ماكبث وبقايا الطاغية: قراءة في أوهام السلطة والحرب الدائرة في السودان كتبه الطيب الزين

ماكبث وبقايا الطاغية: قراءة في أوهام السلطة والحرب الدائرة في السودان كتبه الطيب الزين


06-14-2026, 11:31 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1781433063&rn=0


Post: #1
Title: ماكبث وبقايا الطاغية: قراءة في أوهام السلطة والحرب الدائرة في السودان كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 06-14-2026, 11:31 AM

11:31 AM June, 14 2026

سودانيز اون لاين
الطيب الزين-السويد
مكتبتى
رابط مختصر



*ماكبث وبقايا الطاغية: قراءة في أوهام السلطة والحرب الدائرة في السودان* .

الحرب الدائرة في السودان تذكرنا بمسرحية ماكبث لشكسبير، التراجيديا التي كشفت كيف يمكن للطموح المسموم، حين يقترن بالوهم، أن يدفع الأفراد والدول إلى الهاوية.
فكما انحدر ماكبث من قائد شجاع إلى طاغية غارق في الدماء بسبب نبوءة أغرته بالعرش، نجد في واقع السودان اليوم مشاهد مشابهة، حيث تتداخل أوهام السلطة مع حسابات القوة، وتتحول البلاد إلى ساحة صراع عبثي يدفع ثمنه المواطن.
إن قراءة الحرب السودانية من خلال عدسة الأدب ليست ترفا، بل محاولة لفهم كيف تتكرر التراجيديا حين تتشابه الذهنيات، وحين يصبح السعي إلى الحكم أهم من الحفاظ على الوطن.
فماكبث لم يسقط بسبب قوة خصومه، بل بسبب الصراع داخل نفسه. الطموح حين يتحول إلى هوس، والسلطة حين تصبح غاية لا وسيلة. وهذا بالضبط ما فعله بقايا الطاغية عمر البشير، وعلى رأسهم مجرم الحرب برهان الذي قال إن أباه أخبره بأنه سيصبح حاكما للسودان. وياسر العطا قال أيضا إنه التقى صدام حسين وسأله عن السلاح الذي يتبع له، فقال له سلاح الإشارة، فقال له صدام حسين إنك يمكن أن تحكم السودان. ولا ندري ماذا في مخيلة بقية اعضاء اللجنة الأمنية التابعة للطاغية عمر البشير، وماذا سمعوا من آبائهم وأمهاتهم.
وفي سياق فهم ما جرى في السودان، يمكن تشبيه الدور الذي لعبه الكيزان والعناصر الانتهازية في تشجيع مجرم الحرب برهان على الانقلاب، بالدور الذي لعبته زوجة ماكبث في المسرحية الشهيرة. فكما كانت زوجة ماكبث هي الصوت الذي يغذي الطموح الاعمى، ويهمس في أذن زوجها بأن الفرصة لا تتكرر، وأن الطريق إلى العرش مفتوح مهما كان الثمن، كذلك فعلت القوى التي دفعت برهان إلى الانقضاض على حكومة الثورة. فقد غذت أوهامه، وأقنعته بأن اللحظة مناسبة للانقلاب، وأن السلطة حق شخصي يمكن انتزاعه بالقوة، لا مسؤولية وطنية تقوم على الشرعية والمحاسبة.
إن التحريض الذي مارسته زوجة ماكبث لم يكن مجرد رأي، بل كان قوة دفعته إلى ارتكاب جريمة قتل الملك، التي قادت الى الخراب والدمار وإخيرا واجه ماكبث مصيره المظلم.
وهذا هو جوهر التشبيه. فالدفع نحو الفعل الخاطئي، سواء في المسرحية أو في الواقع، لا يقل خطرا عن الفعل نفسه.
