Post: #1
Title: الفريق ياسر العطا ..الجنرال الذي هدد الجوار بالويل ثم اختفى داخل مكتبه في هيئة الأركان! كتبه عبدالغ
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 06-10-2026, 08:41 PM
08:41 PM June, 10 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
"أكثر الرجال ضجيجاً في ساحات الإعلام، هم أولئك الذين يبتلعون ألسنتهم عندما تضعهم الأقدار في مقاعد الفعل الحقيقي، فالسلطة كاشفة، والقرارات تفضح ما تخفيه الخطابات" ************ في تاريخ الحروب والسياسة، تبرز دائما ظاهرة غريبة يمكن أن نطلق عليها في القاموس السياسي بمتلازمة الكرسي المُسكّت، وهي حالة تُصيب كبار السياسيين والجنرالات بمجرد أن تلامس أجسادهم كراسي القيادة العُليا ومراكز اتخاذ القرار الفعلي، فجأة، وبقدرة قادر، تتحول الحناجر التي كانت تبتلع الميكروفونات، وتطلق صواريخ التهديد والوعيد العابرة للحدود، إلى حالة من السكون التام، وكأن الجنرال أو السياسي قد دخل في خلوة صوفية طويلة، أو انقطع عن عالمنا الأرضي ليتأمل في صمت مطبق. بطل هذه الرواية المضحكة، ليس سوى الفريق ياسر العطا، الرجل الذي كان بالأمس القريب يملأ الدنيا ويشغل الناس، والذي تحول اليوم بسحر الترقية إلى لغز يحير أعتى أجهزة المخابرات، ليبقى السؤال المعلق في سماء السودان الملبدة بالدخان، وهو، أين اختفى العطا؟ ************* لنعد بالذاكرة قليلا إلى الوراء، إلى تلك الأيام الخوالي قبل بضعة أشهر فقط، عندما كان الفريق العطا يشغل منصب مساعد القائد العام للجيش السوداني. في تلك الحقبة الذهبية من التنظير العسكري والبطولات الفضائية، لم تكن هناك شاشة تلفزيونية، ولا صحيفة ورقية، ولا منصة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا وكان وجه العطا يتصدرها. كان الرجل بمثابة ماكينة إنتاج يومية للتهديدات، لم يترك مناسبة، سواء كانت تخريج دفعة من المستنفرين، أو تفقد قوات ارتكاز، أو حتى مناسبات لا تمت للعسكرية بصلة، إلا واعتلى المنبر ليوزع نيران غضبه ووعيده على خريطة القارة الإفريقية بأكملها. لقد كان يوزع الجحيم مجانا على دول الجوار، متوعدا بالغزو المبين، والزحف المقدس، والمحق التام، لأن هذه الدول بحسب تصريحاته النارية حينها، فتحت أراضيها ومطاراتها لدعم وإمداد ميليشيا الدعم السريع. لم يترك العطا عاصمة في المحيط الإقليمي إلا ورماها بشرر، فهدد إنجمينا في تشاد بمسحها من الخريطة السياسية، وتوعد بانغي في إفريقيا الوسطى بحرب لا تبقي ولا تذر، ووجّه تحذيراته المغلظة لجوبا في جنوب السودان، ولم تسلم كمبالا في يوغندا أو أديس أبابا من كعكة التهديدات العطاوية التي كانت تتطاير في كل اتجاه. كان المواطن السوداني البسيط ينام وهو يتخيل أن جحافل الجيش السوداني ستعبر الحدود فجراً لتأديب كل هذه العواصم، وكان الرجل يتحدث بثقة مفرطة وهو يتجه نحو طواحين الهواء، غافلا عن أن الميليشيا كانت تتمدد في الداخل بينما هو يحارب في الخارج بلسانه فقط. ************* ثم حدث ما لم يكن في الحسبان، وهبطت القرارات الكبرى لتضع الأمور في نصابها، وتم تعيين أسد