Post: #1
Title: المجد للبندقية: رغيف يتضاءل.. ودواء يختفي….وبيت يسكنه الصمت…ووطن يدفع كل صباح فاتورة الأمس كتبه الص
Author: الصادق حمدين
Date: 07-01-2026, 03:40 PM
03:40 PM July, 01 2026 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
"المجد للبندقية": رغيف يتضاءل.. ودواء يختفي….وبيت يسكنه الصمت…ووطن يدفع كل صباح فاتورة الأمس.
الصادق حمدين
المجد للبندقية شعار لا يدفع ثمنه من يرفعه، وإنما يٌقرأ في وجوه الأمهات، وفي عيون الأطفال، وفي موائد الفقراء التي يغادرها الخبز ويحل محله الجوع والألم. المجد للبندقية شعار له حسابات لا تُسجل في دفاتر الجيوش، بل في دفاتر الأرامل واليتامى، وفي أسواق يطاردها الغلاء والسمسمرة والمضاربة، وفي عملة فقدت هيبتها حتى أصبحت لا تساوي ثمن الحبر الذي طُبعت به.
ثمة شعارات تولد لتثير حماسة السذج والبسطاء والمنتفعين الصغار، ثم لا تلبث أن تتحول إلى قيود تطوق أعناق أصحابها. وما أكثر الشعارات التي ألهبت العواطف وأججت المشاعر، ثم تركت أصحابها يتلمسون رماد أوطانهم بأيديهم العارية. ذلك لأن الحروب لا تعترف بالشعارات، وإنما تعترف بمنطق الخراب؛ تبدأ بصرخة، وتنتهي بصمت المقابر إنها الحرب يا سادة.
ليس أخطر ما في الحرب أنها تحصد الأرواح، بل أنها تعيد تشكيل وعي الناس حتى يصبح الخراب أمراً مألوفاً، والجوع قدراً، والخوف عادة، والانهيار الاقتصادي خبراً عادياً يمر في نشرات الأخبار دون أن يثير الدهشة. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تكون الحرب قد انتصرت على الإنسان قبل أن تنتصر في الميدان.
أيها "البلبوسي" الساذج الذي يصفق للحرب، هل سألت نفسك يوماً: من يدفع ثمن هذا التصفيق؟ هل هو صاحب قرار الحرب الذي تحيط به الامتيازات وتفصله عن ميادينها بحار وقارات، أم العامل الذي يكتشف كل صباح أن أجره لم يعد يكفي قوت يومه؟ هل هو من يملك بدائل النجاة في قصور وڤلل أنقرة والقاهرة الفخمة، أم ذلك المواطن الذي يبيع ما تبقى من أثاث منزله ليشتري دواء لطفله أو رغيفاً لأسرته؟
الحرب لا تطرق أبواب الجميع بالقدر نفسه. فهناك من ينظر إليها من خلف الجدران العالية والفنادق المترفة وشاشات التلفاز باهظة الثمن، وهناك من يعيشها في قلب بيته؛ بين انقطاع الكهرباء، وندرة الدواء، وارتفاع الأسعار، وانهيار الخدمات، وانسداد الأفق. وما بين الطرفين تتسع الهوة حتى يصبح الوطن طبقتين: طبقة تدير الحرب، وأخرى تدفع ثمنها.
أما الاقتصاد، فهو أول الجنائز التي تشيعها المدافع. فالعملة لا تنهار من تلقاء نفسها، وإنما تنهار حين تتراجع الثقة، ويتوقف الإنتاج، وتُغلق المصانع، وتجف الحقول، ويهرب الاستثمار، وتتحول الموازنة العامة إلى حساب مفتوح لتمويل الحرب. عندها يصبح الجنيه ورقة مثقلة بالخذلان، وعبئاً على حاملها، وتصبح الأسواق مرايا تعكس حجم المأساة الوطنية.
وما قيمة الانتصار إذا كان المواطن عاجزاً عن شراء رغيف خبز حاف؟ وما جدوى الشعارات إذا كانت المدارس موصدة، والمستشفيات تستغيث، والمزارع يترك أرضه خوفاً من الرصاص والموت، وهدير ماكينات المصانع حل مكانها الصمت، والمهندس والطبيب والأستاذ الجامعي يحملون حقائب الرحيل بحثاً عن وطن بديل يمنحهم ما عجز وطنهم عن منحه؟
إن الوطن ليس قطعة أرض تتنازعها البنادق، وإنما حياة كاملة. هو طفل يتعلم، ومزارع يحصد، وعامل ينتج، وطبيب يعالج، وأم تنام مطمئنة على أبنائها. فإذا ضاعت هذه المعاني، فما الذي يبقى من الوطن سوى اسمه على الخرائط؟
لقد آن الأوان لأن يتحرر الوعي من أسر الشعارات التي تجعل الحرب غاية في ذاتها. فالحرب ليست قيمة أخلاقية، ولا مشروعاً للحياة، ولا وسيلة لبناء الأمم. إنها، في أحسن توصيفاتها، استثناء مرير، وإذا طال الاستثناء ابتلع الأصل، وتحول الوطن إلى ساحة انتظار طويلة للموت.
إن الذين يظنون أن استمرار الحرب دليل على الصمود، يغفلون عن حقيقة بسيطة لكنها قاسية: أن الشعوب لا تُقاس بقدرتها على الاحتمال وحده، بل بقدرتها على حماية الحياة. وما من بطولة في أن يعتاد الإنسان الجوع، أو أن يصبح النزوح جزءاً من سيرته، أو أن تتحول المقابر إلى الأحياء الأسرع نمواً.
كل يوم تستمر فيه الحرب يكتب سطراً جديداً في رواية الانهيار. قيمة العملة تتآكل، والتعليم يتراجع، والصحة تنهار، والإنتاج يتوقف، والكفاءات تغادر، والذاكرة الوطنية تُثقل بصور الدم أكثر مما تُثقل بصور الإنجاز. إنها خسارة مركبة، لا يملك جيل واحد أن يسدد فاتورتها.
ليس السلام ضعفاً، كما يحاول دعاة الحرب أن يصوروه، بل هو أعلى درجات الشجاعة السياسية والأخلاقية؛ لأنه ينتصر للحياة على الموت، وللعقل على الانفعال، وللمستقبل على اللحظة العابرة. أما الإصرار على استمرار الحرب، رغم وضوح كلفتها الإنسانية والاقتصادية، فليس بطولة، وإنما إصرار على أن يدفع الوطن ثمن أخطاء لا تنتهي.
سيأتي يوم تُطوى فيه هذه الحرب، كما طُويت حروب كثيرة قبلها. وعندها لن يسأل التاريخ من كان أكثر صخباً في الهتاف، وإنما سيسأل: من الذي وقف مع الإنسان؟ من الذي دافع عن حق الأطفال في المدارس، وعن حق المرضى في العلاج، وعن حق المزارعين في الحقول، وعن حق الوطن في أن ينهض بدلاً من أن ينزف؟
فالأوطان لا تُبنى بأصداء البنادق، وإنما تُبنى بسنابل القمح، وصفوف التلاميذ، ودخان المصانع، وأجراس الجامعات، ونبض الأسواق، وضحكات الأطفال.
أما الحرب… فهي لا تترك وراءها سوى وطن محطم يلعن عقوق أبناءه الذين لا يقدرون قيمة ترابه صباحاً ومساء.
Sent from Outlook for iOS
|
|