الشيوعية.. الطيف يرقص في قبره كتبه د. ياسر محجوب الحسين

الشيوعية.. الطيف يرقص في قبره كتبه د. ياسر محجوب الحسين


06-14-2026, 03:26 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1781403972&rn=0


Post: #1
Title: الشيوعية.. الطيف يرقص في قبره كتبه د. ياسر محجوب الحسين
Author: د. ياسر محجوب الحسين
Date: 06-14-2026, 03:26 AM

03:26 AM June, 13 2026

سودانيز اون لاين
د. ياسر محجوب الحسين-UK
مكتبتى
رابط مختصر



أمواج ناعمة





بالصدفة - وما أكثر ما تجلب الصدفة من عبر - تناهى إلى سمعي صوت متحدث سوداني في بودكاست إذاعي، لم أدرك بدايته، فكأنما دخلت مسرحية بعد رفع الستار. لم تمض ثوان حتى تيقنت أنني أمام واحد من بقايا ذلك الفكر الذي أوشك على الاحتضار منذ عقود، شيوعي العقيدة، ضال الهوى، عقيم الفكر. قال الرجل بثقة الواثق من باطله: "لن تقف الحرب إلا بوقف الإمداد الخارجي".
في الظاهر كلام منطقي، كالذي يقوله الطبيب للمريض: "توقف عن أكل السم". أما في الحقيقة فكان حقا أريد به باطل جلجلي، كمن يرمي السهم ثم يشكو من الرماة. مضى صاحبنا يقول إن السلاح يتدفق إلى الجهتين! ثم انحاز – ببراعة السياسي المحترف – فاتهم الجيش بسيطرة "الإسلاميين" عليه، ولم يدن جرائم مليشيا الدعم السريع، بل لم يسمها باسمها، فهي عنده "جهة موازية"! كأن القتل والنهب والاغتصاب يصبحان أقل بشاعة إذا ألبست ثوب الحياد.
يا ليت الشيوعية تموت ميتة كريمة، فتوارى في كتب التاريخ كما يوارى الموتى في الأكفان. لكنها – كالشبح الذي يرفض أن يفارق الدنيا – تظل تتردد في أفواه بعض الأحياء، تارة باسم "الديسمبرية" وطورا باسم "ستات الشاي".
فقد أعلنت وفاتها الرسمية في ذلك اليوم - الميمون – 25-26 ديسمبر 1991، حين استقال غورباتشوف، وانحدر العلم الأحمر عن الكرملين كدمعة حمراء على وجه تاريخ فاشل. كان ذلك بعد سقوط جدار برلين الذي كان يفصل بين الحلم والواقع، وبعد انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية كأوراق الخريف. ولعلّ أطروحة «نهاية التاريخ» التي قدّمها فوكوياما تمثل في ذاتها أحد أبرز أوهام اللحظة الليبرالية؛ فبدلا من أن تكون إعلانا لانتصار نهائي، بدت تعبيرا عن ثقة مفرطة ظنّت أن الصراع الأيديولوجي قد حُسم لصالح الليبرالية الديمقراطية إلى الأبد. غير أن العقود اللاحقة كشفت استمرار الأزمات والتناقضات، وعودة المنافسات الفكرية والسياسية بأشكال جديدة، بما يجعل مقولة "نهاية التاريخ" شاهدا على أزمة الفكر الليبرالي أكثر من كونها برهانا على انتصاره، ودليلا على أن ادعاء الخلود السياسي ليس إلا مقدمة لأفولٍ لا مفر منه.
وكيف لا تموت الشيوعية من جهة وهي تحمل في طيها بذور فنائها؟ فشل اقتصادي مزمن، وتخطيط مركزي أنتج الجوع لا العدالة، وإصلاحات غورباتشوف التي كانت كمن يرقع ثوبا بال فمزقه، وقوميات ثارت كالبراكين، وخسارة الحرب الباردة أمام الغرب الذي لم يطلق رصاصة واحدة.
ورغم ذلك، لم تمت تماما؛ بقيت خمس دول ترفع الراية الحمراء: الصين وفيتنام ولاوس وكوبا وكوريا الشمالية. لكن يا للعجب! الصين – أعظمها – صارت أكبر قوة رأسمالية في العالم، تفتح أبوابها للاستثمارات الأجنبية وتخلق طبقات غنية، وتسمي ذلك «اشتراكية ذات خصائص صينية»! كأن ماركس نفسه يبتسم ابتسامة ساخرة من قبره. أما كوريا الشمالية فدكتاتورية وراثية تحت غطاء «الجوتشيه»، بعيدة عن الماركسية كبعد السماء عن الأرض.
في السودان، يتوارى الحزب الشيوعي خلف واجهاته، فهو أب شرعي لتحالفات "صمود" و"خنوع وحمدوك" و"سلك" و"الجاك" ومن لف لفهم، يدعم مليشيا الموت باسم "قوى الهامش" و"العلمانية". إنهم كمن يحاول إحياء جثة بالتنفس الصناعي، فيخرج منها صوت مشوه.
العبرة أن الشيوعية ماتت كقوة عالمية مهيمنة، وبقيت أشباحا تتمايل في بعض الأدمغة، وغطاء لحكم سلطوي هنا أو نقد اجتماعي هناك. أما في السودان فهي لا تزال تبيع الوهم لمن أراد أن يشتري، ولو كان الثمن دماء أبناء الوطن.