الميكروفونات رئيسا لهيئة الأركان، وهنا، التقط الشعب السوداني المنهك أنفاسه، وتوقع أن تبدأ القيامة التي وعد بها الرجل. انتظر الجميع أن تتطابق الأقوال مع الأفعال، وأن نرى الطائرات تدك معاقل الميليشيا، وأن نشاهد الجيوش تتحرك كالسيل العرم لتحرير بارا والنهود وبابنوسة ودارفور وكل شبر دنسه التمرد، ولكن المفارقة المبكية حدثت بمجرد أن أدى الرجل القسم واستلم مكتبه الجديد. لقد أصيب بحالة غريبة من الصم والبكم، واختفى تماما عن الأنظار، تلاشت التصريحات، وغابت الخطب العصماء، وتبخرت التهديدات العابرة للحدود، وتحول زئير الأسد الذي كان يهز أركان إفريقيا إلى صمت يشبه صمت التماثيل في المتاحف، وانتقل الرجل من مرحلة الظهور الإعلامي اليومي الكثيف إلى اختفاء تام يحتاج معه المواطن إلى برامج البحث عن المفقودين للعثور عليه. استبدل العطا الميكروفونات والكاميرات ببرودة تكييف مكتب رئاسة الأركان، وأصبح يفضل الأختام والأوراق المغلقة على المواجهة، وكأن المنصب الجديد قد فرض عليه حالة طيران سياسية وعسكرية أغلقت كافة قنوات الاتصال بالواقع. ************* إذا تجاوزنا الكوميديا الدبلوماسية وصمته المطبق تجاه عواصم الجوار التي هددها مرارا وتكرارا، فإن المصيبة الكبرى تكمن في الواقع العسكري الداخلي المزري. الرجل الآن يجلس على قمة الهرم العسكري بصفته رئيساً لهيئة الأركان، أي أنه العقل المدبر والمحرك الأول للجيش السوداني بكافة فرقه ووحداته، ومع ذلك، يقف المراقب مذهولا أمام مشهد عشرات الآلاف من الجنود، المجهزين بالعتاد والسلاح، المكدسين في حاميات المدن الكبرى مثل الأبيض، كادقلي، والدمازين، وغيرها. هؤلاء الجنود البواسل يجلسون في ثكناتهم، مكبلين بأوامر القيادة التي لا تأتي، بينما ميليشيا الجنجويد تسرح وتمرح في القرى المجاورة والأرياف المتاخمة، تغتصب الحرائر، وتنهب الممتلكات، وتحتل الأراضي شبرا شبرا. متى سيحرك العطا هذه الجيوش، هل ينتظر سيادته دعوة رسمية مقبولة العذر من الميليشيا للبدء في الهجوم، أم أن خطته العسكرية العبقرية تعتمد على استراتيجية ترك الجنجويد ينهكون أنفسهم من كثرة الجري وراء المواطنين العزل ليسهل القبض عليهم لاحقا؟ إن تكديس الجيوش في هذه الحاميات دون أي أوامر عملياتية بالتحرك لفك الحصار عن المدن الأخرى أو تحرير الأراضي المغتصبة، يضعنا أمام شفرة عسكرية يصعب فك طلاسمها، وكأن الخوارزمية العسكرية المتبعة في عهده تقتضي البقاء في وضعية السكون الاستراتيجي مهما بلغت التحديات. ****** دعونا نتخيل للحظة حالة قادة دول الجوار الذين توعدهم العطا بالويل والثبور وعظائم الأمور، في إنجمينا مثلا، ربما يجلس الرئيس التشادي محمد كاكا دبي، كل ليلة متسمرا أمام شاشات الرادار، ينتظر أسراب الطائرات السودانية الغاضبة التي وعد بها العطا، ثم يذهب إلى فراشه خائبا مع بزوغ الفجر، فلا العطا جاء، ولا حتى أرسل رسالة اعتذار دبلوماسية عن هذا التأخير الطويل. وفي كمبالا وجوبا، ربما تحولت تهديدات العطا إلى نكتة يتداولها الساسة في جلساتهم المغلقة وفترات الاستراحة. لقد أثبتت الأيام، بما لا يدع مجالا للشك، أن