Post: #1
Title: النَّكَبَوِيُّ وخيار التَّقْسِيمِ كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 06-19-2026, 11:39 AM
11:39 AM June, 19 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
Image
النَّكَبَوِيُّ أُحادِيُّ التَّفْكِيرِ، يَنْتَهِجُ مَرْكَزِيَّةَ الفِطْرَةِ السِّيَاسِيَّةِ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ يَدُورُ فِي فَلَكِهِ. لَا يَمْلِكُ أَدَوَاتِ النَّقْدِ وَالتَّقْدِيرِ، فَهُوَ جامِدٌ فِي قَالَبِ التَّفْكِيرِ الجَاهِزِ الَّذِي يَقُودُهُ إِلَى أَسْبَابِ التَّبَعِيَّةِ وَالسُّبَاتِ. يَدْعَمُ خَطَّ الِانْفِصَالِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّ الإِنْسَانَ حِينَ يَبْدَأُ بِتَقْسِيمِ الوَطَنِ يَتَحَوَّلُ، شَيْئًا فَشَيْئًا، إِلَى سَرَطَانٍ سِيَاسِيٍّ يُعِيدُ إِنْتَاجَ أَسْبَابِ الانْفِصَالِ ذَاتِهَا فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ. فَإِذَا انْفَصَلَ الإِقْلِيمُ عَنِ الإِقْلِيمِ، طَالَبَتِ المُدُنُ بِالِانْفِصَالِ عَنِ الأَقَالِيمِ، ثُمَّ طَالَبَتِ الأَحْيَاءُ بِالِانْفِصَالِ عَنِ المُدُنِ، حَتَّى يَصِيرَ الوَطَنُ شَظَايَا، وَيُصْبِحُ العَلَمُ قِطَعًا مِنَ القُمَاشِ تَتَنَازَعُهَا الرِّيَاحُ. لَا يُدْرِكُ النَّكَبَوِيُّ أَنَّ الحَلَّ لَيْسَ فِي تَكْثِيرِ الحُدُودِ، بَلْ فِي تَقْلِيلِ المَظَالِمِ. وَلَيْسَ فِي تَوْزِيعِ الخَرَائِطِ، بَلْ فِي تَوْزِيعِ العَدَالَةِ. فَالوَحْدَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى الإِكْرَاهِ، بَلْ عَلَى دَوْلَةِ العَدَالَةِ الفِيدِرَالِيَّةِ، دَوْلَةِ القَانُونِ وَالمُؤَسَّسَاتِ، وَتَدَاوُلِ السُّلْطَةِ السِّلْمِيِّ، وَالمُوَاطَنَةِ المُتَسَاوِيَةِ. وَلَكِنْ كَيْفَ يُدْرِكُ ذَلِكَ وَهُوَ شُمُولِيٌّ هَوَاهُ فِي الغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ، أَسِيرُ مَرْكَزِيَّةِ الثَّوْرَةِ الِانْقِلَابِيَّةِ، يَتَنَقَّلُ بَيْنَ العَرَّابِ الأَوَّلِ وَالعَرَّابِ الثَّانِي، كَمَنْ يُغَيِّرُ أَلْوَانَ الرَّايَةِ وَلَا يُغَيِّرُ عَقْلِيَّةَ الوِصَايَةِ؟ إِنَّهُ يَرْفَعُ شِعَارَ الحُرِّيَّةِ حِينَ يَكُونُ خَارِجَ السُّلْطَةِ، وَيَرْفَعُ شِعَارَ الضَّبْطِ وَالتَّوْجِيهِ حِينَ يَقْتَرِبُ مِنْهَا. يُحَدِّثُ النَّاسَ عَنِ المَظْلُومِيَّةِ، وَيَنْسَى أَنَّهُ يُنْتِجُ مَظْلُومِيَّاتٍ جَدِيدَةً بِالأَدَوَاتِ ذَاتِهَا. وَيُبَشِّرُ بِالخَلَاصِ، ثُمَّ يَقُودُ أَتْبَاعَهُ إِلَى دَائِرَةٍ مُغْلَقَةٍ مِنَ الشِّعَارَاتِ الَّتِي لَا تَبْنِي دَوْلَةً وَلَا تُطْعِمُ جَائِعًا وَلَا تُحَقِّقُ عَدَالَةً. وَفِي كُلِّ صَبَاحٍ يَفْتَحُ أَخْبَارَ التَّقْسِيمِ كَمَنْ يَنْتَظِرُ بُشْرَى، وَفِي كُلِّ مَسَاءٍ يَشْكُو مِنْ ضَعْفِ الأَوْطَانِ وَتَدَخُّلِ الغُرَبَاءِ. وَلَا يَرَى أَنَّ أَوَّلَ ثُغْرَةٍ دَخَلَ مِنْهَا الغَرِيبُ هِيَ تِلْكَ الشُّرُوخُ الَّتِي حَفَرَهَا التَّعَصُّبُ فِي جِدَارِ الوَطَنِ. إِنَّ الدَّوْلَةَ القَوِيَّةَ لَا تُبْنَى بِتَكَاثُرِ الرَّايَاتِ، بَلْ بِقُوَّةِ المُؤَسَّسَاتِ. وَلَا تُحْفَظُ بِتَعْظِيمِ الزُّعَمَاءِ، بَلْ بِتَعْظِيمِ الدُّسْتُورِ. وَلَا تَسْتَقِرُّ بِتَوْزِيعِ الكَرَاهِيَّةِ، بَلْ بِتَوْزِيعِ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ عَلَى قَدَمِ المُسَاوَاةِ. فَلَعَلَّ النَّكَبَوِيَّ يَوْمًا يَكْتَشِفُ أَنَّ الوَحْدَةَ لَيْسَتْ نَقِيضَ التَّنَوُّعِ، وَأَنَّ الفِيدِرَالِيَّةَ لَيْسَتْ نَقِيضَ الوَطَنِ، وَأَنَّ العَدَالَةَ هِيَ الجِسْرُ الوَحِيدُ الَّذِي يَعْبُرُ عَلَيْهِ الجَمِيعُ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ أَقَلَّ ضَجِيجًا وَأَكْثَرَ وَطَنًا.
|
|