Post: #1
Title: يوليو.. ذاكرة الفقد ومرارة الفرص الضائعة كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 06-19-2026, 11:48 AM
11:48 AM June, 19 2026 سودانيز اون لاين يحيى ابنعوف-كندا مكتبتى رابط مختصر
إن رحيل قاماتٍ فكرية وسياسية بحجم عبد الخالق محجوب والدكتور جون قرنق في شهر يوليو ليس مجرد استحضارٍ لذكرى رحيلهما، بل هو استحضارٌ لمرارة "الفرص الضائعة" في تاريخ السودان الحديث. فهل يا ترى هي محضُ صدفةٍ زمنية؟ أم أنها أقدارٌ مُدبرة؟ لقد أُعدم عبد الخالق محجوب في 28 يوليو 1971، ورحل الدكتور جون قرنق في 30 يوليو 2005. وبات شهر يوليو في الذاكرة السياسية السودانية يحمل دلالة "الفقد الكبير"، إذ تتقاطع فيه نهايات مشاريع سياسية كبرى، طمحت كلٌّ منها لإعادة صياغة الدولة السودانية من منظوراتٍ فكرية متباينة. تساؤلات حول طبيعة الرحيل يظل السؤال عن حقيقة اغتيالهما جرحاً مفتوحاً في الوجدان السوداني: عبد الخالق محجوب: لا خلاف في أن إعدامه كان "اغتيالاً سياسياً بامتياز"؛ فقد كان قراراً ديكتاتورياً حاسماً، استهدف إنهاء وجود الحزب الشيوعي السوداني كقوةٍ منظمة، وتصفية الحساب مع العقل المدبر لأكبر معارضةٍ للحكم العسكري آنذاك. لم يكن الرحيل صدفة، بل كان عمليةً سياسية دموية مُحكمة. الدكتور جون قرنق: يظل ملف رحيله أكثر تعقيداً في وعي الجماهير. فبينما تُقر الرواية الرسمية (بناءً على التحقيقات الدولية والسودانية) بأنه "حادثٌ عرضي" نتيجة سوء الأحوال الجوية، لا تزال نظرية المؤامرة حاضرة بقوة. يرى الكثيرون أن مقتل مهندس اتفاقية السلام الشامل جاء لقطع الطريق أمام مشروع "السودان الجديد"؛ خاصة بعد ذلك الاستقبال الشعبي الحاشد الذي حظي به في الخرطوم، والذي اعتُبر بمثابة استفتاءٍ جماهيريٍّ أرعب قوى الاسلام السياسي في ذلك الوقت. هل كان لأفكارهما أن تخرج السودان من أزمته؟ الإجابة تكمن في طبيعة مشروعهما الوطني: عبد الخالق محجوب: مثّل مدرسة "تأصيل الفكر التقدمي" في البيئة السودانية. لقد امتلك أدواتٍ للتحليل الاجتماعي والسياسي، كانت قادرة على استشراف الأزمات قبل تفاقمها. إن فقدانه يعني فقدان "المنهج" العقلاني في التعامل مع قضايا الديمقراطية والتنمية. الدكتور جون قرنق: مثّل مدرسة "السودان الجديد" القائمة على المواطنة بلا تمييز. كانت رؤيته قادرة على استيعاب التنوع السوداني، كما امتلك الكاريزما والقدرة التفاوضية لتقديم نموذجٍ لدولةٍ لا تعرف الإقصاء. لماذا هو فقدٌ حقيقي؟ لأن كلاً منهما كان يحمل "مشروعاً متكاملاً" وليس مجرد طموحٍ سلطوي. وبغيابهما، تحولت الساحة السياسية من ميدانٍ "لتصارع الأفكار والمشاريع" إلى حلبةٍ "لتصارع المصالح والتكتلات"؛ وهو ما يفسر حالة التخبط والشتات التي يعيشها السودان منذ عقود. إن رحيلهما في يوليو يذكرنا بأن السودان كثيراً ما "يأكل أبناءه" حين يشتد الصراع على السلطة وتغيب الحكمة. ربما لم تكن الصدفة في التاريخ بقدر ما كانت في "القدر السوداني" الذي يطيح -في تكرارٍ مؤلم- بكل من يملك القدرة على إخراج البلاد من نفقها المظلم. احصل على Outlook for Android
|
|