دولة تأسيس الجنجويد تمتحن طلابها بمنهج دولة الجلابة التي تحاربها.. كتبه عبدالغني بريش فيوف

دولة تأسيس الجنجويد تمتحن طلابها بمنهج دولة الجلابة التي تحاربها.. كتبه عبدالغني بريش فيوف


06-08-2026, 08:25 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780946716&rn=0


Post: #1
Title: دولة تأسيس الجنجويد تمتحن طلابها بمنهج دولة الجلابة التي تحاربها.. كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 06-08-2026, 08:25 PM

08:25 PM June, 08 2026

سودانيز اون لاين
عبدالغني بريش فيوف -USA
مكتبتى
رابط مختصر





حين يُقرع جرس امتحانات الشهادة الودانية في مدارس نيالا الواقعة تحت سيطرة حكومة الجنجويد، لا يبدو الصوت تعليميا خالصا، ولا بريئا من أثقال السياسة والحرب والدم والخراب، فالمشهد، في ظاهره، طلاب يجلسون لأداء امتحانات الشهادة الثانوية بعد سنوات من الانقطاع والقلق والتشرد، أما في عمقه، فهو إعلان سياسي كامل الأركان، يكشف مفارقة كبرى في خطاب ميليشيا الدعم السريع ومشروعها المعلن، إذ كيف لمن حمل السلاح، وفق دعايته، لإسقاط دولة 56 ودولة الجلابة وكل ما تمثله من إرث إداري وتعليمي وثقافي، أن يعود في لحظة الامتحان إلى ذات الشهادة، وذات المناهج، وذات الرمزية التي ظل يهاجمها بوصفها عنوانا للهيمنة القديمة؟
السؤال ليس اعتراضا على حق الطلاب في التعليم، ولا استخفافا بمعاناة آلاف الأسر التي مزقتها الحرب وحرمت أبناءها من المدارس والدفاتر والمقاعد.
التعليم حق أصيل لا يجوز أن يصبح رهينة بندقية أو مزاج قائد عسكري أو صراع سلطة، لكن تحويل الامتحانات إلى منصة سياسية، وقرع جرسها على يد قائد ميليشيا تخوض حربا مدمرة، يفرض علينا أن نسأل، أي شهادة هذه، ومن يمنحها الشرعية، وبأي منهج تُعقد، وهل نحن أمام إنقاذ مستقبل الطلاب، أم أمام محاولة لتغليف مشروع انقسام جديد بورقة امتحان؟
لقد أعلنت قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، أنها تقاتل ضد دولة قديمة ظالمة، وضد مركز احتكر السلطة والثروة والقرار، ورفعت شعارات عن السودان الجديد، والعدالة، وإنهاء التهميش، وتفكيك البنية التي صنعت الأزمات.
غير أن أول اختبار حقيقي لهذا الخطاب لا يكون في الميادين العسكرية ولا في الخطب الحماسية، بل في المؤسسات، المدرسة، المحكمة، المستشفى، السجل المدني، المنهج، الشهادة، والاعتراف، وهنا تحديدا يظهر التناقض صارخا، فالقوة التي تزعم أنها تهدم دولة قديمة تجد نفسها محتاجة إلى أدوات تلك الدولة ذاتها كي تثبت أنها قادرة على الحكم، فالامتحان ليس مجرد أسئلة وأجوبة.
الشهادة الثانوية في السودان جزء من نظام تعليمي وطني متراكم، له مناهجه، ولوائحه، وسجلاته، ومراكز تصحيحه، واعتراف الجامعات به، وارتباطه بمؤسسات إقليمية ودولية، فإذا كان هذا النظام من مخلفات دولة الفلنقايات، كما يقول خطاب الدعم السريع، فلماذا يُستدعى اليوم لتجميل سلطة الأمر الواقع في نيالا، وإذا كان مرفوضا لأنه نتاج دولة ظالمة، فلماذا يصبح فجأة صالحا حين يخدم مشهدا سياسيا جديدا، وإذا كان فاسدا في الخرطوم، فهل يتطهر بمجرد نقله إلى دارفور تحت حراسة السلاح؟
