارير صحفية سودانية.
هذا المنصب أتاح له، بحكم الوظيفة، الاطلاع على خرائط التعدين، ومناطق الذهب، ومسارات الإنتاج، والامتيازات، والشركات العاملة، وحجم الاحتياطات، ونقاط الضعف في الرقابة، والمعلومات غير المنشورة حول المعادن الاستراتيجية. وهذه ليست معلومات شخصية، بل أصول سيادية مملوكة للدولة والشعب السوداني.
من منظور الإدارة العامة، تمثل هذه الحالة نموذجاً واضحاً لما يسمى "الباب الدوار"، أي انتقال المسؤول من موقع حكومي تنظيمي أو إشرافي إلى نشاط خاص في القطاع نفسه. وتعد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تضارب المصالح ينشأ عندما تتداخل المصالح الخاصة مع الواجب العام، خاصة في حالات ما بعد مغادرة المنصب العام
(OECD Legal Instruments)
كما تنص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على ضرورة فرض قيود معقولة على الأنشطة المهنية للمسؤولين السابقين عندما تكون تلك الأنشطة متصلة مباشرة بالوظائف التي كانوا يشرفون عليها.
(UNCAC Coalition)
بناءً على ذلك، فإن دخول أردول وغيره، بعد خروجه من المنصب العام، في إدارة أو شراكة أو تمثيل شركة تعمل في التعدين داخل السودان، لا يمكن التعامل معه كاستثمار عادي. فهو انتقال من موقع امتلاك المعرفة السيادية إلى موقع الاستفادة التجارية من المجال نفسه. وهذا يخلق شبهة قوية في ثلاثة مستويات:
أولاً، شبهة استغلال المعلومات الداخلية:
إذا كانت الشركة الجديدة تستفيد من معرفة أردول السابقة بمواقع الذهب والمعادن، أو بطبيعة الامتيازات، أو بقدرات الدولة الرقابية، فإن ذلك يمثل استخداماً غير مشروع لمعرفة اكتُسبت أثناء الخدمة العامة. حتى لو لم تُنقل وثائق رسمية، فإن "المعرفة المؤسسية" نفسها تمنح الشركة ميزة غير عادلة على المستثمرين الآخرين.
ثانياً، شبهة تضارب المصالح بعد مغادرة المنصب:
المسؤول السابق لا يغادر واجباته الأخلاقية بمجرد خروجه من المكتب. فالمعلومات التي حصل عليها أثناء الخدمة لا تتحول إلى رأسمال خاص. وفي تقاليد الحوكمة الرشيدة، يُفترض أن يخضع مثل هذا الانتقال لفترة حظر، وإفصاح كامل عن الملكية، ومراجعة مستقلة لطبيعة العلاقة بين المنصب السابق والنشاط اللاحق.

ثالثاً: شبهة الإضرار بالمصلحة العامة والسيادة الاقتصادية: من الاستعمار العسكري إلى الاستعمار الاقتصادي
لم يعد الاستعمار في القرن الحادي والعشرين يعتمد، في أغلب الحالات، على الاحتلال العسكري المباشر. فقد أثبتت تجارب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أن السيطرة على الدول أصبحت تتحقق بصورة متزايدة عبر السيطرة على مواردها الطبيعية، وربط اقتصاداتها برأس المال الخارجي، وتكوين شبكات من الوكلاء المحليين الذين يسهلون انتقال الثروة من الداخل إلى Neo-Colonialism الخارج. ولذلك يتحدث علماء الاقتصاد السياسي اليوم عن "الاستعمار الاقتصادي الجديد"
بوصفه نظاماً تُمارس فيه الهيمنة من خلال الاستثمار والديون والشركات العابرة للحدود والتحالفات مع النخب المحلية، أكثر مما تُمارس عبر الجيوش.
وفي هذا السياق، لا يمثل الذهب السوداني مجرد سلعة قابلة للبيع والشراء، بل يمثل أحد أهم عناصر السيادة الاقتصادية للدولة. فهو مصدر للعملات الصعبة، وركيزة للاحتياطي النقدي، وأحد أهم موارد تمويل الاقتصاد الوطني، كما أنه يرتبط بصورة مباشرة بالصراعات المسلحة، وشبكات التهريب، وتمويل الفاعلين المسلحين، والتوازنات المحلية والإقليمية.
ولهذا السبب، فإن إدارة قطاع الذهب ليست مسألة تجارية، وإنما قضية تتعلق بالأمن القومي والسيادة الوطنية. وعندما ينتقل مسؤول سابق كان يدير هذا القطاع إلى مشروع استثماري خاص يرتبط برأس مال أجنبي، فإن القضية تتجاوز حقه الفردي في العمل، لتصبح سؤالاً يتعلق بحماية المعرفة السيادية للدولة، وبحدود الفصل بين الوظيفة العامة والمصلحة الخاصة.

