Post: #1
Title: نرجسية بعض السودانيين القدامى في المملكة المتحدة وتنمرهم على القادمين الجدد: أزمة اندماج أم أزمة وع
Author: الطيب محمد جاده
Date: 06-28-2026, 01:27 AM
01:27 AM June, 27 2026 سودانيز اون لاين الطيب محمد جاده-السودان مكتبتى رابط مختصر
الطيب محمد جادة صحفي مستقل
في كل موجة هجرة جديدة تظهر تحديات اجتماعية لا تقل أهمية عن التحديات الاقتصادية أو القانونية. ومن بين الظواهر التي تستحق النقاش داخل الجالية السودانية في المملكة المتحدة، ما يشتكي منه بعض السودانيين الذين وصلوا حديثاً من ممارسات تنمّر واستعلاء تصدر عن بعض أفراد الجالية الذين استقروا في البلاد منذ سنوات طويلة. إنها ظاهرة تستحق التوقف عندها، ليس بهدف تأجيج الخلافات، وإنما لفهم أسبابها ومعالجة آثارها. من المفترض أن يكون أبناء الجالية الواحدة سنداً لبعضهم البعض، خاصة في بلد جديد يحتاج فيه الإنسان إلى من يرشده ويقدم له الدعم النفسي والاجتماعي. لكن الواقع، وفق شهادات متكررة من وافدين جدد، يكشف عن وجود فئة تتعامل مع القادمين الجدد بعقلية الوصاية والتفوق، وكأن سنوات الإقامة في بريطانيا منحتهم امتيازاً اجتماعياً يخول لهم تقييم الآخرين أو التقليل من شأنهم. هذا السلوك لا يعكس نجاحاً في الاندماج، بل قد يكون مؤشراً على أزمة هوية. فالبعض يربط قيمته الشخصية بمدة إقامته أو بمعرفته بالإجراءات البريطانية، ويحول تلك الخبرة المحدودة إلى وسيلة لإشعار الآخرين بالنقص. وهنا تتحول المعرفة التي كان يفترض أن تكون أداة للمساعدة إلى وسيلة للاستعراض وإثبات الذات. ولعل أكثر ما يؤلم الوافدين الجدد هو أن التنمر لا يأتي من المجتمع البريطاني بقدر ما يأتي أحياناً من أبناء وطنهم. فقد يجد القادم الجديد نفسه موضع سخرية بسبب لغته الإنجليزية، أو طريقة حديثه، أو لباسه، أو جهله ببعض الأنظمة، بدلاً من أن يجد من يرشده ويطمئنه. وهذا النوع من السلوك يترك آثاراً نفسية عميقة، ويخلق شعوراً بالعزلة وفقدان الثقة داخل الجالية نفسها. النرجسية الاجتماعية لا تعني فقط حب الذات، وإنما تعني أيضاً الشعور الزائف بالتفوق واحتقار الآخرين. وعندما تتغلغل هذه العقلية داخل أي جالية، فإنها تضعف روح التعاون وتزرع الانقسام بين أفراد المجتمع الواحد. والمؤسف أن بعض الأشخاص يعتقدون أن نجاحهم الشخصي يكتمل بإظهار الآخرين بمظهر الأقل خبرة أو الأقل قيمة. ولا يمكن إنكار أن سنوات الإقامة الطويلة تمنح الإنسان خبرة مهمة في التعامل مع المؤسسات والقوانين وسوق العمل. لكن الخبرة الحقيقية تقاس بمدى القدرة على نقلها للآخرين بروح إيجابية، وليس بتحويلها إلى وسيلة للتفاخر أو احتكار المعرفة. فالشخص الواثق من نفسه لا يحتاج إلى التقليل من الآخرين كي يشعر بقيمته. في المقابل، لا يجوز تعميم هذه الصورة على جميع السودانيين القدامى في المملكة المتحدة. فهناك شخصيات محترمة كرست وقتها وجهدها لاستقبال الوافدين الجدد، وقدمت لهم المساعدة في السكن والعمل والتعليم والإجراءات القانونية دون انتظار مقابل. هؤلاء يمثلون الوجه الحقيقي للتكافل الاجتماعي، ويستحقون كل التقدير. ولذلك فإن النقد هنا موجه إلى سلوكيات محددة، لا إلى فئة كاملة. إن بناء جالية قوية يبدأ من احترام الإنسان لأخيه الإنسان، بغض النظر عن تاريخ وصوله إلى البلد. فالقادم الجديد اليوم قد يصبح بعد سنوات من أكثر أفراد الجالية خبرة وتأثيراً، والطريقة التي يُستقبل بها اليوم ستنعكس على طريقة تعامله مع الوافدين في المستقبل. فإذا استمرت دائرة التنمر والاستعلاء، فإنها ستعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل. كما ينبغي على مؤسسات الجالية والجمعيات الثقافية أن تلعب دوراً أكبر في تعزيز ثقافة التطوع والإرشاد، وأن تنظم لقاءات تجمع بين القدامى والجدد في أجواء يسودها الاحترام وتبادل الخبرات. فالاندماج لا يتحقق فقط مع المجتمع البريطاني، بل يبدأ أيضاً من داخل الجالية نفسها. في النهاية، ليست المشكلة في عدد السنوات التي قضاها الإنسان في المملكة المتحدة، وإنما في القيم التي يحملها. فالإنسان يرتقي بأخلاقه قبل أي شيء آخر، والاحترام لا يُكتسب بطول الإقامة، بل بحسن المعاملة. وكل مجتمع ينهض عندما يدرك أفراده أن نجاح الفرد لا يكتمل إلا بمساعدة الآخرين، وأن الكلمة الطيبة قد تفتح أبواباً تعجز عنها سنوات من الخبرة. إن الجالية السودانية، بما تمتلكه من تاريخ وثقافة وروابط إنسانية، قادرة على تجاوز هذه الظواهر متى ما انتصرت لقيم التواضع والتكافل والاحترام المتبادل. فالوطن لا يسكن الجغرافيا فقط، بل يسكن أيضاً طريقة تعامل أبنائه مع بعضهم أينما كانوا.
|
|