االسودان في قلب عاصفة النفوذ-- كيف تحولت الحرب إلى ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية؟

االسودان في قلب عاصفة النفوذ-- كيف تحولت الحرب إلى ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية؟


06-29-2026, 04:16 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1782746177&rn=0


Post: #1
Title: االسودان في قلب عاصفة النفوذ-- كيف تحولت الحرب إلى ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية؟
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 06-29-2026, 04:16 PM

04:16 PM June, 29 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، لم يعد الصراع يُقرأ بوصفه مواجهة داخلية بين قوتين مسلحتين فحسب، بل أصبح جزءاً من مشهد إقليمي ودولي أكثر تعقيداً
فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر، وموارده الطبيعية، وتشابك علاقاته الإقليمية، بات يستقطب اهتمام عدد من القوى الخارجية، سواء عبر المبادرات السياسية أو التعاون العسكري أو المنافسة على النفوذ , غير أنه من الضروري، عند قراءة هذا المشهد، التمييز بين الوقائع المثبتة، والتحليلات التي يقدمها الباحثون، والاستنتاجات السياسية التي تبقى بطبيعتها قابلة للنقاش

أولاً- الوقائع... تصاعد واضح في عسكرة الحرب
تشير تقارير الأمم المتحدة وعدد من المؤسسات المتخصصة في الشؤون العسكرية إلى أن الحرب في السودان شهدت خلال العامين الأخيرين توسعاً ملحوظاً في استخدام الطائرات المسيّرة والذخائر المتسكعة، وهو ما غيّر طبيعة العمليات العسكرية، لتصبح الضربات بعيدة المدى جزءاً أساسياً من إدارة المعارك

كما وثقت الأمم المتحدة ارتفاعاً في أعداد الضحايا المدنيين بالتزامن مع تصاعد استخدام هذا النوع من الأسلحة، الأمر الذي يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة تعتمد بصورة أكبر على التقنيات العسكرية الحديثة، مقارنة بالمراحل الأولى من الحرب
هذه الوقائع تكاد تحظى بإجماع التقارير الدولية، حتى وإن اختلفت التقديرات حول حجم استخدام كل منظومة أو مصدرها

ثانياً- الدور الخارجي... بين ما هو موثق وما هو محل تحليل
تحدثت تقارير إعلامية وعسكرية غربية عن حصول الجيش السوداني على منظومات تركية متطورة، من بينها طائرات "بيرقدار TB2" و"أكنجي"، كما تداولت تقارير متخصصة معلومات عن ظهور ذخائر متسكعة من طراز "YIHA-III" في مسرح العمليات
وفي المقابل، أشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية إلى وجود اتهامات بتدفق أسلحة ودعم عسكري إلى أطراف أخرى في النزاع عبر شبكات إمداد إقليمية معقدة

لكن من المهم الإشارة إلى أن كثيراً من تفاصيل هذا الدعم تستند إلى تقارير استخباراتية أو تحقيقات صحفية أو صور أقمار صناعية، بينما لا تزال بعض الحكومات تنفي هذه الاتهامات أو لا تعلّق عليها رسمياً , لذلك فإن الحديث عن حجم الدعم الخارجي أو تأثيره المباشر يجب أن يُقرأ باعتباره موضوعاً لا يزال محل متابعة وتحقيق
ثالثاً- لماذا يزداد الاهتمام الإقليمي بالسودان؟
يرى عدد من الباحثين في الجغرافيا السياسية أن الاهتمام المتزايد بالسودان لا يرتبط بالحرب وحدها، وإنما بموقعه الاستراتيجي
فالسودان يمتلك واحداً من أطول السواحل على البحر الأحمر، ويقع بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية العالمية، كما يمثل بوابة بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي ووسط القارة
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن أي تغير في موازين القوى داخل السودان ستكون له انعكاسات على أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، ومشروعات الموانئ والطاقة، وهو ما يفسر اهتمام قوى إقليمية ودولية متعددة بمسار الأزمة
وهذا تحليل جيوسياسي، وليس دليلاً على أن جميع تحركات تلك الدول تحكمها الدوافع نفسها
رابعاً- هل أصبحت الحرب ساحة لاختبار الأسلحة؟
ظهور منظومات مسيّرة متطورة في السودان دفع بعض المحللين العسكريين إلى القول إن الحرب أصبحت أيضاً ميداناً لاختبار فعالية تقنيات عسكرية حديثة في ظروف قتال حقيقية.

غير أن هذا الاستنتاج ينبغي التعامل معه بحذر؛ إذ لا توجد تصريحات رسمية من الشركات المصنعة أو الحكومات المعنية تؤكد أن السودان يُستخدم عمداً كساحة لاختبار الأسلحة
والأقرب إلى الدقة هو القول إن استخدام هذه المنظومات في نزاع مفتوح يوفر، بحكم الواقع، بيانات عملياتية قد تستفيد منها الجيوش والشركات المصنعة في تقييم أداء هذه الأنظمة

خامساً - اقتصاد الحرب... الحلقة الأكثر خطورة
بعيداً عن المنافسة العسكرية، تشير دراسات عديدة إلى أن استمرار الحرب أدى إلى تشكل اقتصاد موازٍ يقوم على تهريب الذهب والموارد، وتعطل الإنتاج، واتساع الأسواق غير الرسمية، واستمرار شبكات تمويل الصراع
وفي مثل هذه البيئات، يصبح استمرار الحرب مرتبطاً أيضاً بمصالح اقتصادية، وليس فقط بأهداف سياسية أو عسكرية، وهو ما يجعل إنهاء النزاع أكثر تعقيداً
هل يقترب السودان من نموذج "الحروب بالوكالة"؟
يستخدم بعض الباحثين مفهوم "الحرب بالوكالة" لوصف النزاعات التي تتلقى فيها الأطراف المحلية دعماً خارجياً مؤثراً، دون أن تنخرط الدول الداعمة في مواجهة مباشرة

ولا يزال الجدل قائماً حول مدى انطباق هذا الوصف بالكامل على الحالة السودانية، إلا أن تعدد الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم الخارجي، ووجود مصالح إقليمية ودولية متشابكة، يجعل هذا التوصيف محل نقاش متزايد في الأدبيات السياسية
بين السيادة الوطنية وتشابك المصالح , مهما اختلفت التقديرات بشأن حجم النفوذ الخارجي أو أهدافه، فإن النتيجة الأكثر وضوحاً هي أن استمرار تدفق السلاح، واتساع رقعة التدخلات، يزيدان من تعقيد الأزمة ويطيلان أمد الحرب
إن التجارب الدولية تشير إلى أن النزاعات التي تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية تصبح أكثر صعوبة في الحسم العسكري وأكثر تعقيداً في التسوية السياسية
ولذلك، فإن استعادة القرار الوطني السوداني لن تتحقق عبر انحياز السودان إلى محور إقليمي ضد آخر، وإنما عبر بناء توافق سياسي داخلي، ووقف تدفق السلاح، وإطلاق عملية سلام شاملة تستند إلى إرادة السودانيين أنفسهم، مع دعم إقليمي ودولي يركز على إنهاء الحرب لا على إدارة توازناتها.