هذا هو جوهر المفارقة، أن الحرب التي رُفعت باسم إسقاط الدولة القديمة انتهت إلى تقليدها، لا إلى تجاوزها، فالميليشيا التي تقول إنها تحارب المركز تحاول صناعة مركز بديل، والتي تهاجم احتكار القرار تسعى إلى احتكار التعليم في مناطق سيطرتها، والتي تدين توظيف مؤسسات الدولة في الصراع، توظف المدرسة نفسها في رسائلها الدعائية، وبذلك لا نكون أمام قطيعة مع دولة 56، بل أمام نسخة خشنة منها، أقل خبرة وأكثر عسكرة، تستبدل الختم الرسمي بفوهة البندقية، وتستعيض عن الشرعية الوطنية بالسيطرة الميدانية.
إن قرع حميدتي جرس الامتحانات في مدرسة الوحدة الثانوية للبنات بمدينة نيالا يحمل رمزية لا يمكن فصلها عن سياق الحرب، لأن المدرسة، في الوعي العام، فضاء مدني، مكان للأمان، ومجال لتكوين الإنسان لا لاستعراض القوة، وحين يتحول هذا الفضاء إلى مسرح سياسي وعسكري، فإن الرسالة المضمرة تصبح أخطر من الخبر نفسه، فالطلاب لا يجلسون فقط أمام ورقة امتحان، إنهم يوضعون داخل معادلة صراع، حيث يراد لصورتهم أن تقول إن السلطة الجديدة قادرة على الإدارة، وإن الحرب لم تمنع الحكومة المحلية من تسيير شؤون الحياة، لكن التعليم لا يستقر بالتصوير، ولا تُبنى الثقة بالتصريحات، ولا تتحول الميليشيا إلى دولة لأنها فتحت مراكز امتحان.
الدولة ليست جرسا يُقرع أمام الكاميرات، بل عقد اجتماعي، ومؤسسات محايدة، وقانون عام، وميزانية معلنة، ونظام مساءلة، واعتراف داخلي وخارجي، وحماية للمدنيين قبل حماية المنابر، لذلك فإن أخطر ما في الخطوة ليس انعقاد الامتحانات بذاته، بل محاولة تقديمها كدليل على قيام سلطة بديلة مكتملة، بينما البلاد ما زالت تنزف، والطلاب أنفسهم لا يعرفون مصير الشهادة التي سيحملونها، ولا ما إذا كانت الجامعات ستقبلها، ولا كيف ستُوثق، ولا من سيضمن نزاهتها، في المقابل، لا يمكن إعفاء السلطة المركزية من مسؤوليتها، فقد أدى عجزها عن الوصول إلى كل الطلاب، وقيامها بتنظيم امتحانات في مناطق دون أخرى، إلى تعميق الإحساس بالحرمان والتمييز.
آلاف الطلاب في دارفور وكردفان وجدوا أنفسهم بين نارين، إما مغادرة مناطقهم تحت ظروف قاسية للحاق بامتحانات مركزية، أو انتظار حل لا يأتي، وحين تغيب الدولة الجامعة، تتسلل سلطات الأمر الواقع لتملأ الفراغ، لذلك فإن نقد امتحانات نيالا لا يعني تبرئة الحكومة المركزية، بل يؤكد فشل الطرفين في حماية التعليم من الانقسام.
غير أن الفارق الجوهري أن معالجة الظلم لا تكون بإنتاج ظلم مقابل، ولا مقاومة الإقصاء بتأسيس نظامين تعليميين متنازعين، ولا تحرير الهامش بتحويله إلى مختبر لانقسام إداري وسياسي، فإذا كانت الشهادة الثانوية السودانية واحدة من آخر الخيوط التي تربط أبناء البلاد بمستقبل مشترك، فإن تمزيقها إلى شهادات متوازية يعني أن الحرب لم تكتف بتقسيم الجغرافيا، بل بدأت تقسم الوعي، والفرص، والذاكرة، ومعنى الانتماء، ومن هنا تبرز أهمية موقف لجنة المعلمين السودانيين، حين شددت على حق الطلاب في التعليم من غير أن تمنح أي طرف صك براءة سياسية.
هذا الموقف هو الأكثر اتزانا وسط ضجيج البنادق، لأنه يضع الطالب في المركز، لا القائد العسكري ولا الوزير ولا التحالف السياسي، فاللجنة تدرك أن الامتحان الموحد ليس مجرد إجراء إداري، بل ضمانة وطنية لعدم تحويل الأجيال إلى رهائن للخرائط العسكرية، كما أن دعوتها إلى لجنة قومية مستقلة ومحايدة تمثل مخرجا عقلانيا كان ينبغي التعامل معه بجدية منذ وقت مبكر.

