Post: #1
Title: الكتلة الديمقراطية وخيارات السلام كتبه مبارك عيسي احمد
Author: مبارك عيسي احمد سبيل
Date: 06-16-2026, 05:29 AM
05:29 AM June, 16 2026 سودانيز اون لاين مبارك عيسي احمد سبيل-السودان مكتبتى رابط مختصر
المملكة المتحدة ( بريطانيا ).
Mub.issa@gmail.com
تشهد الساحة السياسية تحولات متسارعة، في ظل تزايد القناعة الإقليمية والدولية بأن الحرب في السودان لا يمكن أن تنتج استقرارًا دائمًا، وأن أي مخرج حقيقي للأزمة لا بد أن يستند إلى تسوية سياسية مدنية شاملة. وفي هذا المناخ المتغير، تبرز الكتلة الديمقراطية كإحدى القوى التي يمكن ان تلعب دور مؤثر، إلى جانب بقية الكتل السياسية، في صياغة ملامح المرحلة المقبلة. إلا أن فاعلية هذا الدور تظل مرهونة بمدى قدرتها على إدارة خلافاتها الداخلية، وضبط تحركات مكوناتها وقطاعاتها، إضافة إلى تنظيم وضبط الخطاب السياسي الصادر عن المتحدثين باسمها، بما يتوافق مع نظامها الأساسي ورؤيتها المعلنة. فنجاح أي كيان سياسي لا يقاس فقط بحجم حضوره، وإنما أيضًا بقدرته على الانضباط المؤسسي وتوحيد الرسائل والمواقف في القضايا المصيرية. ومن هنا، فإن الكتلة الديمقراطية مطالبة بتقديم نفسها كقوة سياسية واقعية تمتلك رؤية واضحة للحل، لا مجرد منصة للاعتراض أو الرفض، كما حدث في ١٥ اكتوبر.
تواجه الكتلة الديمقراطية تحديات متعددة، يأتي في مقدمتها التباين الواضح بين مكوناتها السياسية. فهناك تيار داخلها يرى ضرورة الانخراط في مسار سياسي يفضي إلى وقف الحرب وتحقيق السلام، انطلاقًا من قناعة بأن استمرار الصراع لن يقود إلا إلى مزيد من الانهيار والمعاناة. وفي المقابل، يتمسك تيار آخر برفض الجلوس مع كتلة “تأسيس”، استنادًا إلى مخاوف تتعلق بمنح شرعية سياسية لقوى فرضت حضورها عبر موازين القوة والسلاح. رغم عمق هذه المخاوف والخلافات، فإنها لا تعني بالضرورة استحالة الوصول إلى توافق داخلي، بل ربما تمثل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أولويات الكتلة على أساس برنامج وطني يقوم على الحد الأدنى من التفاهمات، ويجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالثوابت الوطنية.
أعتقد أن المطلوب من الكتلة الديمقراطية في هذه المرحلة ليس تحقيق تطابق كامل بين جميع مكوناتها، ذلك أمر يصعب تحقيقه في أي تحالف سياسي واسع، وإنما المطلوب هو الاتفاق على القضايا الجوهرية التي تمثل أولوية وطنية عاجلة، مثل وقف الحرب، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة البلاد، وفتح الطريق أمام عملية انتقالية مدنية تضمن مشاركة سياسية واسعة وعدالة حقيقية. هذا النوع من التوافق يمنح الكتلة قدرة أكبر على الحركة والتأثير، دون أن تضطر أي جهة داخلها إلى التخلي الكامل عن مواقفها السياسية أو رؤيتها الخاصة. فالتوافق حول الأهداف الكبرى لا يعني بالضرورة إلغاء التباينات، بل إدارة الاختلاف بصورة تخدم المصلحة الوطنية وتمنع تفكك الصف السياسي. ومن هنا، الكتلة الديمقراطية مطالبة بالانتقال من الموقع التكتيكي القائم على “الرفض المشروط” بهدف احتواء ردود فعل الرأي العام، إلى موقع أكثر فاعلية يقوم على “تقديم البدائل” وصياغة الحلول العملية. فالمجتمع الإقليمي و الدولي، في الغالب، يميل إلى دعم القوى التي تمتلك رؤية واضحة وقابلة للتنفيذ، لا تلك التي تكتفي بوضع الشروط أو استخدام حق النقض السياسي.
لذلك، فإن أي حضور مؤثر للكتلة في المرحلة المقبلة سيظل مرتبطًا بمدى قدرتها على تقديم مشروع سياسي متكامل يجيب عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بشكل الدولة، وإدارة المرحلة الانتقالية، وإصلاح المؤسسات الأمنية، إلى جانب معالجة الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي خلفتها الحرب. فضلا عن توسيع قاعدتها الاجتماعية والسياسية. فالقوة الحقيقية لأي مشروع سياسي لا تأتي فقط من التفاهمات بين النخب، بل من قدرته على التواصل مع المجتمع بمختلف مكوناته، من نقابات ولجان مجتمعية وإدارات أهلية، إلى الشباب والنازحين والمتضررين من الحرب. فكلما استطاعت الكتلة التعبير عن تطلعات هذه الفئات، ازدادت قدرتها على فرض نفسها ضمن الفاعلين الرئيسين في أي تسوية قادمة.
في المحصلة، تجد الكتلة الديمقراطية نفسها أمام لحظة سياسية دقيقة تتطلب قدرًا عاليًا من التوازن والمسؤولية. فهي مطالبة بالحفاظ على مبادئها ووحدة مكوناتها، وفي الوقت نفسه بالتعامل بواقعية ومسؤولية مع التحولات المتسارعة التي تفرضها الحرب وتعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي. كما أن مشاركتها في أي مسار للسلام ينبغي أن تضمن ألّا تتحول تحركاتها إلى مجرد غطاء سياسي لهيمنة عسكرية أو أداة لشرعنة الأمر الواقع.
١٥/٦/٢٠٢٦
|
|