في السودان، كان تشجيع الكيزان والعناصر الانتهازية لمجرم الحرب برهان هو الشرارة التي أعادت البلاد إلى دائرة العنف، وفتحت الباب أمام حرب عبثية يدفع ثمنها الشعب.
مسرحية ماكبث تشكل مرجعا لفهم الحروب الحديثة، ومنها الحرب الدائرة في السودان. فالصراع لا يبدأ دائما من الخارج، بل من داخل النخب السياسية والعسكرية حين تتنازع على النفوذ، وتتنافس على الشرعية، وتستبدل منطق الدولة بمنطق القوة. وماكبث، في جوهره، ليس قصة ملك، بل قصة انهيار دولة حين تختطف السلطة بواسطة من يظنون أن الحكم حق مكتوب لهم، لا تكليف وراءه مسؤولية ومحاسبة.
إذا كانت الحرب الدائرة في السودان تبدو بلا منطق، فإن الأدب يساعدنا على كشف منطقها الخفي.
ففي مسرحية ماكبث، لم يبدأ الخراب حين رفع السيف، بل حين قرر ماكبث أن السلطة حق شخصي يمكن انتزاعه بالقوة.
وهذا ما تجري وقائعه في السودان نتيجة الاوهام والاحلام والاطماع التي جعلت بقايا الطاغية الضلالي عمر البشير يفكرون بذهنية ماكبث.
فالصراع لا ينفجر فقط بسبب السلاح، بل بسبب عقلية سياسية تعتقد أن الدولة ملكية خاصة، وأن الشعب مجرد قطيع يمكن إجباره على القبول بحكم الطغيان.
وفات على بقايا الطاغية أن ماكبث، في لحظة سقوطه، لم يكن يواجه أعداءه فقط، بل كان يواجه نتائج قراراته التي اتخذها تحت تأثير الوهم. وهكذا، نجد أن الحرب السودانية ليست مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل هي نتيجة تراكمات من الفساد والاستبداد والظلم، نجم عنها تضخم في الذات، ووهم جعل مجرم الحرب برهان ومن خلفه الكيزان يخطئون في حساباتهم حين أشعلوا نار الحرب على قوات الدعم السريع. وقد أدرك قائدها محمد حمدان دقلو حميدتي أن مصلحته في استكمال خطوات التغيير، وخروج السودان من نفق الاستبداد والفساد والظلم إلى فضاء الحرية والعدالة والسلام، وهو هدف ثورة ديسمبر المجيدة وشهدائها الابرار.
إن محاولات بقايا الطاغية إعادة إنتاج سلطة سقطت لكنها لم تغادر عقول من تربوا في ظلها، يعريها الأدب بوصفه أداة لفهم السلطة حين تعجز السياسة عن تفسيرها. فشكسبير، في ماكبث، لم يقدم مجرد قصة عن ملك قتل من أجل العرش، بل قدم تحليلا نفسيا وسياسيا عميقا للطغيان. كيف يبدأ بوهم صغير، وكيف يتضخم مع غياب الضوابط، وكيف يتحول الطموح إلى لعنة تلتهم صاحبها قبل أن تلتهم الدولة. وهذا ما يجعل الأدب مرجعا مهما لفهم الحروب والصراعات، لأنه يكشف البنية الداخلية للسلطة، ويعري آليات اتخاذ القرار حين تختطف الدولة بواسطة من يظنون أن الحكم قدر لا يناقش. وفي السودان، كما في المسرحية، نرى كيف يمكن للاوهام أن تتحول إلى قرارات، وللطموح غير المنضبط أن يتحول إلى صراع، وللصراع أن يتحول إلى حرب يدفع ثمنها الابرياء.
