أبو تريكة وهيثم عيشة: جدل الخطاب العام كتبه كمال الهِدَي

أبو تريكة وهيثم عيشة: جدل الخطاب العام كتبه كمال الهِدَي


06-13-2026, 09:00 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1781380840&rn=0


Post: #1
Title: أبو تريكة وهيثم عيشة: جدل الخطاب العام كتبه كمال الهِدَي
Author: كمال الهدي
Date: 06-13-2026, 09:00 PM

09:00 PM June, 13 2026

سودانيز اون لاين
كمال الهدي-عمان
مكتبتى
رابط مختصر




تأمُلات

أبو تريكة و"هيثم عيشة": جدل الخطاب العام



قبل نحو خمسة أيام كتبت مقالاً بعنوان "كأس العالم ومعيار العدالة الغائب" ، اشرت فيه إلى غياب العدالة وسياسة التمييز التي تنتهجها إدارة ترمب، فضلاً عن بعض المعوقات الأخرى التي تواجه المنتخبات المشاركة، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية. وختمت المقال بالتطلع إلى تصحيح بعض الأخطاء، والأمل المعقود على البلدين المنظمين الآخرين في أن تخرج هذه التظاهرة العالمية بالصورة التي يتمناها ويرغب فيها محبو كرة القدم.

لكن دعوني أحدثكم في هذا المقال عما قاله محلل "بي إن سبورتس" ونجم الكرة المصرية أبو تريكة، حتى نقارن بين النقد الموضوعي الخالي من الأغراض، وبين التربص وإطلاق الأحكام النهائية قبل أن تكتمل المعطيات وتتضح الصورة كاملة.

ففي أول ظهور له في أستديو التحليل، وقبل أولى المباريات حكم أبو تريكة على البطولة بالفشل التام، وقال أن أمريكا وكل من يرغب في تحسين صورته يلجأ لكرة القدم، وأن من يشارك في الاحتلال وقتل الناس غير جدير بتنظيم بطولات الكرة، مضيفاً أن البطولة لا تستحق أن يسهروا من أجلها، وعندما قال له أحد زملائه أنهم معنيون بتحليل مباريات هذه البطولة وجذب الناس لمتابعتها رد بأنهم مجبرين على هذا العمل.

ولك أن تتخيّل، عزيزي القارئ، محلل كرةِ قدمٍ يتقاضى راتباً مجزياً مقابل تحليل المباريات، ثم ينفّر المشاهدين من بطولةٍ لم تبدأ بعد بهذا الشكل.

وقبل أن نخوض في مناقشة حديث أبي تريكة، لا بدّ أن نتوقف عند نقطة بالغة الأهمية، ونطرح السؤال الآتي: كيف يُسمح لأبي تريكة بأن يشتّت جمهور القناة وينفّرهم بمثل هذا الكلام، بما يهدم فكرةً أساسيةً ويُلحق بالقناة ضرراً مادياً؟

وبالطبع يقودنا هذا السؤال إلى تساؤلٍ آخر: هل تنحاز قنوات بي إن سبورت إلى شخصياتٍ ذات توجهاتٍ معينة، وتحرص على الإبقاء عليها ضمن طاقمها مهما كانت الظروف، أم أنها مؤسسة إعلامية احترافية، كما يردد كثيرون، لا تستعين إلا بأصحاب الكفاءة والمؤهلات؟

عن نفسي، أميل إلى فكرة أن لدى القناة أشخاصاً يتمتعون بحظوةٍ خاصة، وتُساق لهم الأعذار مهما ارتكبوا من أخطاء؛ وإلا لما تجرأ أبو تريكة وقال ما سمعناه.

وهذه ليست المرة الأولى التي يحوّل فيها أبو تريكة استديوهات التحليل في القناة إلى ما يشبه منابر النقاش الجامعي، متكئاً على خطاب شعبوي يستثير عاطفة الجماهير العربية والإسلامية. ومن هنا تنبع المقارنة بينه وبين رفيقه في التوجهات، هيثم مصطفى، كما تتضح دوافع اختياري لعنوان هذا المقال.