السودان ومصر: الاقتصاد السياسي للعلاقة غير المتكافئة
لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن الطبيعة التاريخية للعلاقة السودانية المصرية كما فصلنا في مقال سابق. فمنذ القرن التاسع عشر، ارتبطت السيطرة على السودان، في مختلف مراحلها، بالسيطرة على موارده الطبيعية، سواء في عهد الحكم التركي–المصري، أو خلال الإدارة الثنائية البريطانية–المصرية، أو في أشكال النفوذ الاقتصادي اللاحقة والي يومنا هذا.
وفي كل هذه المراحل، لم يكن استخراج الموارد يتم بواسطة القوى الخارجية وحدها، وإنما اعتمد دائماً على نخب محلية لعبت دور الوسيط- (السمسار) بين رأس المال الخارجي والدولة المحلية. ويصف علماء الاقتصاد السياسي هذه الفئة بـ"البرجوازية Comprador Bourgeoisie الكمبرادورية"
أي النخب التي تبني مصالحها الخاصة من خلال تسهيل دخول رأس المال الأجنبي إلى الاقتصاد الوطني، مستفيدة من معرفتها بالدولة وعلاقاتها داخلها.
ومن هذا المنظور، فإن القضية لا تتعلق بجنسية المستثمر وحدها، وإنما بطبيعة العلاقة التي تنشأ بين رأس المال الخارجي وبين المسؤولين السابقين الذين يمتلكون معرفة استراتيجية اكتسبوها أثناء خدمتهم للدولة.

الهجوم على المعدنين التقليديين وسؤال المستفيد
في هذا الإطار، تكتسب الأحداث الأخيرة في مناطق التعدين الحدودية أهمية استثنائية.
فبحسب إفادات نقلتها صحيفة القدس العربي عن شهود وعمال تعدين، تعرضت مناطق العقيدات والأنصاري ووادي الأنصاري لهجمات أدت إلى سقوط قتلى وجرحى ومفقودين، وإلى تعطيل النشاط الاقتصادي في واحدة من أكبر مناطق التعدين الأهلي في السودان.
وفي الوقت نفسه، أثار تصريح رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس اهتماماً واسعاً عندما أشاد باستجابة القوات المسلحة المصرية لما وصفه بنداء شركات التعدين والعاملين في القطاع، في مواجهة التعدين غير النظامي في المناطق الحدودية. وبصرف النظر عن التفسيرات المختلفة لهذا التصريح، فإنه يكشف بوضوح عن وجود مصالح اقتصادية مرتبطة بإعادة تنظيم النشاط التعديني في الشريط الحدودي وداخل الأراضي السودانية.
وفي الفترة نفسها، ظهرت تقارير عن شركة "ديب ميتالز"، التي ورد أنها مملوكة لعمر النمير ومحمد الجارحي، ويتولى مبارك أردول إدارتها، مع حديث عن استثمارات كبيرة في قطاع التعدين، بينما أوضح أردول أن المشروع لا يزال في مرحلة الرغبة ولم يتحول إلى عقود تنفيذية...
أين تلتقي هذه الوقائع؟
كل واحدة من هذه الوقائع، إذا نظر إليها منفردة، قد يكون لها تفسير مستقل. لكن اجتماعها في الزمان والمكان يفرض أسئلة لا يمكن تجاهلها في أي دراسة جادة للحوكمة وإدارة الموارد الطبيعية.
فهل تقع المناطق التي تعرضت للهجمات ضمن الأحزمة الجيولوجية أو المربعات التي يحتمل أن تكون محل اهتمام استثماري مستقبلي للشركة التي يديرها مبارك أردول أو لشركات مرتبطة بها؟
وهل أدى إضعاف وجود المعدنين التقليديين إلى إعادة تشكيل السيطرة الفعلية على الأرض بطريقة تجعلها أكثر قابلية لمنح امتيازات تعدين صناعي واسعة؟
وهل توجد آليات مستقلة يمكنها التأكد من أن المعرفة التي اكتسبها مدير سابق للشركة السودانية للموارد المعدنية لم تتحول إلى ميزة تنافسية لصالح مشروع استثماري خاص؟
هذه الأسئلة لا تفترض وجود علاقة سببية مثبتة بين الهجمات الاخيرة وبين أي مشروع استثماري، لكنها تمثل التطبيق الطبيعي لمبادئ الحوكمة الرشيدة وإدارة تضارب المصالح. فالغرض من قوانين تضارب المصالح ليس انتظار إثبات الجريمة، وإنما منع الظروف التي تجعل استغلال المنصب العام أو المعلومات السيادية أمراً ممكناً.