وما يجعل قراءة الحرب السودانية عبر عدسة ماكبث ممكنة وضرورية هو أن شكسبير، ومعه كبار كتاب الانسانية، لم يكتبوا عن الماضي فقط، بل كتبوا عن الانسان في كل زمان. فهؤلاء الكتاب اسهموا في تنوير البشرية لأنهم كشفوا ما تحاول السلطة إخفاءه. كيف يبدأ الطغيان، وكيف يتغذى على الوهم، وكيف يتحول الطموح إلى كارثة حين يغيب الضمير. شكسبير، وتولستوي، ودوستويفسكي، وجورج اورويل، ونجيب محفوظ، وغيرهم، لم يكونوا مجرد روائيين أو مسرحيين، بل كانوا علماء نفس وسياسة قبل ظهور هذه العلوم بصورتها الحديثة. لقد علموا الشعوب كيف تفكك خطاب السلطة، وكيف تفهم دوافع الحاكم، وكيف تميز بين الشرعية والوهم. إن الاشادة بهؤلاء ليست مجرد تقدير ادبي، بل اعتراف بأن الأدب كان، ولا يزال، أحد أهم أدوات الوعي، وأنه ساعد المجتمعات على رؤية ما يجري خلف ستار القوة، وعلى إدراك أن الحروب لا تبدأ في الميدان، بل في العقول التي تغذيها الاوهام.
إن الحرب التي يعيشها السودان اليوم ليست حدثا معزولا، بل نتيجة تراكمات طويلة من الصراع على الشرعية، ومنطق القوة، وإرث الطغيان الذي لم يحسم بعد. وفي هذا السياق، تبدو تراجيديا ماكبث وكأنها نص يشرح ما يحدث. حين تتصارع القوى على الحكم دون رؤية وطنية، وحين يتحول السلاح إلى لغة السياسة، وحين يصبح الحفاظ على النفوذ أهم من الحفاظ على الدولة، فإن النتيجة تكون حربا لا رابح فيها. وماكبث، في لحظة سقوطه، لم يكن يواجه خصومه فقط، بل كان يواجه نتائج قراراته التي اتخذها تحت تأثير الوهم والطموح الاعمى. وهكذا، نجد أن الحرب السودانية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل انعكاس لذهنية سياسية ترى السلطة غاية في ذاتها، لا مسؤولية تجاه شعب ينتظر الامن والاستقرار. إن منطق ماكبث، الطموح بلا ضوابط، والشرعية بلا أساس، والسلطة بلا محاسبة، هو ما يجعل الحرب تستمر، ويجعل البلاد تدور في حلقة من العنف لا تنتهي.
وفي النهاية، تبدو الحرب الدائرة في السودان اليوم وكأنها تكرار حديث لتراجيديا قديمة كتبها شكسبير قبل أربعة قرون. فالصراع ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل انعكاس لذهنية سياسية تشبه ذهنية ماكبث. الطموح حين يتحول إلى هوس، والسلطة حين تنتزع بالقوة، والشرعية حين تبنى على الوهم لا على إرادة الشعب. وماكبث، في لحظة سقوطه، لم يكن ضحية أعدائه، بل ضحية قراراته التي اتخذها تحت تأثير الطموح الاعمى. وهكذا، نجد أن السودان يدفع اليوم ثمن صراعات لم يكن الشعب طرفا فيها، بل كان ضحيتها الاولى.
إن الأدب، من شكسبير إلى اورويل، يذكرنا بأن الطغيان لا يبدأ بالسلاح، بل بفكرة خاطئة عن السلطة. وأن الحروب لا تشتعل فجأة، بل تتغذى على أوهام من يظنون أن الحكم قدر مكتوب لهم. ولذلك، فإن قراءة الواقع السوداني عبر عدسة الأدب ليست هروبا من السياسة، بل محاولة لفهمها بعمق أكبر، لأن الأدب يكشف ما تخفيه القوة، ويعري ما تحاول السلطة تغطيته.
السودان اليوم لا يحتاج إلى ماكبث جديد، ولا إلى نبوءات جديدة، بل إلى دولة تدار بالعقل، والعدالة، والمسؤولية. يحتاج إلى وعي يرفض إعادة إنتاج الطغيان، وإلى مجتمع يدرك أن السلطة ليست قدرا، بل عقدا اجتماعيا بين مكونات الشعب. لذلك، فإن السير عكس التيار يقود إلى تراجيديا الخراب والدمار.

الطيب الزين