إن الحل الحقيقي ليس في امتحانات موازية هنا أو هناك، بل في آلية وطنية مستقلة تشرف على الشهادة السودانية في كل الأقاليم، بمشاركة خبراء تربويين مشهود لهم بالكفاءة، وبضمانات محلية ودولية عند الحاجة، وبعيدا عن سيطرة الجيش أو الدعم السريع أو أي سلطة أمر واقع، فالطالب في الفاشر أو نيالا أو الأبيض أو بورتسودان أو عطبرة أو كسلا يستحق أن يجلس لامتحان واحد، معترف به، لا أن يُطلب منه إثبات ولائه لمن يسيطر على مدينته كي ينال حقه في التعليم.
الأزمة هنا تكشف مأزقا أعمق في الخطاب السوداني المعاصر، فكثيرون يرفعون شعار تفكيك الدولة القديمة، لكنهم لا يقدمون تصورا بديلا متماسكا للدولة الجديدة، يهاجمون المركزية، ثم يمارسونها محليا، يدينون الإقصاء، ثم يقصون خصومهم، يرفضون المناهج القديمة، ثم يمتحنون بها، يتحدثون عن العدالة، ثم يصمتون عن الانتهاكات حين تصدر من معسكرهم، وهذه ليست ثورة على بنية الاستبداد، بل إعادة إنتاج لها بوجوه ورايات مختلفة.
لو كان لدى الدعم السريع مشروع تعليمي حقيقي، لكان بدأ بالسؤال عن فلسفة التعليم، وعن لغة المناهج، وعن تاريخ السودان المتعدد، وعن كيفية إنصاف الأقاليم، وعن تدريب المعلمين، وتأمين المدارس، وضمان الاعتراف بالشهادات، أما أن تُدار المسألة بمنطق رد الفعل على امتحانات الحكومة المركزية، فهذا يعني أن الطلاب تحولوا إلى ورقة مساومة لا إلى أصحاب حق، فالامتحان الذي يولد من رحم المناكفة السياسية سيظل محاطاً بالشك، مهما ازدحمت حوله الشعارات.
ثم إن الحديث عن صرف رواتب المعلمين، بعد ثلاث سنوات من العمل الطوعي والمعاناة، لا ينبغي أن يُقدّم كمنحة من قائد عسكري، المعلم ليس تابعا لمعسكر، ولا موظفاً في جهاز دعائي، بل ركيزة من ركائز المجتمع، وكرامته لا تصان بالوعود العلنية وحدها، بل بنظام مالي واضح، وموارد معلومة، وإدارة مدنية، واستقلال مهني، أما تحويل الرواتب إلى جزء من خطاب التعبئة، فهو استمرار لاستخدام حاجات الناس كأدوات نفوذ.
إن السؤال اللاذع، هو، هل قرع الجرس بمناهج السودان الجديد أم بمناهج دولة الجلابة، يضع أصبعه على الجرح، فإما أن تعترف ميليشيا الدعم السريع بأن الشهادة السودانية، رغم كل عيوب الدولة التي أنتجتها، ما زالت إطارا وطنيا لا غنى عنه، وعندها يجب أن تقبل بمنطق الامتحان الموحد واللجنة المستقلة، وإما أن تعلن بوضوح أنها تؤسس نظاما تعليميا منفصلا، وعندها تتحمل مسؤولية الدفع بالبلاد نحو تقسيم فعلي يبدأ من المدرسة قبل أن يكتمل في السياسة، أما الجمع بين خطاب هدم الدولة واستخدام رموزها عند الحاجة، فهو انتهازية سياسية لا مشروع وطني.
ليست المشكلة أن يجلس طلاب دارفور وكردفان للامتحان، المشكلة أن يجلسوا تحت ظل سؤال أكبر من أعمارهم، أي وطن سيعترف بهم، وأي جامعة ستفتح لهم أبوابها، وأي مستقبل ينتظر شهادة صادرة من منطقة نزاع؟
إنهم لا يحتاجون إلى جرس يقرعه قائد حرب، بل إلى ضمانات صادقة بأن سنواتهم لن تضيع، وأن حقهم لن يتحول إلى ختم متنازع عليه بين سلطتين.
في النهاية، الامتحان الحقيقي ليس امتحان الطلاب، بل امتحان القوى التي تدعي تمثيلهم، فهل تستطيع هذه القوى أن ترفع يدها عن التعليم، هل تقبل أن تكون الشهادة السودانية جسرا للوحدة لا خندقا جديدا؟
هل تملك شجاعة الاعتراف بأن بناء السودان لا يبدأ من احتلال المدارس ولا من تسييس المناهج، بل من حماية الأطفال والمعلمين والحق العام؟
لقد قُرع الجرس في نيالا، لكن صوته لم يعلن بداية امتحان دراسي فحسب؛ بل كشف ارتباك مشروع كامل، فمن يحارب دولة الجلابة بمناهجها، ويهدم الدولة بشعاراتها، ثم يستعير شهادتها ليمنح نفسه مظهرا إداريا، لا يبني سودانا جديدا، بل يبرهن أن خصومته مع الدولة لم تكن بسبب ظلمها فقط، وإنما بسبب أنه لم يكن ممسكاً بمقودها، والسودان، المنهك بالحرب والتمزق، لا يحتاج إلى دولة قديمة بزي جديد، ولا إلى شهادة موازية على أنقاض وطن موحد، بل يحتاج إلى تعليم قومي مستقل، يفتح الباب للأجيال كي تنجو من امتحان الدم، قبل أن تجلس لامتحان الورق.