أخيرا:
في نهاية المطاف، لا تتمثل أهمية قضية مبارك أردول في شخصه وحده، وإنما في النموذج الذي تمثله بالنسبة لعلاقة السلطة بالثروة، والدولة بالسوق، والسيادة الوطنية برأس المال العابر للحدود. فحين ينتقل المدير السابق للمؤسسة الحكومية المسؤولة عن إدارة قطاع التعدين إلى مشروع استثماري يعمل في القطاع نفسه، فإن القضية تتجاوز حدود الحق الفردي في العمل والاستثمار، لتصبح سؤالاً يتعلق بسلامة مؤسسات الدولة وحدود الأمانة العامة والمسؤولية الأخلاقية.
كما أسلفنا، لقد بينت أدبيات الاقتصاد السياسي وما بعد الاستعمار أن السيطرة على الموارد الطبيعية لم تعد تتحقق، في الغالب، عبر الاحتلال العسكري المباشر، بل عبر منظومات اقتصادية تعتمد على تحالف رأس المال الخارجي مع نخب ووسطاء محليين يمتلكون المعرفة والعلاقات والخبرة التي اكتسبوها داخل مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، لا يكون السؤال الأساسي هو ما إذا كان النشاط الاستثماري مشروعاً من الناحية الشكلية، وإنما ما إذا كانت المعرفة السيادية التي اكتسبت أثناء الخدمة العامة قد أصبحت جزءاً من رأس المال الذي يمنح المشروع ميزة لا يملكها غيره.
وتزداد حساسية هذه القضية في السودان، في ظل الحروب المستمرة، والانهيار المؤسسي، وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي على موارده الطبيعية. فقد بينت أدبيات الاقتصاد السياسي للصراعات أن ضعف الحوكمة في إدارة الموارد الطبيعية لا يقود إلى الفساد وسوء توزيع الثروة فحسب، بل قد يحول الموارد وعائداتها والامتيازات المرتبطة بها إلى أدوات لإعادة إنتاج شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي، وتمويل اقتصاد الحرب، وتعميق الانقسامات الاجتماعية، بل وأحياناً خلق نزاعات محلية جديدة أو تغذية نزاعات قائمة من خلال توظيف الموارد في خدمة أجندات سياسية أو عسكرية. وقد أُثيرت في هذا السياق تساؤلات حول تمويل أحداث العنف الأخيرة في منطقة كاودا. وتؤكد هذه الحالات، بصرف النظر عن نتائج التحقيق، أهمية إخضاع قطاع الموارد الطبيعية لأعلى معايير الشفافية والرقابة، حتى لا تتحول الثروة الوطنية إلى وقود للصراع بدلاً من أن تكون أساساً لبناء الدولة والسلام المستدام.

ومن هنا، فإن القضية المتعلقة بمبارك أردول لا تُحسم بمجرد القول إن المشروع الاستثماري لم يبدأ بعد، أو إن العقود النهائية لم تُوقَّع. فجوهر القضية يكمن في ضرورة التأكد من عدم وجود تضارب مصالح، وفي ضمان ألا تتحول المعرفة والعلاقات التي اكتسبها أثناء توليه إدارة قطاع التعدين إلى منفعة استثمارية خاصة.
ولذلك تبقى أسئلة الإفصاح والشفافية أسئلة مشروعة: ما طبيعة دوره الحقيقي في المشروع؟ من هم المستفيدون النهائيون؟ ما هي حدود المناطق المستهدفة بالاستثمار؟ وهل توجد أي آليات رقابية مستقلة تضمن عدم استخدام معلومات غير منشورة أو ميزات اكتسبت من المنصب العام؟
إن هذه الأسئلة لا تمثل إدانة مسبقة، وإنما تعكس المبادئ التي تقوم عليها الحوكمة الرشيدة في الدول الحديثة. فالدول التي تحترم مؤسساتها لا تنتظر وقوع المخالفة حتى تتحرك، بل تؤسس أنظمتها على الوقاية من تضارب المصالح قبل أن يتحول إلى واقع. ولذلك تفرض الديمقراطيات المستقرة الإفصاح الإلزامي، والرقابة المستقلة، وفترات الحظر على انتقال كبار المسؤولين إلى القطاعات التي كانوا يشرفون عليها، حمايةً للثقة العامة وصوناً للسيادة الاقتصادية.
إن ثروات السودان المعدنية ليست ملكاً لحكومة، ولا لحزب، ولا لنخبة سياسية أو اقتصادية، ولا ينبغي أن تتحول إلى مجال لإعادة إنتاج أنماط الاستعمار الاقتصادي عبر تحالفات تجمع رأس المال الخارجي بمعرفة الدولة التي يحملها مسؤولون سابقون. إنها ملك للشعب السوداني وللأجيال القادمة. ولهذا، فإن أي شبهة لتحول المعرفة السيادية المكتسبة داخل مؤسسات الدولة إلى أداة لخدمة مصالح استثمارية خاصة، سواء ارتبطت بمبارك أردول أو بغيره، تستوجب تحقيقاً مستقلاً، وإفصاحاً كاملاً، ومراجعة رقابية شفافة، حمايةً للمصلحة العامة، وصوناً لسيادة السودان على موارده الوطنية.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)