Post: #1
Title: نعيُ العقل: السودانُ في مهبِّ "بسوسٍ" مُعاصرة كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 06-19-2026, 11:41 AM
11:41 AM June, 19 2026 سودانيز اون لاين يحيى ابنعوف-كندا مكتبتى رابط مختصر
تستعرُ في السودان اليومَ حربٌ لا تختلفُ في جوهرِ عبثيتها عن تلك التي خلدها التاريخُ تحت اسم "حرب البسوس"؛ تلك الملحمة التي أوقد نيرانها صراعٌ على ناقةٍ، فاستطالت أربعين عاماً، وأتت على الأخضر واليابس. وحين نعدُّ تلك الحقبةَ جاهليةً لبعدِ أمدها عن منطق العقل، يواجهنا سؤالٌ وجوديٌّ مَرير: أيُّ بونٍ شاسعٍ ذاك الذي يفصلُنا عنهم، ونحن نعيشُ اليومَ فصلاً جديداً من فصول الجاهلية المحدثة؟
إنَّ ما يجري في السودان قد تجاوز حدودَ الاشتباكِ المسلحِ على رقعةِ الجغرافيا، ليتحول إلى "أسطورةٍ دمويةٍ" يعيد فيها التاريخُ إنتاجَ نفسه، لا كملهاةٍ، بل كمأساةٍ سرمدية. لقد نبذت هذه الحربُ منطقَ الدولةِ الرشيدة، لتغرقَ في أوحالِ "القبيلةِ السياسية"؛ حيثُ أضحى الخصومُ مجردَ أدواتٍ في قبضةِ "لا أيديولوجيا" لا تؤمنُ إلا بالبقاء فوق أنقاضِ الآخرين.
أولاً: تشريحُ الخديعةِ الكبرى
يجدُ المتأملُ في خطابِ الأطرافِ المتناحرةِ نفسَهُ أمام مسرحِ عبثٍ مكتملِ الأركان:
عن الدعم السريع: الذي يرفعُ لواءَ "الديمقراطية" بيدٍ مخضبةٍ بدمِ شهداءِ الاعتصام، في مفارقةٍ أخلاقيةٍ ترتجفُ لها الضمائر. إنَّ تغليبَ نهمِ السلطةِ على حُرمةِ الوطن، والانزلاقَ إلى مستنقعِ الكراهيةِ العرقيةِ، يكشفُ عن طويةٍ لا ترى في السودانِ سوى "غنيمةٍ" أو "ميدانِ نفوذٍ"، لا وطناً يقومُ على عقدٍ اجتماعيٍّ مصون. عن المؤسسة العسكرية: التي تتدرعُ بشعارِ "حمايةِ المواطن" و"دحرِ التمرد"، بينما يشي تاريخها القريبُ بأنَّ هذه الحمايةَ ما كانت يوماً إلا غطاءً لـ "حمايةِ الذات". إنَّ صمتَ الأمسِ عن التجاوزاتِ المريعة، وتغاضيَ النخبِ عن التآكلِ الأخلاقي، قد أفرزا هذا الوحشَ الذي يرتدُّ اليومَ ليقتاتَ على أيدي صانعيه، ويحرقَ بيوتَ الآمنين تحت غطاءِ "الشرعية". ثانياً: جذورُ الفتنة.. حين يصبحُ الموتُ "مشروعاً سياسياً"
إنَّ ما نلمسهُ من "هندسةٍ للكراهية" يعيدنا إلى جوهرِ الأزمةِ الحقيقية: "استثمارُ الهوية في صناعةِ الفناء". لقد دأبَ النظامُ الذي جثمَ على صدرِ البلادِ لعقود، على زرعِ بذورِ الشقاقِ بين المكوناتِ الاجتماعيةِ (نوبة، فور، مساليت، زغاوة، وغيرها) تحت أقنعةٍ دينيةٍ زائفةٍ واستعلاءٍ عرقيٍّ ممقوت.
لم تكن الحروبُ القبليةُ التي نخرت عظامَ السودان منذ عقودٍ مجردَ أحداثٍ عرضية، بل كانت "مختبراتِ قتلٍ" مُدارةً من المركز، استهدفت تفتيتَ النسيجِ المجتمعيِّ لضمانِ ديمومةِ السلطة. إنها "سياسةُ الأرضِ المحروقة" التي استرخصت الدمَ السودانيَّ، وأحالت التنوعَ العرقيَّ من مصدرِ ثراءٍ وتلاقحٍ إلى فتيلٍ لاشتعالِ حرائقَ لا تستثني أحداً.
ثالثاً: نحو تشخيصِ الداء.. ومساراتِ الخلاص
إننا اليوم أمام واقعٍ يفرضُ سؤالاً فاصلاً: هل نحنُ بشرٌ يتطلعون لبناءِ المستقبل، أم أسرى يرزحون تحت وطأةِ الماضي؟ إنَّ خلاصَ السودانِ لا يكمنُ في انتصارِ طرفٍ على آخر، فكلاهما ينهلُ من معينِ السلطويةِ ذاته. إنَّ الخلاصَ يمرُّ عبر محطاتٍ ثلاثة:
الفكاكُ من إرثِ الكراهية: بقطعِ دابرِ الفكرِ الاستعلائيِّ الذي اتخذَ من القبائلِ وقوداً لصراعاتِ النخبةِ المتسلطة. الخروجُ من سجنِ "الفاعلين غير الوطنيين": الذين يرهنون سيادةَ البلادِ لأجنداتٍ خارجيةٍ أو أطماعٍ شخصية، وتوجيهِ بوصلةِ النضالِ نحو "الوطنِ لا السلطة". إعادةُ بناءِ الدولةِ على أنقاضِ "القبيلة": فالدولةُ التي تُشيدُ على أنقاضِ التطهيرِ العرقيِّ أو الإقصاءِ القسريِّ، هي دولةٌ ميتةٌ في مهدِها. الخاتمة
إنَّ السودانَ اليوم يمرُّ بمخاضٍ عسير، والدمُ المسفوكُ على أديمِ هذه الأرضِ يصرخُ في وجهِ الجميع: أنَّ الحربَ لا تصنعُ وطناً، ولا تُشيدُ مجداً. لقد سئمتِ الأرضُ من "حروب البسوس"، وبات لزاماً على القوى الحيةِ أن تعيد تعريفَ مفهومِ "السوداني" بعيداً عن صراعاتِ الكراسي، نحو أفقٍ رحبٍ تسودُه قيمُ القانونِ والإنصافِ والمواطنةِ الحقة.
|
|