فكما يعلم كثير من السودانيين، أطلق البعض على النجم والمحلل في قنوات بي إن سبورتس هيثم مصطفى لقب "هيثم عيشة"، وذلك بسبب ظهوره في مقاطع على يوتيوب خلال فترة حكومة الدكتور عبد الله حمدوك وهو يحمل رغيفة صغيرة الحجم، في رسالة مفادها أن حكومة الثورة تسببت في غلاء المعيشة وتفاقم الأزمات الاقتصادية. غير أننا لم نكن نسمع له آراء مماثلة بشأن الضائقة المعيشية التي عانى منها السودانيون لعقود قبل ذلك والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية لخروج الشباب إلى الشوارع وإشعال واحدة من أعظم الثورات في تاريخ السودان الحديث.
كما لاذ هيثم بالصمت تجاه الشأن السياسي بعد ذهاب حكومة حمدوك. فمع أن سعر الرغيفة الواحدة اليوم يزيد على 350 جنيهاً، لم يعد الحديث عن السياسة يستهويه كما كان خلال فترة حكومة الثورة القصيرة.

لذلك، لم يكن مقصدي من عنوان المقال الإيحاء بوجود تطابق لغوي أو لفظي بينهما، بل الإشارة إلى تطابق الفكرة وتشابه النهج الذي ينطلق منه كل منهما في تناول القضايا العامة.

فقد أكثر أبو تريكة من الحديث عن نجاح نسخة 2022 من كأس العالم التي استضافتها قطر، بينما حكم بالفشل التام على نسخة لم تبدأ بعد.

نتفق جميعاً على أن قطر قدّمت نسخة في غاية الروعة من هذا الحدث العالمي، وكان التنظيم مصدر فخر لكل عربي. غير أن النسخة الحالية لم تبدأ بعد حتى يُحكم عليها بالفشل التام. كما أن عداء أبي تريكة الشديد لأمريكا – التي تربطها علاقة متميزة بدولة قطر – قد أنساه بعض الحقائق، أولها أنه في الأصل لاعب كرة وليس سياسياً، ولولا كرة القدم لما عرفه الناس ولما جلس على كرسي التحليل.
ولا أدري ما الذي يمنع أبا تريكة من التوجه إلى البرامج السياسية في القناة نفسها التي يعمل بها، طالما أن المظاهر الاحتفالية المصاحبة لبطولات الكرة لا تستهويه، وأنه يشعر بعبء ثقيل أثناء تحليل المباريات في مثل هذه البطولات.

أما الأمر الآخر الذي فاته، فهو أن هناك بلدين آخرين يشاركان الولايات المتحدة في تنظيم البطولة وهي لا تقتصر فقط على أمريكا.

تسرّع أبو تريكة كثيراً في حكمه بفشل البطولة فنياً. فقد تابعت بالأمس شوطاً كاملاً من مباراة الولايات المتحدة وباراغواي، فبدا لي لاعبو المنتخب الأمريكي وكأنهم يمدون له ألسنتهم.
فقد قدّموا أداءً مبهراً، ولعبوا كرة قدم ذكّرتني ببرشلونة غوارديولا، حيث حاصروا لاعبي الخصم في الثلث الأخير من ملعبهم طوال هذا الشوط، وسجّلوا ثلاثة أهداف ولا أروع، لتنتهي المباراة بفوزهم بأربعة أهداف مقابل هدف لمنتخب الباراغواي.


ختامًا، أود أن أدعو من يكررون القول إن بي إن سبورتس قناة احترافية لا توظف إلا أصحاب الكفاءات والمؤهلات العالية إلى قراءة ما طُرح هنا بعينٍ أكثر موضوعية. كما يجدر بهم التوقف عند تجارب بعض المحللين السودانيين الذين عملوا في القناة خلال فترات سابقة، والتأمل في خبراتهم ومساراتهم المهنية، ثم طرح سؤال بسيط: ما أسباب ابتعادهم جميعاً؟
وعندها يمكن النظر في إجابة أكثر توازناً حول ما إذا كان معيار الاختيار في القناة يقوم على الكفاءة وحدها، أم أن لعوامل أخرى مثل "الواسطة" والمحاباة دوراً في سياسات التوظيف.