السودان بين منطق الحرب ومنطق التسوية: نحو رؤية جديدة للحوار السوداني ـ السوداني كتبه مبارك عيسي اح

السودان بين منطق الحرب ومنطق التسوية: نحو رؤية جديدة للحوار السوداني ـ السوداني كتبه مبارك عيسي اح


06-09-2026, 04:14 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780974861&rn=0


Post: #1
Title: السودان بين منطق الحرب ومنطق التسوية: نحو رؤية جديدة للحوار السوداني ـ السوداني كتبه مبارك عيسي اح
Author: مبارك عيسي احمد سبيل
Date: 06-09-2026, 04:14 AM

04:14 AM June, 08 2026

سودانيز اون لاين
مبارك عيسي احمد سبيل-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



بقلم / مبارك عيسي احمد

المملكة المتحدة – بريطانيا

Mub.issa@gmail.com



السودان بين منطق الحرب ومنطق التسوية: نحو رؤية جديدة للحوار السوداني ـ السوداني



منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، دخل السودان واحدة من أكثر مراحله تعقيداً واضطراباً. و لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين متنازعتين، بل تحولت إلى مرآة تعكس أزمة دولة كاملة؛ أزمة هوية وسلطة، وأزمة مركز وهامش، تراكمت جذورها عبر عقود طويلة من الانقلابات العسكرية، والفشل السياسي، والحروب الأهلية، وغياب المشروع الوطني الجامع.



ومع اتساع رقعة الحرب وتفاقم المأساة الإنسانية، تشكلت في الساحة السودانية عدة كتل سياسية، لكل منها تصورها الخاص لطبيعة الحل ومسار التسوية الممكنة. فالكتلة الديمقراطية تميل إلى دعم القوات المسلحة في حربها ضد الدعم السريع، انطلاقاً من قناعة ترى أن الأولوية القصوى هي الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انهيار البلاد بالكامل. وفي المقابل، تطرح كتلة “صمود” رؤية مختلفة تقوم على وقف الحرب فوراً، والدخول في حوار سياسي شامل بين القوات المسلحة والدعم السريع، باعتبار أن استمرار القتال يهدد وحدة السودان ومستقبله.

أما كتلة “تأسيس”، فتتبنى خطاباً سياسياً وعسكريا كواجهة للدعم السريع، وترى أن جذور الأزمة الحقيقية تكمن في بنية الدولة المركزية القديمة، وفي احتكار السلطة والثروة منذ الاستقلال. وإلى جانب هذه الكتل، برزت أصوات جهوية تدعو إلى حلول جزئية ( انفصالية) أو مناطقية للأزمة، فضلاً عن وجود قوى سياسية تاريخية مثل حزب البعث والحزب الشيوعي السوداني، إلى جانب الحركات المسلحة غير المنخرطة بالكامل في العملية السياسية، وعلى رأسها حركة عبد الواحد محمد نور.



رغم التناقضات الحادة بين هذه الأطراف، فإن هناك نقاط التقاء مهمة يمكن البناء عليها. فجميع القوى السياسية، بدرجات متفاوتة، تتحدث عن الحوار باعتباره المدخل الأساسي للحل. كما أن هناك توافقاً واسعاً على ضرورة إبعاد المؤتمر الوطني، خصوصاً جناحه المتشدد، عن المشهد السياسي، مع تصاعد التصنيف الدولي للتيارات المرتبطة بالعنف والتطرف باعتبارها تهديداً مباشراً لأي انتقال مدني أو استقرار سياسي. لكن الخلاف الجوهري لا يزال يتمثل في طبيعة الحوار ومكان انعقاده والجهة الضامنة له. فالكتلة الديمقراطية تدعو إلى “حوار سوداني ـ سوداني من الداخل”، انطلاقاً من مبدأ السيادة الوطنية ورفض الوصاية الخارجية. بينما تتمسك كتلة “صمود” بفكرة الحوار برعاية خارجية، إقليمية ودولية، بسبب انعدام الثقة بين الأطراف المسلحة والسياسية، وخشية بعض القوى من غياب الضمانات الأمنية والسياسية داخل السودان.



