منمنمات الذاكرة والحنين كتبه د. أمل الكردفاني

منمنمات الذاكرة والحنين كتبه د. أمل الكردفاني


06-27-2026, 02:43 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1782567805&rn=0


Post: #1
Title: منمنمات الذاكرة والحنين كتبه د. أمل الكردفاني
Author: أمل الكردفاني
Date: 06-27-2026, 02:43 PM

02:43 PM June, 27 2026

سودانيز اون لاين
أمل الكردفاني-القاهرة-مصر
مكتبتى
رابط مختصر







يقول درويش:
أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة أُمي
ولمسة أُمي..
وتكبر فيَّ الطفولةُ
يوماً على صدر يومِ
وأعشَقُ عمرِي لأني
إذا مُتُّ ,
أخجل من دمع أُمي !

ولقد اكتشفت أننا كلما عبرنا سنوات العمر، شكلت الذاكرة ذائقتنا للأشياء. فليس الشاي باللبن واللقيمات تتعلق بحلاوة الطعم، بل بحلاوة الماضي. ليس النوم في الحوش الواسع مريح أكثر من النوم في غرف الشقق الضيقة، بل كل المسألة مرتبطة بتاريخ قديم مع من كانوا معنا. وحين يبكي بعض الرجال عند سماعهم الأغنيات، فهم يبكون حقباً في ذاكرتهم، فالزمن في العقل لا معيار له، كالحلم الذي يحكي رواية كاملة في ثانيتين من زمن المنام.
الحياة إحساس، والإحساس يتطور في الذاكرة، يتضافر مع كل واقعة في حياتنا، وترتبط فصول السنة كوقائع خارجية بهذه الذاكرة، وكذلك الأشخاص والأماكن، وهنا تنضج الأحاسيس، ونضجها يعني أن تكيفنا أو عدم تكيفنا مع كل واقعة من وقائع الحاضر له أصل من منمنمات الماضي. لذلك فالمنمنمات التي لا نلاحظها في زمانها ك(خبز أمي)، سنلاحظها في الحاضر و(نحِنُّ) إليها. ليس هذا الحنين منطقياً في ذاته، ليس بالضرورة أن يكون خبز الأم ألذ من خبز في مطعم فرنسي، لكنه ألذ هنا في الذاكرة. من ولد في الصحراء سيحن إليها وهو في مروج سويسرا، ومن تكاثرت منمنمات ذاكرته في الغابات سيحن إليها وهو في الصحراء، ومن ارتدى ثوب أهله سيحن إليه وينظر إليه كما لو كان كنزاً وهو يحيا مع مجتمعات أخرى. وربما كان ثوبه ليس سوى بعص الجلود التي تغطي سوأته. لذلك فليس بالضرورة ان تكون منمنمات الذاكرة منطقية، أو ذات معايير قياسية. وكذا تبقى ذاكرة الأشخاص مرتبطة بتقييماتهم الراهنة، كجمال المرأة، فالحب الأول يخلق معاييره المؤثرة على الميل الحاضر، ولذلك قال الشاعر:
قلب فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل
فالمرأة الأولى تلتصق بالذاكرة؛ بملامحها وصوتها ورائحة جلدها وعطرها. فحتى لو كان بوجهها ندبة، فإنها تصبح أحد معايير الجمال والحب عند الرجل في الحاضر.
تمتلئ الذاكرة بالمنمنمات الصغيرة التي لا تلاحظ في حينها، مثل صياح الديك في القرية، وهبوط شمس الصباح على منازل الحجر والطين، ورائحة جذوع النخل التي سُقف بها عرش منزل الجد الكبير.
ولذلك فإن الروائيين البارعين هم الذين يزرعون المنمنمات الصغيرة في رواياتهم، وعندما تنتهي الرواية يحصل ذلك الفراغ العاطفي، حتى لو كانت الحبكة أقل تعقيداً من غيرها. فالحرب والسلام لتولستوي، وأولاد حارتنا، والثلاثية لنجيب محفوظ، تقحمك في سورتها بالمنمنمات التي لا ينتبه لها القارئ. ذات المنمنمات التي ستجدها عند عظماء الروائيين الآخرين أمثال جوزيه ساراماغو في رواية الكهف حين يربط الاب الخزاف والإبنة وزوجها بروابط معنوية وثيقة، سنلاحظ مثلاً، كيف أن الابنة تكرر التحديق في صدر والدها العجوز النائم متابعة تنفسه لتتأكد بأنه لا زال حياً. ومثل هذه المنمنمات في روايات كينزابورو أوي، وهيرمان هيسة، وصنع الله إبراهيم، وغيرهم. هؤلاء الكتاب مرهفو الإحساس منذ طفولتهم، وأذكياء في نفس الوقت، لأنهم حللوا ذواتهم، فسروا دواخلهم، ثم تمكنوا من التعبير عن مجموع تلك المنمنمات في كتاباتهم وهم يربطونها بعوالم أخرى، أشخاص آخرين، مجتمعات أخرى، متمسكين بوحدة المعايير البشرية في مواجهة بروبغندا التعدد والتنوع.. فإنسان الصين البائس هو نفسه إنسان أفريقيا وأوروبا رغم ما يبدو من ظاهر الاختلاف.
لكن السؤال الذي يجدر طرحه، هل من الأفضل أن تشكلنا منمنمات الذاكرة فتحكمنا معايير الماضي غير المنطقية، أم أن نحيا منفتحين على اللحظة الحاضرة بكل تقلباتها وتنويعات نوتتها الموسيقية؟
___

صباح ٢٧ يونيو ٢٠٢٦
الساعة التاسعة