التهديدات التي تُطلق في الهواء دون قوة ردع حقيقية وإرادة فعلية على الأرض، لا تعدو كونها فقاعات صابون سياسية للاستهلاك المحلي، تنفجر وتتلاشى بمجرد ملامستها لجدار الواقع الجيوسياسي القاسي، ولعل أبلغ وصف لهذه الحالة هو ما تفرد له التحليلات السياسية الإقليمية، حيث تُجمع على أن القيادة السودانية الحالية تعاني من انفصام حاد بين الخطاب الدعائي الحماسي وبين القدرة العملياتية الواقعية. أسئلة مشروعة في زمن العجز.. إن القضية هنا تتجاوز مجرد السخرية من شخصية عسكرية عامة، بل هي تشريح دقيق لحالة من العجز الهيكلي والقيادي الذي يغلف مؤسسة تدير حربا مصيرية. الشعب السوداني، الذي يُذبح أبناؤه يوميا، وتُستباح أعراض نسائه، وتُنهب مقدراته أمام عينه، لا يحتاج إلى عنترة بن شداد يخطب في الميكروفونات الفضائية، ولا يحتاج بالمقابل إلى أبو الهول يصمت إلى الأبد في مكتب رئاسة الأركان الفاخر. يسأل الشعب السوداني بمرارة وغصة تعتصر القلوب، لماذا صمتّ سيادة الفريق عندما امتلكت القرار الحقيقي، ألم يكن من الأجدر أن تترجم صياحه القديم إلى أوامر عسكرية صارمة بشن هجمات شاملة تزلزل الأرض تحت أقدام الميليشيا؟ وما هي الفائدة المرجوة من جيش يكدس أسلحته وجنوده في الحاميات بغرض الحماية الذاتية فقط، بينما الوطن الذي أقسم هؤلاء الجنود على حمايته يحترق ويتلاشى خارج أسوار تلك الحاميات، وكيف لنا أن نصدق أنهم سيلقنون دول الجوار درسا قاسيا في فنون الحروب، وهم عاجزون تماما عن تلقين عصابة من المرتزقة درسا صغيرا في بارا وبابنوسة والفاشر والجنينة وولخ؟ إن متلازمة أسد عليّ وفي الحروب نعامة قد تجسدت بأبشع صورها في هذه التحولات الدراماتيكية، حيث كان العطا يبيع للشعب وهما معلبا في خطابات حماسية رنانة، وبمجرد أن أُعطي المقود الحقيقي ليقود السفينة وسط العاصفة الهوجاء، ألقى بالبوصلة في عمق البحر واختبأ في قمرة القيادة تاركا الأمواج تتقاذف الوطن. في الختام.. نوجه رسالتنا إلى سيادة الفريق، رئيس هيئة الأركان الصامت، إن صفحات التاريخ لا يكتبها أصحاب الحناجر العريضة والخطب الرنانة، والتاريخ العسكري لا يرحم أبدا أولئك الذين جلسوا على مقاعد القيادة في أوقات المحن الوطنية الكبرى واختاروا تفعيل وضع الصامت. الشعب السوداني لا ينتظر منك الآن أن تفتح جبهات خارجية مع تشاد أو إفريقيا الوسطى أو يوغندا، فهذه دولتك بالكاد تقف على قدميها وتنزف من كل وريد، بل الشعب ينتظر منك فقط أن تثبت أنك رئيس أركان لجيش حقيقي، وأن تصدر أمرك الفوري والشجاع بتحريك تلك الجيوش النائمة في حاميات الأبيض وكادقلي والدمازين وغيرها، حركهم لتحرير الأرض المنهوبة، حركهم لإنقاذ ما تبقى من كرامة وعرض، أما إذا كنت تفضل البقاء في حالة الصم والبكم الاستراتيجية هذه، فربما من الأفضل والمجدي أن تعيد الميكروفون إلى الخدمة مجددا، فقد كنا، على الأقل، نجد في صياحك القديم وتهديداتك الفارغة بعض الضحكات التي كانت تنسينا ولو للحظات عابرة مرارة هذا الواقع المأساوي، وهي بلا شك أفضل بكثير من هذا الصمت المرعب الذي يشبه تماما وبكل تفاصيله، صمت الهزيمة.
|
|