غير أن التجربة السودانية خلال العقود الماضية أثبتت أن الصراع بين “الحل الداخلي” و”الحل الخارجي” هو، في جوهره، صراع شكلي او تكتكي أكثر من كونه خلافاً حقيقياً. فالتسويات الكبرى لا تنجح إلا إذا جمعت بين عنصرين متكاملين: الإرادة الوطنية السودانية، والضمانات الإقليمية والدولية. فمن هنا اقترح رؤية بديلة تقوم على صيغة وسطية عنوانها:

“حوار سوداني ـ سوداني يُعقد داخل السودان بضمانات خارجية.”

و تكون “الخماسية” أو أي آلية إقليمية و دولية متوافق عليها، جزءاً من هذه الضمانات، بما يخلق توازناً بين السيادة الوطنية والحاجة إلى الثقة والرقابة الدولية. وتقوم هذه الرؤية على عدة مبادئ أساسية:



أولاً، أن يُعقد الحوار داخل السودان، أو في مدينة سودانية آمنة، حتى يحتفظ السودانيون بملكية العملية السياسية، ويشعر المواطن بأن الحل يُصنع داخل وطنه، لا في العواصم الأجنبية.

ثانياً، أن يتم الحوار تحت رعاية وضمانات إقليمية ودولية تشمل الاتحاد الأفريقي، ومنظمة الإيقاد، والأمم المتحدة، وبعض الدول ذات التأثير المباشر في الأزمة، بحيث توفر هذه الأطراف ضمانات تتعلق بوقف إطلاق النار، وتأمين المشاركين، والإشراف على تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.



ثالثاً، أن يكون الحوار شاملاً، لا يقتصر على القوى التقليدية أو الأطراف العسكرية فقط، بل يمتد ليشمل الحركات المسلحة غير الموقعة على اتفاق جوبا، وعلى رأسها حركة عبد الواحد محمد نور، إضافة إلى الإدارات الأهلية، والنساء، والشباب، والنقابات، والقوى المدنية الحقيقية في الداخل والأقاليم والمهجر.

رابعاً، الفصل بين المسارين الإنساني والسياسي، بحيث يبدأ فوراً وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وعودة النازحين، دون ربط ذلك بالتوافق النهائي حول شكل الدولة أو ترتيبات تقاسم السلطة.

خامساً، أن تقوم العملية السياسية على مشروع وطني جديد يعيد تعريف الدولة السودانية باعتبارها دولة مواطنة وعدالة، لا دولة هيمنة أيديولوجية أو عسكرية أو جهوية.



لقد أثبتت الحرب الحالية أن أياً من الأطراف لن يستطيع حسم المعركة عسكرياً بصورة نهائية دون أن يدفع السودان كله ثمناً كارثياً. كما أثبتت التجارب السابقة أن الإقصاء الكامل لأي مكون اجتماعي أو سياسي لا يؤدي إلا إلى دورة جديدة من العنف والانقسام. ولهذا، فإن السودان لا يحتاج اليوم إلى هدنة مؤقتة بقدر ما يحتاج إلى تسوية تاريخية شجاعة، تعيد تأسيس الدولة نفسها على أسس جديدة. تسوية لا تقوم على منطق المنتصر والمهزوم، بل على الاعتراف المتبادل، والشراكة الوطنية، وبناء عقد اجتماعي جديد يتجاوز ميراث الحرب والانقسام.



فالحروب، مهما طالت، تنتهي عادة على طاولة التفاوض. لكن الدول الذكية وحدها هي التي تعرف كيف تحول التفاوض من مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار إلى مشروع وطني دائم يؤسس للاستقرار والسلام. وفي النهاية، فإن نجاح أي حوار سوداني لن يتوقف فقط على مكان انعقاده، داخل السودان أو خارجه، بل على توفر الإرادة السياسية الحقيقية، والضمانات الفاعلة، والاعتراف بأن السودان لا يمكن أن يُحكم مرة أخرى بعقلية الإقصاء او الاحتكار او الغلبة العسكرية.

٨/٦/٢٠٢٦